طبس.. والليلة علّمت واشنطن حدود القوة

طبس، والليلةٌ علّمت واشنطن حدود القوة

طبس.. والليلة علّمت واشنطن حدود القوة


27/01/2026

لم تكن صحراء طبس سوى مساحة رملية مهملة على أطراف الجغرافيا الإيرانية. لكنها في تلك الليلة من ربيع 1980 تحولت إلى مرآة قاسية كشفت كيف يمكن للقوة العظمى أن تتعثر فجأة، لا أمام جيشٍ خصم، بل أمام الطبيعة والفوضى وتفاصيل صغيرة تتراكم بسرعة قاتلة.

قبل ذلك بأشهر، كانت واشنطن تعيش واحدة من أكثر أزماتها إحراجاً منذ الحرب العالمية الثانية. اقتحام السفارة الأمريكية في طهران واحتجاز عشرات الموظفين والدبلوماسيين لم يكن مجرد حادث أمني؛ كان صفعة سياسية ومعنوية، وإهانة علنية للهيبة الأمريكية على شاشات العالم. ومع كل يوم يمرّ، كانت الإدارة الأمريكية تبدو كأنها تسير داخل نفق مسدود: لا حل تفاوضياً سريعاً يلوح، ولا قدرة على تحمل ضغط الداخل الأمريكي الذي يطالب بـ“استعادة الكرامة”.

في هذا المناخ، ظهر الخيار الأكثر جرأة: عملية إنقاذ خاصة، معقدة، تعتمد على السرية المطلقة، ودقة التنفيذ، وتُراهن على أن كل قطعة في هذا اللغز ستتحرك في وقتها تماماً. العملية التي عُرفت باسم “مخلب النسر” رُسمت بخطوط تبدو مثالية على الورق: طائرات نقل، مروحيات، قوات خاصة، نقطة التقاء في قلب الصحراء قرب طبس، ثم التقدم لاحقاً نحو طهران لتنفيذ الاقتحام وإجلاء الرهائن بسرعة خاطفة.

لكن ما بدا “هندسياً” على الخرائط، اصطدم بالعالم الحقيقي كما هو: عواصف رملية أعمت السماء، ومروحيات بدأت تتعطل واحدة تلو الأخرى، وتشتتٌ في الإيقاع والظروف، إلى أن صار العدد المتبقي غير كافٍ لإكمال المهمة. هناك، اتخذ القرار: التراجع. قرارٌ يبدو عقلانياً، لكنه جاء متأخراً بما يكفي ليحوّل الانسحاب إلى كارثة.

الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر

في نقطة التزود بالوقود، وقع الاصطدام الذي أنهى كل شيء: مروحية ارتطمت بطائرة نقل، وانفجار، ونار، ثم دقائق ثقيلة من العجز أمام مشهدٍ لم يكن في الحسبان. 

ثمانية جنود أمريكيين قُتلوا، معدات دُمّرت، وأسرار تُركت في المكان، بينما انتهت العملية قبل أن تقترب حتى من طهران أو الرهائن.

كانت تلك اللحظة ضربةً على أكثر من مستوى. في واشنطن، لم يُقرأ الفشل كحادث تقنيٍّ فقط، بل كهزة في صورة الدولة التي اعتادت أن تُقدَّم بوصفها قادرة على الوصول إلى أي هدف في أي مكان. 

سياسياً، دفع الرئيس جيمي كارتر ثمناً مضاعفاً: أزمة رهائن مستمرة، ومحاولة إنقاذ انتهت بمأساة، فتآكلت ثقته أمام الداخل الأمريكي وأصبحت طبس جزءاً من سردية الإخفاق التي لاحقته حتى الانتخابات.

أما في طهران، فقد جرى التعامل مع طبس كغنيمة معنوية. لم تكن مجرد عملية فشلت، بل حكاية تُروى بوصفها دليلاً على التأييد الإلهي، و“سقوط اليد الأمريكية” حين تحاول التدخل، وتحوّلت طبس إلى رمزٍ يخدم خطاب الثورة ويزيد من صلابة الموقف الرافض لأي تنازل.

ومع أن أزمة الرهائن انتهت لاحقاً بتسوية سياسية وإطلاق سراحهم في يناير 1981، فإن طبس بقيت، حتى اليوم، لحظة فارقة في الذاكرة السياسية للطرفين: في أمريكا كجرحٍ في هيبة القوة، وفي إيران كبطاقةٍ رمزية تُستخدم لتأكيد أن خصمها ليس مطلق القدرة كما كان يُعتقد. 

لم تكن طبس مجرد فشل عسكري، بل درساً تاريخياً عن حدود السيطرة حين يقرر الواقع، فجأة، أن يتدخل. ينظر الأمريكيون والإيرانيون اليوم إلى هذه الذكرى بمناظير مختلفة لكنها بالتأكيد حاضرة في الوعي والحسابات على مشارف المواجهة الجديدة أو المتجددة




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار


آخر التقارير

الصفحة الرئيسية