
أعاد تنظيم داعش توظيف استراتيجية الذئب المنفرد، كوسيلة للحفاظ على حضوره وتهديده في ظل تراجع قدرته على تنفيذ عمليات مركزية معقدة في دول بعيدة عن مناطق نشاطه. وتعتمد هذه الاستراتيجية على التأثير في أفراد يتبنّون خطاب التنظيم أو يتأثرون بدعايته الرقمية، ثم يتحركون بصورة مستقلة من دون الحاجة إلى خلية منظمة أو دعم لوجستي مباشر. ويمنح هذا الأسلوب التنظيم قدرة على توسيع نطاق التهديد بأقلّ كلفة تنظيمية، بينما يزيد من صعوبة اكتشاف المخططات مسبقًا بسبب محدودية الاتصالات وغياب الشبكات التقليدية. وتتيح الهجمات الفردية، رغم بساطة إمكاناتها، تأثيرًا أمنيًا وإعلاميًا واسعًا، خصوصًا عندما تستهدف أماكن مكتظة أو فعاليات ذات حضور جماهيري كبير.
تطوع بممارسة الإرهاب
الكاتب والباحث السوري، شيار خليل، يُعرّف "الذئب المنفرد" بأنّه شخص يتبنّى أفكار تنظيم إرهابي أو يتأثر بدعايته، ثم يقرر تنفيذ هجوم بصورة مستقلة، من دون أن يكون جزءًا من خلية منظمة أو يتلقى بالضرورة تكليفًا مباشرًا من قيادة التنظيم. ويختلف هذا النمط عن العمليات التي تنفذها الخلايا الإرهابية التقليدية؛ إذ لا يحتاج المنفذ إلى شبكة من العناصر أو خطوط اتصال أو دعم لوجستي مستمر، بل يمكن أن يتحرك منفردًا، مستندًا إلى ما توفره له بيئته المحلية من إمكانات.
ويمنح هذا النمط التنظيمات الإرهابية ميزة دعائية وأمنية في آنٍ واحدٍ: فهي تستطيع التحريض على العنف من دون تحمل كلفة إنشاء بنية تنظيمية داخل الدولة المستهدفة، ويصبح اكتشاف المنفذ قبل الهجوم أكثر تعقيدًا في حال لم يترك مؤشرات واضحة على ارتباطه بالتنظيم.
ويشير خليل إلى أنّ الفضاء الرقمي أصبح عنصرًا أساسيًا في نموذج "الذئب المنفرد"، بعدما أتاح للتنظيمات الإرهابية الوصول إلى أفراد في دول مختلفة من دون الحاجة إلى وجود عناصر لها على الأرض. ويبدأ المسار، في حالات عديدة، بالتعرض المكثف للمحتوى المتطرف، قبل أن ينتقل بعض الأفراد إلى مرحلة أكثر خطورة تتبلور فيها القناعة بأنّ العنف وسيلة مشروعة للتعبير عن الغضب أو الدفاع عن هوية أو قضية يتبنّاها الخطاب المتطرف. وبذلك تتحول الدعاية من مجرد وسيلة لنشر أفكار التنظيم إلى أداة قادرة على تحفيز أفراد خارج هياكله على اتخاذ قرارات عنيفة بصورة مستقلة.
ويؤكد هذا النمط قدرة التنظيم على توسيع دائرة التهديد من دون توسيع حضوره الجغرافي، إذ يمكن لرسالة تحريضية واحدة أن تصل إلى أفراد في دول بعيدة لا توجد فيها خلايا معروفة للتنظيم. ومن أبرز ما يميز هجمات "الذئاب المنفردة"، وفق خليل، اعتمادها على إمكانات محدودة مقارنة بالعمليات التي تتطلب تخطيطًا جماعيًا وشبكات لوجستية وتمويلًا مستمرًا؛ فالمشكلة الأمنية لا ترتبط فقط بحجم العملية، وإنّما بقدرة المنفذ على التحرك بسرعة وبأقلّ قدر من الاتصالات التي يمكن لأجهزة الأمن اعتراضها أو تحليلها. ولهذا يمكن لهجوم محدود من حيث الإمكانات أن يتحول إلى حدث ذي تأثير كبير إذا وقع في مكان مكتظ أو خلال فعالية جماهيرية ذات رمزية دولية.
تمويل ذاتي
وتكمن قيمة هذا النمط بالنسبة إلى تنظيم داعش في أنّه يتيح له الجمع بين "انخفاض الكلفة التشغيلية وارتفاع التأثير الإعلامي والنفسي"، وهو ما يتناسب مع وضع تنظيم تراجعت قدرته على تنفيذ عمليات مركزية معقدة في دول بعيدة عن مناطق انتشاره.
ويرتبط بذلك اعتماد كثير من منفذي الهجمات الفردية على مواردهم الشخصية، بدلًا من الحصول على تمويل مباشر من التنظيم. ويعني ذلك أنّ العملية قد لا تسبقها تحويلات مالية أو عمليات شراء أو اتصالات بين عدة عناصر يمكن أن تشكل مؤشرات إنذار مبكر للأجهزة الأمنية. كما أنّ غياب الحاجة إلى شبكة لوجستية يقلل عدد الأشخاص الذين يعرفون الخطة، ويجعل اكتشافها قبل التنفيذ أكثر صعوبة.
ولهذا، يرى خليل أنّ خطورة "الذئب المنفرد" لا ترتبط فقط بقدرته على تنفيذ هجوم، وإنّما بقدرته على إبقاء عملية التحضير داخل دائرة ضيقة للغاية، وأحيانًا داخل نطاق شخص واحد. ويختلف هذا التهديد عن التنظيمات الإرهابية التقليدية التي يمكن للأجهزة الأمنية مراقبتها من خلال تتبع القيادات والاتصالات وشبكات التمويل والتنقل والعلاقات بين أعضاء الخلية. أمّا المنفذ الفرد، فقد لا تكون لديه علاقات معروفة بالتنظيم، وقد لا يظهر في قواعد البيانات الأمنية بوصفه عضوًا في جماعة متطرفة، ويمكن أن يبدأ التخطيط للعملية بعد فترة قصيرة من تعرضه لمحتوى تحريضي، ويجعل ذلك الفاصل الزمني بين اتخاذ القرار والتنفيذ عاملًا إضافيًا يزيد من صعوبة التدخل المبكر.
كما أنّ معرفة المنفذ بالمجتمع الذي يعيش فيه تمنحه قدرة على اختيار أماكن أو فعاليات عامة يعرف طبيعتها وحجم الإقبال عليها، من دون الحاجة إلى مساعدة خارجية. من هنا يربط خليل عودة الاهتمام باستراتيجية "الذئاب المنفردة" بالتحولات التي طرأت على داعش خلال السنوات الأخيرة. فبعد خسارته معظم الأراضي التي سيطر عليها في العراق وسوريا، وتراجع قدرته على إدارة نموذج "الدولة" الذي اعتمد عليه في ذروة توسعه، أصبح التنظيم يعتمد بدرجة أكبر على شبكات وفروع إقليمية وعلى أدوات لا تتطلب وجودًا مركزيًا مباشرًا في كل دولة يستهدفها.
وفي هذا السياق، تصبح الدعاية وسيلة لتعويض جزء من النقص في القدرة العملياتية؛ إذ يستطيع التنظيم تقديم نفسه بوصفه حاضرًا في دول لا يملك فيها بنية تنظيمية فعلية. ويقول خليل إنّ الرهان على "الذئاب المنفردة" يوفر للتنظيم وسيلة لإبقاء التهديد قائمًا رغم الضغوط التي تتعرض لها بنيته التنظيمية، خصوصًا في البيئات التي تفرض فيها الأجهزة الأمنية رقابة مشددة على الخلايا والشبكات المعروفة.
ولا تقاس أهمية هذه الاستراتيجية بعدد الهجمات التي تنفذها الذئاب المنفردة فقط، وإنّما أيضًا بحجم تأثيرها على المجتمعات والدول المستهدفة. فالهجمات الفردية، حتى عندما تكون محدودة من حيث التخطيط والإمكانات، يمكن أن تفرض إجراءات أمنية مشددة، وتدفع إلى رفع مستوى الحماية حول الفعاليات العامة، وتخلق حالة من القلق تتجاوز مكان وقوع الهجوم. في حين تزداد قيمة هذه العمليات بالنسبة إلى التنظيمات الإرهابية عندما تقع خلال أحداث عالمية، لأنّ التغطية الإعلامية الواسعة تضاعف أثرها الدعائي. ولهذا، فإنّ استهداف البطولات الرياضية الكبرى يمثل، من منظور الدعاية الجهادية، فرصة للجمع بين الرمزية الجماهيرية والانتشار الإعلامي والضغط الأمني.
ظاهرة متوطنة
وبحسب خليل، فإنّ الحديث عن "عودة" الذئاب المنفردة لا يعني أنّ هذه الاستراتيجية اختفت خلال السنوات الماضية، وإنّما يعكس إعادة توظيفها في ظل تغير طبيعة التهديد الذي يواجهه داعش. فالتنظيم لم يعد بحاجة إلى امتلاك خلايا كبيرة في كل دولة لإبقاء اسمه حاضرًا في المجال الأمني والإعلامي؛ يكفيه أن يحافظ على قدرة دعائية تسمح له بالتأثير في أفراد موجودين أصلًا داخل المجتمعات المستهدفة.
ومن هنا، تصبح مواجهة هذه الظاهرة مرتبطة ليس فقط بتفكيك الخلايا، وإنّما أيضًا برصد مسارات التطرف الرقمي، وفهم انتقال الأفراد من استهلاك الدعاية إلى تبنّي العنف، مع الحفاظ على التمييز بين التعبير الفكري المتطرف وبين المؤشرات الفعلية على الانتقال إلى العمل الإرهابي. وفي المحصلة، يرى خليل أنّ "الذئاب المنفردة" تمثل بالنسبة إلى داعش وسيلة للحفاظ على القدرة على التهديد في بيئات يصعب عليه اختراقها تنظيميًا، مستفيدًا من قوة الدعاية الرقمية ومن طبيعة العمليات الفردية منخفضة التعقيد. أمّا بالنسبة إلى الدول، فإنّ التحدي يكمن في التعامل مع تهديد لا يظهر بالضرورة في صورة خلية منظمة أو شبكة يمكن تفكيكها، بل قد يتبلور داخل مسار فردي سريع ينتهي بعملية واحدة ذات تأثير أمني وإعلامي يفوق حجمها العملياتي.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%83%D8%B1%D9%85%D9%8A.png.webp?itok=4_Y-0-1W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%860.jpg.webp?itok=PZBBTIqI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%83%D8%AA%D8%A8%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%83%D9%86%D8%AF%D8%B1%D9%8A%D8%A9%20%D8%AA%D8%B7%D9%84%D9%82%20%D8%AC%D8%A7%D8%A6%D8%B2%D8%AA%D9%87%D8%A7%20%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%A8%D8%B1%D9%89.jpg.webp?itok=zyNLj38-)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D8%B3%D9%8A%D9%84_1.jpg.webp?itok=C38tUVk6)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1_0_0.jpg.webp?itok=ZOauTL0H)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_200_0_0_4.jpg.webp?itok=ifvyW9ea)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86_188.jpg.webp?itok=3lpmxRAH)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%88%D9%86%D8%B3_193_1.jpg.webp?itok=FkYzd_V-)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%85%D9%88%D8%A7%D9%84_5.jpg.webp?itok=6cbyJokN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%86%D8%AA%D9%86%D9%8A%D8%A7%D9%87%D9%88.png.webp?itok=aOTb9fgx)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B5%D9%88%D9%85%D8%A7%D9%84_18_0_0_0_0.jpg.webp?itok=3qtN-dh5)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8_45.jpg.webp?itok=E5OY6-MW)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D9%88%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4_0.jpg.webp?itok=y5cnmXeS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%AF%D8%B3_8_0_1.jpg.webp?itok=JSyyab-4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4_4.jpg.webp?itok=91IxGwMX)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D8%B7%D8%A7%D8%A8_18.jpg.webp?itok=meZYLOc6)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D8%A7%D8%B5%D9%85%D8%AA%D8%A7%D9%86.jpg.webp?itok=Kmx-TQ6p)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1%D9%8A%D9%88%D9%86.jpg.webp?itok=6NR9l7ZM)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_20.png.webp?itok=1CULT9B4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D8%B9%D8%A7%D8%A9_1.jpg.webp?itok=NeaibOcK)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8_40_0_1.jpg.webp?itok=lu1dAWax)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D8%A7_13_0_1_1_3.jpg.webp?itok=zyIAiQBd)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D9%88%D9%84%D9%86%D8%AF%D8%A71.jpg.webp?itok=uIWaxHOJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_200_0_0_2.jpg.webp?itok=eXdsNA4Z)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)
