جماعة إسماعيل آغا.. ذراع أردوغان الصوفية

جماعة إسماعيل آغا.. ذراع أردوغان الصوفية

مشاهدة

14/01/2021

منذ انتهاء تحالف حزب العدالة والتنمية مع جماعة فتح الله غولن بشكل رسمي، بعد عملية 17 كانون الأول (ديسمبر) 2013، ودخول حكومة حزب العدالة والتنمية في معركة كسر عظم مع ذات الجماعة، الملقبة الآن بالتنظيم الموازي؛ بدأت معالم العلاقة بين العدالة والتنمية والتيار الصوفي، أبرزها جماعة إسماعيل آغا؛ التي يترأسها الشيخ محمود أفندي.

الوزن الانتخابي لهذه الجماعة يقدّر بما يفوق 2 أو 3% وهي نسبة يحتاج إليها حزب العدالة والتنمية

اتضحت تفاصيل تلك العلاقة، حين وقع الانقلاب العسكري الفاشل، في 15 تموز (يوليو) 2016، ووقف أعضاء الجماعة عند مسجد الفاتح، يرفعون السلاح ويقبضون على الضباط بأنفسهم، وردّ أردوغان الجميل بزيارة زعيم الجماعة في منزله، في صبيحة يوم الانتخابات الرئاسية، الصيف الماضي.

في مهرجان إسطنبول، الذي أقامته رئاسة الجمهورية التركية وبلدية إسطنبول، يوم 31 أيار (مايو) 2017، بمناسبة الذكرى 562 لفتح إسطنبول، ظهرت جماعة إسماعيل آغا؛ حيث رفع أعضاؤها شعارات وصور الشيخ محمود أفندي، وفي يوم 7 حزيران (يونيو) من العام نفسه، أصدرت بياناً رسمياً دعت فيه إلى المحافظة على الاستقرار السياسي في البلاد، وإلى عدم السماح بعودة تركيا إلى ما كانت عليه في السابق، من عدم الاستقرار السياسي.

 الشيخ محمود أفندي

التميّز طريق البقاء

جماعة إسماعيل آغا، وفق جريدة "الزمان" التركية؛ هي أكبر بكثير من أعداد منتسبي جماعة فتح الله غولن، كما أنّ النسبة المئوية للوزن الانتخابي لهذه الجماعة تقدّر بما يفوق 2 أو 3%، وهي نسبة يحتاج إليها حزب العدالة والتنمية في ظلّ الموازين الحالية، كما هي أيضاً تحتاج إلى أردوغان خوفاً من فشله في تجميع النصاب البرلماني الكافي لتشكيل الحكومة؛ أي أكثر من 50% من مقاعد البرلمان، وهو ما قد يتيح الفرصة للأحزاب المعارضة لتشكيل حكومة ائتلافية، وهو ما سيضرّ بمصالح هذه الجماعة، بسبب أيديولوجيتها القريبة من العدالة والتنمية.

اقرأ أيضاً: الطرق الصوفية في تركيا.. عبادة أم سياسة؟

أسّس الجماعة الشيخ عثمان أوغلو؛ شيخ الطريقة النقشبندية التركية، الذي ولد العام 1929، في أوف، بمحافظة طرابزون التركية، لعائلة مسلمة، وعيِّن إماماً لمسجد إسماعيل آغا في إسطنبول، العام 1954، وظلّ فيه حتى أحيل إلى التقاعد العام 1996، وكان يقوم بالتدريس والوعظ في إسطنبول، ويجذب الكثير من الطلاب والمريدين.

قام أردوغان  بزيارة زعيم الجماعة في منزله

أما الشيخ محمود أفندي، زعيم الجماعة الحالي؛ فهو صوفيّ التوجّه، نقشبنديّ الطريقة، حنفيّ المذهب والفقه، أخذ عن أبرز شيوخ الطريقة النقشبندية، ولكثرة تأثيره في الجمهور التركي، تعرّض للمضايقات من قبل الجمهوريين، خاصة بعد انقلاب 1960، ودخول البلاد حالة الطوارئ، وحكمت عليه الإدارة العسكرية بالنفي إلى مدينة إسكي شهير، وسط تركيا، لكن القرار لم يطبق، العام 1982.

