الأوقاف الائتمانية لأموال الإخوان في التشريعات الغربية

الأوقاف الائتمانية لأموال الإخوان في التشريعات الغربية

الأوقاف الائتمانية لأموال الإخوان في التشريعات الغربية


13/10/2026

تطرح الأوقاف الائتمانية وترتيبات الملكية المالية في التشريعات الغربية إشكالية قانونية معقدة تتعلق بكيفية تتبع الأصول وتحديد المستفيد الحقيقي منها، ولا سيّما عند استخدام الهياكل القانونية التي تفصل بين الملكية المسجلة والانتفاع الفعلي بالأموال. ويتناول هذا المقال الآليات التي تتيحها عقود الائتمان والأوقاف الخاصة والشركات والمؤسسات الاعتبارية في بريطانيا وسويسرا وليختنشتاين، ومدى إمكان توظيفها في إدارة الأصول المرتبطة بشبكات الإسلام السياسي، وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين، مع استعراض التحولات التشريعية التي فرضت مزيدًا من الشفافية والإفصاح المالي، والضوابط القضائية اللازمة لكشف المستفيدين الحقيقيين ومواجهة استخدام الكيانات القانونية ستارًا لإخفاء الملكية أو الالتفاف على قواعد الرقابة والمساءلة.

مأزق التكييف المالي: نشأة الشخصية الاعتبارية الشبحية

تتجاوز مسألة تعقب الأصول والتدفقات النقدية التابعة لحركات الإسلام السياسي، وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين في البيئات الأوروبية، حدود التحقيقات الجنائية الكلاسيكية لتستقر في صلب الإشكالات الفنية الدقيقة لفلسفة القانون الخاص والقانون المالي المقارن. فالجماعة لم تلجأ في تثبيت حضورها المالي الخارجي إلى القنوات النقدية الموازية أو أساليب التهريب المصرفي البدائية، بل اعتمدت تخطيطاً مؤسسياً استغل بدقة البنية الهيكلية لعقود الائتمان، والأوقاف الأهلية الخاصة، وتشريعات الشركات القابضة في الأنظمة القضائية الغربية. والهدف الجوهري من وراء هذا المسار هو تأسيس حالة حصانة قانونية تمنع القضاء وأجهزة الرقابة الضريبية من اختراق ما يمكن توصيفه بـ "الشخصية الاعتبارية الشبحية"، عبر الفصل المتعمد بين الإدارة الظاهرة للأصل الاستثماري وبين المستفيد الحقيقي الموجه له.

شطر الملكية في فقه الائتمان الأنجلوساكسوني

تاريخياً وتشريعياً، تستند هذه المنظومة إلى خصوصية قواعد العدالة في القانون العام الإنجليزي المقارن، التي أقرّت مبدأً جوهرياً لم تألفه النظم القانونية اللاتينية. وهو شطر الملكية إلى مستويين متمايزين: ملكية قانونية شكلية تثبت للأمناء وتقيد في السجلات الرسمية، وملكية نفعية تخص المستفيدين من عوائد الأصل. استثمر المنظرون الماليون للتنظيم هذا التمايز القانوني الدقيق عبر إنشاء ما يُعرف بـ "صناديق الائتمان الاستنسابية"، حيث يسجل العقار أو المركز الاستثماري باسم أمناء حائزين لجنسيات غربية، في حين تدار شروط استحقاق الأرباح وتوزيعها عبر لوائح سرية ملحقة تعرف بـ "خطابات الرغبة"، وهي وثائق لا تظهر في السجلات العقارية الرسمية ولا ترتب أيّ حق عيني مباشر للمستفيدين يمكن للحكومات أو الدائنين الحجز عليه قضائياً. وبذلك تنزع عن تلك الأموال ذمتها المالية الشخصية المرتبطة بقيادات حركية معلومة، وتتحول إلى كيانات ذات استقلال مالي مصطنع، يصعب إخضاعها لقواعد المسؤولية التقصيرية أو الجنائية المباشرة.

التداخل الإجرائي بين الأوقاف الخيرية والمحافظ التجارية

يتجسد هذا الواقع العملي في نموذج صندوق أوروبا الائتماني المؤسس في بريطانيا، الذي شكل لعقود الذراع الاستثمارية الحاضنة لأصول الجماعة في القارة. إذ قامت فلسفته التأسيسية على تدوير التبرعات وتجميعها لشراء محافظ عقارية وأسواق تجارية في مدن أوروبية مركزية، ثم تأجيرها لكيانات استثمارية فرعية. والغاية من هذه المناورة هي استخدام عوائد الإيجارات لتمويل شبكة المراكز والهيئات التابعة لمجلس مسلمي أوروبا (اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا سابقاً)، تحت غطاء تمويل الأنشطة الدينية والتعليمية. إنّ التعقيد القضائي في هذه الحالة نشأ من الاحتماء خلف الامتيازات الممنوحة لمؤسسات النفع العام والجمعيات المشهرة محلياً، حيث يحظر القانون التدخل في إدارتها ما دامت حساباتها الختامية المعلنة تلتزم شكلياً بالمعايير المحاسبية المجردة، في حين يظل المسار الفعلي لتدفق النفقات محكوماً باتفاقات داخلية غير منشورة تخلو من الرقابة المباشرة.

