"إذا سرق فيهم الشريف تركوه"... لماذا تتغاضى جماعة الإخوان عن ممارسات أعضائها غير الأخلاقية؟

"إذا سرق فيهم الشريف تركوه"... لماذا تتغاضى جماعة الإخوان عن ممارسات أعضائها غير الأخلاقية؟

"إذا سرق فيهم الشريف تركوه"... لماذا تتغاضى جماعة الإخوان عن ممارسات أعضائها غير الأخلاقية؟


01/04/2026

 في 26 من شهر آذار/ مارس الماضي أصدرت محكة جنائية في باريس حكمًا بالسجن 18 عامًا على المفكر الإسلامي طارق رمضان بسبب اتهامه باغتصاب 3 نساء في فرنسا في الفترة من 2009م حتى 2016م، وكان قد صدر ضده حكم آخر في العام 2024م في سويسرا بعد توجيه اتهام مماثل له. 

وبجانب كون طارق رمضان أحد المفكرين البارزين في أوروبا في حقل الفكر الديني حيث يتركز اهتمامه بقضايا التجديد الديني والقضايا الخاصة بالمسلمين في الغرب، وعمله في عدد من أبرز الجامعات في أوروبا وبعض الدول العربية، كما أنّ له العديد من المؤلفات في هذا الحقل، بجانب شهرته الواسعة كداعية إسلامي في الغرب، فإنّه كذلك تربطه صلة قوية بجماعة الإخوان المسلمين، إذ إنّ والده هو القيادي الإخواني البارز سعيد رمضان صهر مؤسس الجماعة حسن البنا والسكرتير الشخصي له، وأحد أبرز المؤسسين للعمل الإسلامي وللحضور الإخواني في أوروبا في خمسينيات القرن العشرين، بعد أن ترك مصر واستقر هناك مع آخرين على إثر الصدام بين جماعة الإخوان ونظام عبد الناصر.

لكنّ اللافت في الأمر هو أنّ الجماعة، على الرغم من هذه الأحكام القضائية والمخالفات الأخلاقية الجسيمة؛ فإنّها لم تصدر أيّ تصريحات أو بيانات لإدانة هذه الأفعال، ولم يُعلق أفراد الجماعة عبر صفحاتهم الشخصية ولا عبر الصفحات التابعة للجماعة على وسائل التواصل الاجتماعي على الحدث، على الرغم من أنّ هذه الصفحات تُعلّق دائمًا وتوجه الاتهامات والنقد والسخرية وكل صور التشويه المعنوي إلى من يأتي بأفعال كهذه إذا كان ينتمي إلى تيارات سياسية أو فكرية أخرى، بل إنّ الجماعة لها حسابات متخصصة في التسريبات الجنسية تنشر من خلالها العديد من الأخبار والفيديوهات والصور الخاصة بممارسات غير أخلاقية لخصومها.

ازدواجية الجماعة

يكشف لنا واقع الجماعة وتاريخها كذلك عن تلك الازدواجية التي تتعامل بها في هذا الأمر، فالموقف الشهير الخاص بسكرتير الجماعة في عهد البنا "عبد الحكيم عابدين" الذي كان صهره كذلك، حيث تم توجيه اتهامات له من جانب بعض أفراد الجماعة بأنّه يتعرض لنسائهم بشكل غير أخلاقي، وتم تشكيل لجنة تحقيق في الأمر انتهت إلى إدانته، لكنّ البنا تحايل على الأمر بطرق مختلفة ولم يوافق على اتخاذ أيّ إجراء ضد عابدين، وكتب عدد من رموز الجماعة في أدبياتهم، مثل عبد الحليم محمود في كتابه "أحداث صنعت التاريخ" حول هذه الواقعة مفسرين ما حدث بأنّه كان من قبيل التآمر على الجماعة من جانب بعض الأفراد داخلها الذين لديهم مشكلات مع البنا.

وفي الوقت الحالي حدثت بعض المواقف الدالة على هذه الازدواجية أيضًا، منها توجيه عدد من النساء ممّن ينتمين إلى الجماعة اتهامات إلى أحد أعضائها المقيمين في الولايات المتحدة الأمريكية بأنّه يتحرش بهنّ مستغلًا قضية المسجونين من الإخوان وجمع التبرعات لأسرهم وتوجيه المساعدات لها، ورغم ذلك تغاضى الإخوان عن الأمر، بل كان منهم من يدافع عنه بقوة، كذلك ما حدث في الموقف الخاص باليوتيوبر الإسلامي عبد الله الشريف حين كثرت حوله اتهامات من هذا النوع منذ عدة سنوات اتخذت الجماعة الموقف نفسه بسبب أنّه قريب منها على المستويين الفكري والسياسي.

