"الإخوان ولاهاي"... ومحاولة منح حدث أكبر بكثير من وزنه

"الإخوان ولاهاي"... ومحاولة منح حدث أكبر بكثير من وزنه

"الإخوان ولاهاي"... ومحاولة منح حدث أكبر بكثير من وزنه


22/09/2026

لم يكن انعقاد ما أُطلق عليه "المؤتمر الوطني الأوّل" الذي انعقد في لاهاي الهولندية في 16 أيلول (سبتمبر) الجاري مجرد اجتماع آخر لقوى المعارضة المصرية في الخارج؛ فالمؤتمر حاول أن يقدم نفسه بوصفه خطوة تتجاوز مرحلة معارضة النظام إلى الاستعداد لما يسميه منظّموه "اليوم التالي"، غير أنّ المفارقة هي أنّ المشروع الذي يرفع عنوان "الوطنية" وُجّهت له اتهامات مبكرة من جانب مُنظّميه، وليس من منتقديه، بالتعاون مع جهات معادية لمصر.

فضلاً عن أنّ الإطار الذي يُقدّم نفسه باعتباره جامعاً لأطياف المعارضة تكشفت داخله مبكراً خلافات وانسحابات، بينما ظل الحضور الإخواني في صلب تركيبته، وإن جرى تقديمه عبر مسمّيات أكثر اتساعاً وأقلّ مباشرة.

على الموقع الرسمي للمؤتمر تبرز (6) كيانات بوصفها جهاتٍ مؤسسة أو مشاركة في التنظيم: "حركة ميدان"، و"المجلس الثوري المصري"، و"تكنوقراط مصر"، و"حزب أمل مصر"، و"مركز العلاقات المصرية الأمريكية"، و"جستس ماتر" (Justice Matter). ويعلن المؤتمر استهدافه استشراف مستقبل الدولة المصرية عبر (8) محاور؛ تشمل: النظام السياسي، والقوات المسلحة، والأمن، والقضاء، والاقتصاد، والإعلام، وسيناء، مع فتح باب استقبال الأوراق البحثية وتحكيمها ورصد جوائز مالية لأفضلها.

نظرياً، يبدو الحراك أقرب إلى مبادرة لإنتاج سياسات عامة؛ غير أنّ تفكيك بنيته، وتحليل خطابه، ورصد الملابسات التي واكبت انعقاده، يكشف عن مسعى مغاير وأشد تعقيداً: محاولة لإعادة ترتيب حضور قوى الإسلام السياسي، وفي صدارتها الدوائر الإخوانية، ضمن مظلة معارضة أوسع، بحيث تنتقل من ضيق "الهوية التنظيمية" إلى رحابة "الائتلاف الوطني"، دون التفريط في شبكات نفوذها وأدواتها القديمة.

من التنظيم إلى "المظلة الأوسع"

تدرك جماعة الإخوان المسلمين، بعد سنوات من الانقسام والتراجع السياسي، أنّ العودة إلى الفضاء العام باللافتة الحزبية المباشرة لم تعد خياراً عملياً؛ ومن هنا تغدو الواجهات السياسية والمدنية والتكنوقراطية ركائز أساسية في معركة إعادة التموضع.

ولا يعني ذلك بالضرورة أنّ كل كيان مشارك هو واجهة إخوانية صرفة، أو أنّ جميع المشاركين ينتمون إلى الجماعة؛ بيد أنّ تصدّر شخصيات ذات خلفيات حركية إسلامية مواقع مؤثرة في مفاصل المشروع يظل عنصراً مفتاحياً لا يمكن إغفاله عند قراءة هندسته الداخلية.

ويبرز في هذا السياق اسم محمد إلهامي، وهو شخصية فكرية وإعلامية مرتبطة بحركة "ميدان" في الخارج، وعضو في مكتبها السياسي، قبل أن يظهر متصدراً للمشروع عبر عضويته في اللجنة التحكيمية للمؤتمر.

ولا ترتبط دلالة هذا الحضور بشخص إلهامي وحده، بل بالصيغة التي تُقدَّم بها المبادرة برمتها؛ فحين يتحول الفاعل الإيديولوجي من التعبير الصريح عن هويته الحركية إلى شريك في بناء مظلة سياسية ترتدي مسوحاً "وطنية وتكنوقراطية"، يتجاوز السؤال فكرة: "هل المؤتمر إخواني أم لا؟"، ليغدو: هل نحن إزاء تحول حقيقي في طبيعة المشروع، أم أمام إعادة تدوير للقوى ذاتها بأقنعة ومساحات حركة مستحدثة؟ وهذا تحديداً هو مكمن الأزمة البنيوية للمؤتمر.

