أدلجة النصوص التأسيسية: توظيف الهوية الدينية لتقويض سمو الدستور

أدلجة النصوص التأسيسية: توظيف الهوية الدينية لتقويض سمو الدستور

أدلجة النصوص التأسيسية: توظيف الهوية الدينية لتقويض سمو الدستور


05/11/2026

تمثل الوثيقة الدستورية في فقه القانون العام قمة الهرم المعياري للدولة المعاصرة. إذ تجسد العقد السياسي والاجتماعي الأسمى الذي تنبثق عنه سائر السلطات، وتتحدد بموجبه الحقوق والحريات العامة. ويفترض الفكر الدستوري المستقر أنّ عملية صناعة الدستور هي ممارسة تقوم بها السلطة التأسيسية الأصلية للتعبير عن الإرادة المشتركة للمجتمع بأسره، بكل أطيافه وتعدديته، بهدف إقامة نظام سياسي وقانوني يرتكز على المساواة المطلقة للمواطنين أمام القانون. إلا أنّ التحول المقلق الذي شهدته عدة تجارب دستورية في منطقتنا عقب التحولات السياسية المتعاقبة، تمثل في سعي تيارات الإسلام السياسي إلى نقل ساحة التنافس الحزبي من ميدان البرامج المتغيرة إلى صلب المتن الدستوري ذاته. وقد تجسد ذلك في محاولة فرض نصوص تتعلق بالهوية وتفسيرات دينية معينة، لا بوصفها عناصر جامعة تُعبّر عن الرصيد التاريخي المشترك للأمة، بل باعتبارها أدوات هيمنة إجرائية وتشريعية تهدف إلى تقييد المشرع العادي مستقبلاً، وشلّ فاعلية الرقابة القضائية، وإعادة تكييف مفهوم المواطنة على أسس عقدية تمايزية.

اختطاف السلطة التأسيسية وتحويل الدستور إلى برنامج إيديولوجي

تستلزم صياغة الوثيقة الدستورية، بطبيعتها الفنية، توافقاً وطنياً يتجاوز الأغلبيات العددية العابرة، لأنّ الدستور وضع ليبقى وينظم تداول السلطة السلمي لا ليخلد رؤية فصيل سياسي بعينه. غير أنّ التيارات الإيديولوجية الإسلامية تعاملت مع اللحظات التأسيسية بمنطق الغلبة الانتخابية المؤقتة، محاولةً ترسيخ تصوراتها الشمولية في صلب الوثائق التأسيسية. إنّ وظيفة النص الدستوري في الدولة الحديثة، كما يقرر فقهاء القانون العام، هي لجم تغول السلطة وكفالة التعددية وحماية الأقليات من استبداد الأكثرية. ولكنّ إقحام المفاهيم العقائدية الحركية في ديباجات الدساتير وفصولها الأولى يُخرج الوثيقة عن حيادها الوظيفي، ويحولها من قانون أساسي محايد يحكم التنافس بين مختلف الأفكار، إلى ميثاق عقائدي ملزم يحكم على المخالفين في الرأي أو الاعتقاد بالمروق الدستوري. هذا الانحراف يعطل فكرة العقد الاجتماعي التي تجعل الولاء القانوني منصباً على دولة القانون وحدها، مستبدلاً إيّاه بولاء طائفي أو حزبي تتسع بموجبه مساحة السلطة وتضيق رقعة الحريات الفردية والعامة.

فخ الغموض التشريعي المتعمد وتطويق القاضي الدستوري

من أدق التقنيات القانونية التي وظفتها هذه الحركات في اللجان الدستورية، اللجوء إلى ما يعرف في الفقه التشريعي بـ "الغموض الموجّه" أي تضمين النصوص عبارات عامة وفضفاضة تحت لافتة مبادئ الشريعة، أو الهوية الأصيلة، أو الأخلاق والآداب العامة، دون ضبط اصطلاحي محكم يحدد مداها ونطاق تطبيقها. هذا التكتيك الدستوري ليس عفوياً، بل هو استراتيجية قانونية خبيثة تهدف إلى إيجاد مأزق تفسيري للقضاء. إذ يتم ترحيل الخلاف الإيديولوجي المحتدم من قاعة الصياغة التأسيسية إلى أروقة المحاكم. فالمحكمة الدستورية العليا، حين تتولى ممارسة رقابتها على مطابقة القوانين العادية للدستور، تجد نفسها أمام نصوص رخوة تحتمل تأويلات متضاربة: فهل يُقصد بالشريعة مقاصدها الإنسانية الكليّة ومبادئ العدل والمساواة، أم يُقصد بها أحكام الفقه الجزئي التاريخي وفتاوى المدارس المتباينة؟ إنّ التيارات الحركية تسعى دائماً إلى استغلال هذا الغموض لخلق مناخ ضغط سياسي وشعبي على القضاة، بحيث يُتهم كل تفسير قضائي مدني للنص بأنّه تعطيل لحكم الدين. والغاية النهائية من وراء ذلك هي انتزاع وظيفة التفسير الدستوري من المحكمة الدستورية ـ باعتبارها حارسة الشرعية ـ وإحالتها ضمناً أو صراحة إلى هيئات دينية أو لجان فقهية موازية، بما يؤدي حتماً إلى تجريد السلطة القضائية من استقلالها وتدجينها تحت مظلة وصاية ثيوقراطية مقنعة.

العبث بمرتبة القواعد القانونية وتفكيك مبدأ سمو الدستور

يستقر الفقه الدستوري على مبدأ تدرج القواعد القانونية، حيث تعلو نصوص الدستور على القوانين الأساسية والعادية، وتلتزم الأخيرة بالخضوع لها شكلاً وموضوعاً، تليها اللوائح التنظيمية والقرارات الإدارية. ولا تتحقق هذه التراتبية المعيارية إلا بوضوح المعيار المرجعي وثباته وانتمائه للمنظومة الوضعية المكتوبة. لكنّ المآل القانوني لمحاولات التيارات الإسلامية يتجه نحو إنشاء قواعد فوق دستورية ذات طابع ديني غير مقنن وغير خاضع للرقابة الشعبية. فحين يقرر النص الدستوري إخضاع كل القوانين لمرجعية مذهبية غير محددة الأركان، تصبح سائر الحقوق المكتسبة في الدستور ـ مثل حرية الرأي والتعبير، وحرية البحث العلمي والإبداع الأدبي، وحق التظاهر السلمي ـ حقوقاً شكلية ومعلقة على شرط فاسخ، وهو ألّا تخالف تلك المرجعية. والنتيجة الفنية هنا هي تدمير الأمن القانوني   والدستوري واستقرار المعاملات، ذلك أنّ المشرع العادي أو المواطن لا يعود بمقدوره معرفة حدوده القانونية استناداً إلى نصوص واضحة ومسبقة الصدور، بل يصبح كل تصرف مدني مهدداً بالبطلان استناداً إلى فتاوى متضاربة تصدرها جهات لا تتمتع بصفة التمثيل الدستوري للأمة، وهو ما يسقط الحصانة القانونية عن مبدأ لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص.

تقويض المواطنة المتساوية وانقسام المركز القانوني للفرد

تُعدّ المواطنة المتساوية حجر الزاوية في بناء الدولة الوطنية الدستورية إذ تعني قانونياً تجريد الفرد من أيّ صفة خاصة خارج نطاق انتمائه القانوني للدولة، بحيث يتمتع بالحقوق والواجبات ذاتها بغضّ النظر عن انتمائه الديني أو المذهبي أو العرقي أو النوعي. وعندما تنجح التيارات المؤدلجة في فرض منطق الهوية الحصرية على الدستور، ينكسر هذا المبدأ المؤسس فوراً إذ يتحول الدستور من وثيقة للمواطنين جميعاً إلى وثيقة ترعى مصالح جماعة الأغلبية المذهبية. ويتجلى ذلك جلياً في قضايا الأحوال الشخصية، وتولي الوظائف العامة، وضمانات ممارسة الشعائر الدينية للأقليات. فالقانون في ظل هذه الرؤية يبدأ في إنتاج "مراكز قانونية متفاوتة"؛ فالمواطن الذي ينتمي إلى المنظومة العقائدية السائدة يتمتع بحقوق أصلية كاملة، في حين يُعامل المختلف عقائدياً أو فكرياً بوصفه حالة استثنائية مشمولة  بالتسامح المشروط، لا صاحب حق أصيل تضمنه الدولة الدستورية بقوة القانون المجرد. وهذا المسار التشريعي التمييزي يشكل انتهاكاً صارخاً للالتزامات الدولية الناشئة عن المعاهدات والمواثيق الحقوقية التي صادقت عليها الدولة، ويفتح الباب واسعاً أمام تمزق السلم الأهلي بفعل استدعاء الولاءات الفرعية والانقسامات الهوياتية إلى ساحة التقاضي وإدارة الشأن العام.

حتمية استعادة حياد الوثيقة الدستورية

إنّ النقد القانوني المتجرد لمسار توظيف الهوية الدينية في الدساتير لا يستهدف إقصاء القيم الأخلاقية أو الثقافية التاريخية للشعوب، بل يسعى إلى وضع كل قاعدة في موضعها الإجرائي والمعياري الصحيح. فالدين، بطبيعته الروحية والوجدانية، أوسع وأسمى من أن يختزل في نصوص تشريعية تجرم وتبيح وفق حسابات الصراع الحزبي، في حين أنّ الدستور أداة مدنية وضعية تدير الشأن السياسي القابل للتغيير والنقد المستمر. إنّ صيانة سمو الدستور وحماية الدولة الوطنية من مخاطر التشظي يقتضيان التمسك بالحياد الدستوري الصارم، وهو حياد لا يعني معاداة الأديان، بل يعني وقوف الدولة ومؤسساتها القضائية والتشريعية والتنفيذية على مسافة واحدة ومتساوية من كافة مواطنيها. إنّ القانون لا يستمد شرعيته الحقيقية من مزاعم تمثيل السماء، بل من مدى تحقيقه للعدل، والمساواة، وحماية كرامة الإنسان وحريته غير المنقوصة. إنّ التحرر من أوهام تسييس النصوص هو المدخل الحاسم لإنقاذ الدستور من براثن التوظيف الإيديولوجي، وإعادته إلى مكانه الطبيعي: ميثاقاً جامعاً للمواطنة، وسياجاً منيعاً لحماية الحقوق والحريات العامة في مواجهة أيّ تسلط.


المصادر:

1- د. يحيى الجمل، النظرية العامة للدساتير، دار النهضة العربية، القاهرة، 2002.

2-  د. رمزي طه الشاعر، النظرية العامة للقانون الدستوري، دار النهضة العربية،

    القاهرة، ط5، 2005.

3-  د. سليمان محمد الطماوي، السلطات الثلاث في الدساتير العربية المعاصرة وفي الفكر الإسلامي: دراسة مقارنة، دار الفكر العربي، القاهرة، ط6، 1996.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات
الصفحة الرئيسية