الملاذات القارية وغياب قاعدة المساهمين (سويسرا وليختنشتاين)

ولا يقتصر هذا التوظيف على بريطانيا، بل يمتد إلى ولايات قضائية قارية توفر حماية استثنائية لسرية الترتيبات التعاقدية، وتحديداً في ليختنشتاين وسويسرا. حيث استخدمت صيغ المؤسسات الخاصة والمنشآت الائتمانية المغلقة. هذه الكيانات تتميز في فقه الشركات بأنّها شخصيات اعتبارية لا تضم شركاء ولا مساهمين، بل تؤسس بموجب عقد تأسيسي خاص يحدد حقوق المؤسس وتدار من خلال وكلاء ومحامين معتمدين ينفذون إرادته، دون إلزام تشريعي بتسجيل أسماء المتصرفين أو المستفيدين النهائيين في السجلات التجارية المفتوحة للجمهور. وقد وفرت هذه الصياغة ملاذاً حصيناً للأصول المتراكمة منذ عقود، وأحبطت جهود الإنتربول والمحاكم الوطنية في تتبع الحسابات وتجميدها لغياب الرابطة القانونية المباشرة بين الكيان المالي المودع واسم القيادي الحركي في الأوراق الرسمية.

المواجهة مع قوانين الشفافية وحظر المالك المستفيد

غير أنّ هذا التدريع القانوني اصطدم في السنوات القليلة الأخيرة بجدار التشريعات الحديثة الخاصة بحماية النظام العام المالي. فقد وضعت التوصيات الملزمة لمجموعة العمل المالي الدولية معايير صارمة توجب إسقاط السرية عن المستفيد الحقيقي النهائي للترتيبات الائتمانية. وفي بريطانيا مثل إصدار قانون الجرائم الاقتصادية والشفافية المؤسسية منعطفاً تشريعياً حاسماً بفرضه قيوداً جنائية وتدابير حظر عيني على العقارات المملوكة لكيانات وائتمانات أجنبية تمتنع عن الإفصاح المكتمل عن هوية ملاكها الفعليين. تزامن ذلك مع تحول نوعي في فرنسا بموجب قانون مكافحة الانفصالية، الذي عدل بصورة جذرية الأحكام المنظمة لصناديق الوقف المدني والجمعيات الدينية، إذ وسع المشرع الفرنسي صلاحيات الرقابة الإدارية المسبقة لولاة الأقاليم، فارضاً تدقيقاً محاسبياً إلزامياً على التبرعات والتمويلات الوافدة من الخارج، ومنح القضاء الإداري حق تجميد أصول الصناديق التي يثبت خروجها عن أهداف النفع العام أو تورطها في أنشطة تمس بمبدأ الحياد الجمهوري وحقوق المواطنة.

التكييف القضائي: مبدأ رفع الحجاب ودعاوى الصورية

إنّ التوصيف القانوني المجرد لهذا المشهد يؤكد أنّ تفكيك المنظومة المالية للإخوان يتطلب التخلي عن أدوات التجريم الجنائي المنفردة، والاعتماد بدلاً من ذلك على نظريات الفقه المدني والتجاري المستقرة. وفي مقدمتها تطبيق نظرية رفع الحجاب عن الشخصية المعنوية، والدفع القضائي بالصورية المطلقة لعقود الائتمان والأوقاف. إنّ إثبات انعدام الإرادة الحرة للأمناء وتحولهم إلى مجرد وكلاء صوريين يأتمرون بقرارات مكاتب التنظيم هو السبيل القضائي الوحيد لإسقاط الحصانة عن تلك الأوعية، وإعادتها إلى دائرة المساءلة والخضوع لسيادة القانون العام، بما يضمن عدم توظيف أدوات الائتمان النزيهة كدروع لحماية أنشطة تنظيمية مستترة تقوض مقاصد التشريع ذاته.


المصادر والمراجع:

1ـ د. سمير عبد السيد تناغو، عقد الائتمان (التراست): دراسة مقارنة بين القانونين الإنجليزي والمصري، منشأة المعارف، الإسكندرية، 1978 (المرجع الفقهي والقانوني لتفكيك أركان عقد الائتمان وحقوق الملكية النفعية).

2ـ د. عبد الرزاق أحمد السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني الجديد: حق الملكية مع شرح مفصل للأشياء والأموال، دار النهضة العربية، القاهرة، ط3، 1989 (المرجع الأساسي في معايير الذمة المالية ونظرية الصورية في التصرفات القانونية).

3ـ د. أحمد محمد حشيش، المستفيد الحقيقي في مواجهة غسل الأموال: دراسة في آليات الشفافية المالية المقارنة، مجلة الحقوق للبحوث القانونية والاقتصادية، جامعة الإسكندرية، العدد الثاني، 2021 (بحث متخصص في معايير الإفصاح عن الشخصيات الاعتبارية وصناديق الائتمان).

4ـ لورينزو فيدينو، الدائرة المغلقة: الانضمام إلى الإخوان المسلمين في الغرب والانشقاق عنهم، ترجمة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت/الدوحة، 2020 (دراسة توثيقية ترصد الهياكل المؤسسية وصندوق أوروبا الائتماني وشبكات الجمعيات الأوروبية).




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار


آخر التقارير

الصفحة الرئيسية