من يمثل من؟

يطرح المؤتمر نفسه أمام الرأي العام إطاراً وطنياً جامعاً، في حين تفصح قائمة المشاركين عن عدد محدود من الكيانات المحصورة في فضاء المهجر، وهو ما يضعه مباشرة أمام إشكاليات الشرعية التمثيلية.

فالصفة "الوطنية" ليست مجرد وسم اختياري، وحشد بضعة كيانات تحت عنوان عريض لا يمنحها تلقائياً حق التحدث باسم المجتمع؛ إذ تقتضي الشرعية السياسية وجود امتداد شعبي، وآليات واضحة للاختيار، والمساءلة، والتفويض. ومؤتمرٌ يلتئم في الخارج، وتقتصر أطرافه على نخب محدودة التأثير داخل مصر، يعجز بطبيعة الحال عن استمداد مشروعيته من الاسم الذي اختاره لنفسه.

والأبلغ دلالة هو عجز المشروع عن صيانة صورته التوافقية حتى موعد انطلاقه؛ إذ سارع ما يُسمّى "المجلس الثوري المصري" إلى إعلان انسحابه قبل أيام معدودة من التدشين، في خطوة كشفت عن تصدعات عميقة بين أطراف كان يُفترض أن تقدّم نفسها كتلة متجانسة.

وهنا تبرز المفارقة: مشروع يدّعي التمهيد لمرحلة سياسية جديدة للبلاد، بينما يتعثر في أوّل اختبار لإدارة التباينات بين مكوناته الذاتية. وتتجاوز أهمية هذا الانسحاب وزنه العددي إلى مغزاه السياسي؛ فهو يبرهن على أنّ جمع أطياف المعارضة يظل في صياغة البيانات والمؤتمرات أيسر بكثير منه في الواقع والممارسة التنظيمية.

"اليوم التالي"... القفزة من المعارضة إلى الحكم

تكمن المعضلة الأكثر جوهرية في مؤتمر لاهاي في قفز منظميه فوق مرحلة إنتاج خطاب معارض، نحو ادعاء القدرة على "إدارة الدولة"؛ إذ يتحدث موقعه الرسمي صراحة عن صياغة البدائل لمرحلة ما بعد "سقوط النظام"، مقسّماً المشروع إلى ملفات تمسّ قلب بنية الدولة: الجيش، والأمن، والقضاء، والاقتصاد، والسياسة، والإعلام، وسيناء.

هذه النقلة ترفع سقف المحاكمة الموضوعية للمؤتمر على نحو حاد؛ فالنقد السياسي متاح لأيّ تيار معارض، لكن من يطرح نفسه لإدارة المرحلة المقبلة يصبح ملزماً بالإجابة عن استحقاقات شديدة التعقيد: كيف ستتم إعادة بناء مؤسسات الدولة؟ ما موقع المؤسسة العسكرية في المعادلة؟ كيف يُعاد تنظيم الأجهزة الأمنية؟ ما شكل التوازن بين السلطات؟ كيف تُدار الأزمات الاقتصادية المُركّبة؟ وما الضمانات الحقيقية لمنع استبدال احتكار للسلطة باحتكار آخر؟

لقد سعى المؤتمر لمعالجة هذه الملفات عبر "أوراق بحثية"؛ وهي خطوة قد تُنتج مادة نظرية، غير أنّ تحويل البحث إلى مشروع حكم يتطلب مؤسسات صلبة، وخبرات تنفيذية، وقاعدة اجتماعية، وقدرة واقعية على إدارة التناقضات، ومن هنا تتجلى الفجوة الحاكمة: إنّ القدرة على رسم "اليوم التالي" فوق الورق لا تعني بحال امتلاك أدوات إدارته في الواقع.

حين تكشف الانقسامات هشاشة "الجبهة الوطنية"

تتمثل إحدى المعضلات المزمنة التي لاحقت المؤتمر في التناقض الصارخ بين ادعاء الخطاب التوحيدي وواقع القوى المنخرطة فيه؛ فالتحالفات الهجينة التي تضم إسلاميين، ومدنيين، وتكنوقراط، ومستقلين، وإن بدت أوسع نطاقاً من أيّ تنظيم بمفرده، إلا أنّ هذا الاتساع الشكلي ينقلب إلى نقطة ضعف بنيوية ما لم تُحسم قواعد إدارة النفوذ داخلها: من يحدد الأجندة؟ ومن يختار المتحدثين؟ ومن يملك سلطة الفصل في القضايا الخلافية؟ وكيف تُدار شبكة العلاقات الخارجية؟ ومن يملك الموارد اللوجستية اللازمة لاستدامة المشروع؟

هذه الأسئلة لا تنتمي إلى الترف التنظيمي، بل هي تحديداً العقدة التي عجزت أطياف معارضة الخارج عن تقديم إجابات مقنعة عنها طوال العقد الماضي، ومن ثم، فإنّ إعادة إنتاج مؤتمر جديد تحت لافتة "وطنية" لا يحل أزمة التشظي تلقائياً، بل قد ينقلها إلى طور جديد، يغدو الصراع فيه محتدماً بين مكونات المعارضة ذاتها حول من يملك حق احتكار تعريف "الوطنية" وتحديد ملامح البديل.