أسّس الجماعة عثمان أوغلو شيخ الطريقة النقشبندية التركية الذي ولد العام 1929 بمحافظة طرابزون التركية

اتُّهم أفندي بالضلوع في اغتيال مفتي منطقة أسكودار، وبعد عامين ونصف؛ حكمت المحكمة ببراءته من التهمة، وفي العام 1985؛ أحيل إلى محكمة أمن الدولة، بحجّة أنّ خطبه ودروسه تهدد مبدأ علمانية الدولة، لكن المحكمة قضت ببراءته. والعام 2006؛ قُتل الشيخ بيرم علي أوزتورك، من أكبر طلاب الشيخ وصهره ومعيد درسه، وهو يلقي درسه على كرسي الوعظ والإرشاد في جامع إسماعيل آغا، كما أُطلق على سيارة الشيخ محمود أفندي الرصاص، العام 2007، في محاولة لاغتياله، لكنّه لم يصب بأذى.

يقدر أعضاء الجماعة بالملايين، ويتمركزون في مدينة طرابزون الساحلية على بحر الأسود، وهي مجاورة لبلدة الرئيس التركي أردوغان "ريزا"، ويتميزون بزيّهم الخاص؛ فالنساء لا يلبسن سوى الأسود، ويسمّونها "Çarşaf"، التي تُلبس بطريقة خاصة؛ حيث يظهر من الوجه العيون والأنف فقط، أما الرجال فيغطون الرأس ويلبسون ما يسمّى  ."cubbe"

أتباع جماعة إسماعيل آغا لا يأكلون الطعام البحري، باستثناء السمك، ولا يقبلون بالمسح على الجوارب، حتى في البرد القارس، ويتكلمون العربية الفصحى فقط، فهم يدرسونها في مناهجهم ويتعلمون علومها؛ من صرفٍ ونحوٍ وبلاغة.

اقرأ أيضاً: ماذا تعرف.. عن الإسلام الصوفي؟

انتشرت الجماعة انتشاراً لم يسبق له مثيل في عهد العدالة والتنمية، واستثمرت أموال الوقف المنتشرة في إسطنبول وتركيا، وغيرها، بصرفها على حلقات التعليم التي تديرها مشيخة الجماعة بطريقة احترافية؛ حيث يدخل الطالب بمراحل تعليم ضمن بيئة خاصة تجعل الطالب متأثراً بالبيئة أكثر من تأثره بالمادة العلمية، ويتم الصرف على كلّ طالب مستمر، وفق الشروط التي يضعونها، من مأكل ومشرب وملبس، لحين إكمال دراسته، وقد يُعيّن مدرساً في مدارسهم الدينية نفسها، وهذه المدارس مفتوحة للجنسين معاً، وهذا ما نقلته صحيفة (ترك برس) التركية.

اقرأ أيضاً: ما علاقة صوفيّة مصر بإيران؟

في تقرير للصحيفة نفسها، جاء أنّ الطالب يتخرج وأبرز ما يحمله في داخله عقيدة الولاء للجماعة ومريديها، فتجد الأمر يصل لأبسط الأمور، فمنتجات الشركة الفلانية لن تجدها؛ لأنّ صاحبها علمانيّ، بينما ستجد أنهم يشترون من الشركة التي صاحبها إسلاميّ ومقرّب، أو تابع، للجماعة، حتى إن كان المنتج أقلّ جودة وأغلى ثمناً، ووفق هذه المنهجية؛ فإنّ وجوده ضمن هذه الجماعة، كداعم لها، سيمدّه بالدعم من ملايين الناس التي تعتقد أنه جزء منها لا ينفصل، كما أن البعد القومي لا يتم إغفاله مطلقاً؛ فتجد الغالبية لهذه الجماعة تشعر بأنّها من أحفاد "آق شمس الدين"، شيخ السلطان محمد الفاتح.

إنّ جماعة إسماعيل آغا الأكثر حضوراً وانتشاراً الآن، هم من يؤمنون بالكثير من المعتقدات الروحية منها: "أنّ الصلة بالله إنما تحصل بالتقرب إليه، بوضع صورة الشيخ (الإمام) في مخيلة المريد وبين عينيه عند ذكر الله"، أو "لمشايخهم علم بالغيب".