في هذا السياق تُعلق الكاتبة الصحفية هالة أمين صاحبة كتاب "حفيد البنا... ضحايا وشهادات" في تصريح لـ (حفريات)، حيث تقول: إنّ "صمت جماعة الإخوان وتغاضيها وعدم تعليقها أو عدم إدانتها العلنية لإدانات أفراد من داخلها أو من المقربين منها، مثل الحكم بالسجن 18 عامًا على طارق رمضان في فرنسا بتهمة الاغتصاب، يمكن فهمه من خلال عدة جوانب إيديولوجية واستراتيجية وعملية، وبينما قد يضغط بعض الأعضاء الأصغر سنًا من أجل المساءلة، فإنّ رد فعل الجماعة بشكل عام غالبًا ما يكون مدفوعًا بمجموعة من العوامل، منها على سبيل المثال: الحماية الإيديولوجية حيث تعمل الجماعة على حماية الصورة المثالية التي تعمل على ترسيخها في الأذهان وتجعلها مقدمة ولها الأولوية على معالجة سوء السلوك الداخلي، وتاريخيًا دافعت الجماعة في بعض الأحيان عن أعضائها رفيعي المستوى المتهمين بأفعال غير أخلاقية، بدلًا من تأديبهم، بهدف منع الانقسامات الداخلية".

وتضيف أمين: "هذا بالإضافة إلى عامل آخر يتمثل في سردية المؤامرة، وهو جزء مهم من الآليات التي تستخدمها الجماعة في الدفاع عن نفسها، وفي قضية طارق رمضان أو غيره من المتهمين أخلاقيًا، تدّعي الجماعة أنّ الإجراءات القانونية ضد الأعضاء البارزين ذات دوافع سياسية أو جزء من حملة معادية للإسلام، وقد وصف طارق رمضان نفسه مشاكله القانونية بأنّها محاولة سياسية لإقصاء مثقف مسلم".

وترى أمين أنّ "هناك عاملًا آخر يكمن في صميم تحركات الإخوان على مدى عقود، وهو الصمت الاستراتيجي والازدواجية الكلامية، فالجماعة تستخدم استراتيجية الازدواجية، حيث تُكيّف رسائلها لتناسب جماهير مختلفة، فعندما تُتهم الجماعة بسوء سلوك قد لا يتغاضى عنه الحلفاء الغربيون، غالبًا ما تتحول الاستراتيجية إلى الصمت بدلًا من الدفاع العلني الذي قد يُنَفِّر الشركاء الغربيين، هذا العامل يسير بالموازاة مع عامل البراجماتية على المبادئ، لأنّ قيادات الإخوان عادة ما تتصرف ببراجماتية بحتة، مُركزةً على البقاء السياسي بدلًا من معالجة الإخفاقات الأخلاقية للأفراد، لا سيّما عندما يُنظر إلى هؤلاء الأفراد على أنّهم أصول لسمعة التنظيم ككل".

وتضيف أنّ "ثمة عدة عوامل آخرى، منها نموذج الضحية، ومن خلال ذلك النموذج يُصوّر العديد من الأتباع ووسائل الإعلام التابعة لهم هذه القناعات على أنّها عنصرية دولة أو اضطهاد، مقارنين الوضع بمظالم تاريخية لترسيخ الولاء الداخلي بدلًا من إجراء مراجعة ذاتية، وفي قضية طارق رمضان، حفيد مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، فقد أدت إدانته بتهم اغتصاب متعددة في كل من سويسرا وفرنسا إلى صمت ملحوظ من جانب العديد من المؤسسات الإسلامية الأوروبية التي دافعت عنه سابقًا. باختصار شديد، الصمت وعدم التعليق هنا ليس لأنّ الفعل مقبول، بل لأنّ تكلفة الاعتراف أعلى من تكلفة الصمت سياسيًا وتنظيميًا، والرهان على نسيان القضية مع الوقت بدلًا من مواجهتها، وحماية المشروع قبل الشخص، والاستثمار السابق في الشخص بمعنى أنّ شخصًا مثل طارق رمضان الذي تم تقديمه لسنوات كواجهة فكرية، فإنّ الاعتراف بخطئه يعني أنّ الجماعة كانت مخطئة في الترويج له، وهو ما سيفتح الباب لمحاسبة آخرين، وهو أمر مكلف نفسيًا وتنظيميًا؛ لذلك يتم الصمت، فالصمت هنا يمنع تساقط أحجار الدومينو".  




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار


آخر التقارير

الصفحة الرئيسية