"موكا"... لحظة كشفت أزمة الارتهان للخارج

جاءت واقعة الناشط عبد الرحمن طارق، المعروف بـ "موكا"، لتضيف بُعداً آخر للجدل المثار؛ إذ تطرّق خلال إحدى الجلسات إلى ظروف مغادرته مصر بمساعدة منظمة بريطانية، متناولاً خلفيات مرتبطة بإدارتها، وهو ما فجّر موجة استياء داخل القاعة وخارجها.

ولا تكمن الأهمية السياسية لهذه الحادثة في كيل الاتهامات المجردة، بل في تسليطها الضوء على واحدة من أكثر نقاط الضعف حساسية في أداء معارضة الخارج: طبيعة العلاقة مع المؤسسات والشبكات الدولية، فالقوى التي تتخذ من الخارج منطلقاً لحراكها مطالبة، أكثر من غيرها، بإبداء شفافية مطلقة حول مصادر تمويلها، وشبكات تحالفاتها، وطبيعة الدعم الذي تتلقاه.

وبمعزل عن هذا الوضوح، يسهل التشكيك في استقلالية القرار السياسي، ويصعب على المؤيدين أنفسهم التمييز بين الإسناد الحقوقي المشروع والارتهانات التي تمس القرار الوطني، ورغم مسارعة سعيد عفيفي، نائب رئيس حزب "تكنوقراط مصر"، إلى نفي الاتهامات المتعلقة بتمويل المؤتمر مطالباً مقدّميها بالبراهين، إلا أنّ مجرد إثارة القضية يبرهن على أنّ ملف التمويل والارتباطات الخارجية بات جزءاً عضوياً من معركة الشرعية التي تحاصر المبادرة.

ثمانية محاور... هل تكفي "الأوراق" لصناعة البديل؟

عبر اعتماد آليات استقبال الأوراق البحثية وتحكيمها ورصد مكافآت مالية لها، حاول المنظمون إسباغ طابع مؤسسي رصين يمايز فعاليتهم عن التظاهرات الخطابية المألوفة في المهجر؛ بيد أنّ هذا الإطار الأكاديمي لا يحسم معضلة البديل السياسي.

فالتنظير حول إصلاح المنظومة الأمنية يختلف نوعياً عن إدارة جهاز أمني معقد، ومناقشة إعادة هيكلة القوات المسلحة تصطدم بخصوصية مؤسسة ذات وزن استراتيجي فارق في بنية الدولة، كذلك رسم التصورات الاقتصادية النظرية لا يعني امتلاك القدرة على تطبيقها في بلد يرزح تحت ضغوط مالية وديون والتزامات اجتماعية دقيقة، وينسحب الأمر ذاته على ملفات القضاء، والإعلام، وتنمية سيناء، والسياسة الخارجية.

ومن ثم، فإنّ الاختبار الحقيقي لتلك الأطروحات لا يُقاس بحجمها المكتوب أو بتعدد محاورها، بل في قدرتها على تقديم إجابات إجرائية: من ينفذ؟ وبأيّ أدوات؟ ووفق أيّ كلفة؟ وتحت أيّ رقابة؟ ومن يتحمل تبعات الإخفاق؟ ودون هذه المحددات، تخاطر "التكنوقراطية" بالتحول إلى مجرد واجهة لغوية تمنح المشروع وجاهة شكلية، دون أن تكسبه فاعلية حقيقية للحكم.

لاهاي... رمزية التموضع واغتراب الجغرافيا

لم يكن اختيار مدينة لاهاي تفصيلاً محايداً؛ فالمدينة تتمتع بحمولة قانونية وحقوقية دولية أراد المنظمون توظيفها لمنح فعاليتهم ثقلاً يتجاوز وزنها الحقيقي.

غير أنّ الرمزية لا تنتج تمثيلاً؛ بل إنّ انعقاد مؤتمر موسوم بـ "الوطني" في عاصمة أوروبية يمنح منتقديه حجة لتأكيد عزلته عن الحاضنة الشعبية المعنية بخطابه. وإذا كان من الإجحاف اختزال قيمة أيّ مشروع سياسي في موقعه الجغرافي وحده، إذ قد تتيح بيئة المهجر مساحات للتفكير لا تتوافر في الداخل، فإنّ ذلك يضع مؤتمر لاهاي أمام تحدٍّ بالغ الصعوبة: إثبات أنّ المسافة الجغرافية الفاصلة عن مصر لم تتحول إلى غربة سياسية وانقطاع تام عن تطلعات المصريين.