رئيس الوزراء السابق داوود أوغلو يزور الشيخ أفندي

مستقبل الجماعة إلى أين؟

بسبب الثقل الكبير الذي تتمتع به هذه الجماعة، فقد حظيت برعاية كبار المسؤولين في حكومة حزب العدالة، وقام أردوغان نفسه بزيارة الشيخ أفندي، وكذلك رئيس الوزراء السابق داوود أوغلو.

يقول الباحث مصطفى زهران لـ"حفريات": إنّ "العلاقة متجذرة بين الصوفية وأردوغان، وإنه لا مستقبل للاثنين معاً دون الآخر".

يقدر أعضاء الجماعة بالملايين ويتمركزون في مدينة طرابزون الساحلية على بحر الأسود

ورغم العهود بين أردوغان وزعيم الجماعة، ووقوف الأخيرة مع العدالة والتنمية في مواجهته لجماعة غولن، إلا أنّ هناك تخوفاً من الانقلاب عليهم، وهذا ما صرّح به الشيخ المعروف، جبلي أحمد، من جماعة إسماعيل آغا، حين قال في تصريحات صحافية: "لا تفرحوا، إذا ما قضوا على تنظيم فتح الله غولن؛ فإنّهم سيقضون على كل الجماعات بعده".

لقد اتسعت الهوّة بين حزب العدالة والتنمية وباقي الجماعات، بما فيها الصوفية، بسبب عاملين أساسيين؛ أولهما حملة التخوين والتعرية الشرسة التي شنّها تيار نجم الدين أربكان ضدّ أردوغان ورفاقه، ممن كانوا تلامذته بالأمس، وثانيهما؛ هو التحالف الهجين الذي قام بين حزب العدالة والتنمية وجماعة فتح الله غولن، التي استغلت قربها من السلطة لتوسعة نفوذها، ولمحاربة باقي الجماعات الإسلامية التركية داخل وخارج تركيا، ثم انقلاب أردوغان عليهم فيما بعد، وتصفيته لهم تحت زعم أنهم الجماعة الموازية.

إلا أنّ الباحث السوداني، عباس محمد صالح عباس، يرى عكس ذلك في حديث خاص لـ "حفريات"، عن مستقبل هذه الجماعة، وغيرها من الجماعات الصوفية، حيث قال: إنّه في ضوء التحولات الدينية الجارية في تركيا، من المحتمل أن تزدهر الصوفية، تيارات ومدارس، في تركيا تحت قيادة حزب "العدالة والتنمية" لعدة اعتبارات، منها: إدراك القيادة التركية أهمية التصوف، كتيار متجذّر تاريخياً في بنية المجتمعات الإسلامية، وله حضور كبير داخل هذه المجتمعات، بالنسبة إلى مشروعه، وكذلك اهتمام تركيا بالتصوف يأتي في سياق اتجاه تركيا لتعزيز قطاع السياحة الدينية والريادة فيها، سيما رمزية التقاليد الصوفية في وقتنا الراهن، مع وجود ضريح مولانا جلال الدين الرومي في البلاد، وشعبية أشعاره في العالم الإسلامي، وفي الغرب.

أتباع جماعة إسماعيل آغا يتكلمون العربية الفصحى فقط فهم يدرسونها في مناهجهم ويتعلمون علومها

وهناك أيضاً، وفق عباس، أسباب أخرى تجعل من تركيا أردوغان تهتم بالصوفية، منها: محاولاتها تعزيز قدرات ونفوذ مؤسسات قوتها الناعمة، مثل: "وقف الديانة التركي"، أو "رئاسة الشؤون الدينية"، والوقفيات الأخرى العاملة في القطاع الديني بمدارسه المختلفة، كما أنّ الانخراط التركي في المشروعات الدينية، خاصّة التصوّف، يتيح لها فرصة الترويج لنموذجها في الحكم.

إنّ القوى التي وقفت مع أردوغان ليست من تيار الإسلام السياسي الحركي فقط؛ بل أغلبها من التجلي المعاصر لسلسلة الطرق الصوفية، التي تمارس السياسة المدعومة من قبل الحكومة التركية لحزب العدالة والتنمية، وهي التي استغلت الفضاءات الرحبة التي أُعطيت لها، مقابل دعم الحكومة التركية الحالية، ومنها جماعة إسماعيل آغا، التي يترأسها الشيخ محمود أفندي، وهي الأكثر انتشاراً وذيوعاً.

الصفحة الرئيسية