الإخوان ومشكلة "الواجهة"

لا تنطلق القراءة النظرية للمؤتمر من فرضية أنّ جميع المشاركين يمثلون جماعة الإخوان، ولا من تجاهل حضور شخصيات وتيارات أخرى متباينة الرؤى؛ لكنّ السؤال الجوهري يكمن في ما إذا كان الحضور الإخواني، بما يملكه من تراكم تنظيمي وخبرات ممتدة في الخارج، قادراً على فرض نفسه مركزَ ثقل يوجه مظلة تبدو شكلياً أوسع منه.

هنا يكتسب مفهوم "الواجهة" حمولته السياسية؛ فالواجهة تصبح توصيفاً واقعياً حين تتسع الهوة بين الصورة الائتلافية التي يسوقها المشروع، وبين آليات توزيع النفوذ الفعلي في دوائره، وإذا كان عنوان المؤتمر "وطنياً تكنوقراطياً"، بينما تتصدر شخصيات ذات انتماءات حركية مفاصل التأثير، فإنّ التساؤل يظل قائماً: هل تغيرت محددات المشروع بالفعل، أم أنّ التغيير اقتصر على تبديل أقنعة الفاعلين؟

لقد كانت صلات الكيانات المشاركة بالبنية الإخوانية موضع تساؤل مستمر، في حين يصر منظمو المؤتمر على تقديمه إطاراً عابراً للتحزّب؛ والفيصل بين الروايتين لا تحسمه البيانات الإنشائية، بل التثبت من هياكل اتخاذ القرار، وقنوات التمويل، ومحددات التحالفات.

أزمة البديل لا المؤتمر وحده

تكشف تجربة لاهاي، عمومًا، عن أزمة هيكلية أعمق من ملابسات المؤتمر ذاته؛ فالمعارضة في الخارج تسعى للانتقال من مربع "الاحتجاج" إلى طور "تقديم البديل"، غير أنّ هذه النقلة تصدمها بكافة الاستحقاقات المؤجلة: من يملك حق تمثيل المصريين؟ كيف تتعايش التيارات المتنافرة؟ كيف تُكبح محاولات القوى الأكثر تنظيماً للهيمنة على التحالفات؟ ما هي محددات العلاقة مع الخارج؟ وكيف تتحول الأوراق البحثية إلى سياسات قابلة للإنفاذ؟

وهنا تحديداً يتبدى مأزق دوائر الإسلام السياسي؛ فالجماعة تمتلك رصيداً تنظيمياً وشبكات عابرة وقدرة على تدوير خطابها في قوالب جديدة، غير أنّ هذه الخبرات لا تمنحها بالضرورة القبول السياسي، بل غالباً ما تثير هواجس الهيمنة لدى الشركاء المحتملين.

وعليه، يمكن قراءة "المؤتمر الوطني الأول" في لاهاي بوصفه مناورةً حركية لإعادة صياغة تموضع جماعة الإخوان والدوائر المرتبطة بها داخل فضاء العمل السياسي، وليس مسعى وطنياً جامعاً كما يُروّج؛ فالجماعة تحاول استثمار يافطات "البدائل التكنوقراطية" و"اليوم التالي" كغطاء تكتيكي لتبييض سجلها السياسي والالتفاف على عزلتها المجتمعية. 

وتكمن المعضلة الجوهرية في افتقار هذا الخطاب للمصداقية؛ إذ لا يمثل في جوهره سوى محاولة مكشوفة لإعادة إنتاج مشروع "التمكين" الإخواني تحت مسوّغات مستحدثة، متناسياً الذاكرة القريبة لتجربة حكم التنظيم وما اتسمت به من نزعة استئثارية سعت إلى "أخونة" المؤسسات ومصادرة الفضاء العام.

فالسؤال المفصلي الذي يتهرب منه مهندسو المؤتمر لا يرتبط بمدى بلاغة "الأوراق البحثية"، بل بالبنية العقائدية والتنظيمية للجماعة ذاتها: كيف يمكن لتنظيم هرمي يرتكز على مفاهيم "السمع والطاعة" والانعزال الشعوري، أن يطرح نفسه وكيلاً عن الديمقراطية والتعددية؟ إنّ مشهد لاهاي يُعرّي مجدداً البراغماتية الإخوانية التي تجيد التخفي وراء الشعارات المدنية حين تضعف، بينما يحمل تاريخها وسلوكها نزوعاً متأصلاً نحو فرض الوصاية وتطويع التحالفات لخدمة أجندتها التنظيمية الخاصة على حساب استقرار الدولة الوطنية وتماسكها.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية