فلاح المشعل: جماعات الإسلام السياسي بالعراق لا تتنفس إلا داخل السلطة أمّا خارجها فتبدو كـ"سمك خارج الماء"

فلاح المشعل: جماعات الإسلام السياسي بالعراق لا تتنفس إلا داخل السلطة أمّا خارجها فتبدو كـ"سمك خارج الماء"

فلاح المشعل: جماعات الإسلام السياسي بالعراق لا تتنفس إلا داخل السلطة أمّا خارجها فتبدو كـ"سمك خارج الماء"


02/12/2025

أجرى الحوار: رامي شفيق

شهد العراق خلال الشهر الماضي الانتخابات النيابية، وسط مؤشرات دولية وإقليمية ومحلية تختلف عن تلك التي عرفتها البلاد في انتخابات عام 2021.

وأسفرت النتائج، وفقًا لما أعلنته المفوضية العليا المستقلة للانتخابات يوم 17 تشرين الثاني (نوفمبر) الفائت، عن تصدّر ائتلاف الإعمار والتنمية بزعامة رئيس الوزراء المنتهية ولايته، محمد شياع السوداني، بـ (46) مقعدًا من إجمالي (329) مقعدًا في مجلس النواب.

حول ذلك، التقت (حفريات) الكاتب الصحفي العراقي فلاح المشعل لقراءة المشهد السياسي في العراق وتقصّي أهم المخرجات.

قال فلاح المشعل، رئيس التحرير السابق لجريدة (الصباح) العراقية، في حواره مع (حفريات): إنّ الانتخابات لم تفرز شيئًا جديدًا، ووصف المشهد "بإعادة لتكريس المحاصصة الطائفية".

 وكشف في هذا الحوار عن آليات هيمنة المال السياسي ونظام "سانت ليغو" على نتائج الاقتراع، وما ترتب على ذلك من انعكاسات واضحة على المشهد السياسي والطائفي في العراق وسيناريوهات تقويض فرص التمثيل المدني الحقيقي.

وتناول المشعل مظاهر الدعاية الانتخابية المفرطة، وغياب البرامج الإصلاحية، وانعدام المعارضة البرلمانية، وتوقف عند نفوذ أحزاب الإسلام السياسي وأذرعها المسلحة، وتأثير ذلك على مستقبل الدولة المدنية والاستقرار السياسي.

جملة من آرائه في هذا الحوار مع (حفريات) تصوغ، بشكل واضح ومحدد، صورة ربما تكون قاتمة للأفق المنظور، بيد أنّها تضع العملية السياسية برمّتها أمام حتمية المراجعة لإنقاذ المسار الديمقراطي من الانسداد والهيمنة.

نص الحوار:

كيف نقرأ سير العملية الانتخابية الأخيرة في العراق؟ وهل عكست مجرياتها إرادة الناخبين؟

اعتمدت العمليّة الانتخابيّة الأخيرة على قانون انتخابي يُدعى "سانت ليغو 1.7"، وهو النظام الذي اختارته وصوّتت عليه الكتل الكبرى داخل مجلس النواب العراقي؛ لأنّه يخدم مصالحها ويعيد تموضعها في السلطة التشريعيّة، ولا سيّما أحزاب الإسلام السياسي. وقد اعتمدت هذه الأحزاب على شراء الأصوات وصراع رؤوس الأموال في لعبة مكشوفة وعلنيّة، بلغ فيها إنفاق البعض مئات الملايين من الدولارات، فضلًا عن استثمار موارد الدولة المالية والبشرية، والوعود بالتعيين أو تشكيل ألوية وهميّة في الحشد الشعبي، وتوفير تعيينات وهميّة للعاطلين عن العمل. ومع إضافة عامل التخندق الطائفي والمناطقي ارتفعت نسبة المشاركة هذه المرّة مقارنة بالدورات السابقة.

وماذا عن الدعاية الانتخابية؟

عند مراجعة حجم الدعاية الانتخابية الهائلة التي وظِّفت لها شركات متخصّصة، تتّضح حالة التدافع المحموم نحو السلطة. وقد بلغ عدد المرشّحين نحو (7700) مرشّح لشغل (329) مقعدًا نيابيًا، دون أن تطرح الكتل السياسية برامج اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية أو ثقافية واضحة لمعالجة الأزمات المستحكمة في البلاد منذ سنوات طويلة. كان الصراع حول السلطة؛ وسلاحه المال والوعود الكاذبة بالتعيين وتوزيع قطع الأراضي على الناخبين، وهو ما جعل أصحاب المال والنفوذ يحقّقون الفوز، وهو مؤشر سلبي على مسار العملية السياسية.

ما أبرز المخرجات السياسية التي أسفرت عنها هذه الانتخابات في الأفق المنظور؟

لم تُفرز الانتخابات شيئًا جديدًا؛ فهي إعادة لتكريس المحاصصة الطائفية والعرقية في ظلّ غياب تامّ للقوى المدنية واليسارية والشيوعية.

إنّ الإشكالية الأساسية في العراق تتمثّل في غياب النسق الديمقراطي المعروف في الديمقراطيات الحديثة، والمتمثل في وجود معارضة برلمانية حقيقية تقابل التحالف الحاكم، وتقوم بدور الرقابة والمحاسبة إلى جانب دورها التشريعي. في العراق نفتقد نموذج المعارضة النيابية؛ فالجميع يتجه نحو السلطة، ولهذا يسود التخادم السياسي بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، ممّا يعجز البرلمان عن أداء دوره الرقابي، ويتحوّل إلى جدار دفاع عن الوزراء والمسؤولين الحكوميّين المتورّطين بالفساد والفشل.

كيف ومتى يمكننا الحديث عن سرديّة واضحة نحو إنتاج طبقة سياسية جديدة؟

هذا سؤال مهمّ ويُطرح باستمرار في النقاش السياسي العراقي. يمكن ذلك عبر قانون انتخابي يسهم في دعم الأحزاب التي لا تملك المال أو الغطاء الطائفي أو العرقي، مع تحريم مشاركة الأحزاب التي تملك فصائل مسلّحة. ورغم أنّ القانون يمنع اشتراكها، إلا أنّ أحدًا لا يلتزم. نحتاج إلى تشريعات تطوّر المسار الديمقراطي ولا تقمعه، كما شهدنا ذلك خلال العقدين الأخيرين.

وهناك إجراءات ينبغي أن تتخذها مفوضية الانتخابات والمؤسّسات الرقابية والقضائية، منها تحديد سقوف الصرف المالي للمرشّحين، ومساءلة أصحاب الأموال الهائلة عن مصادرها عبر مبدأ "من أين لك هذا؟".

هل العملية السياسية في العراق تستوجب المراجعة؟

نعم، العمليّة السياسية في العراق تحتاج مراجعةً جوهريّةً للدستور وتشريعاته بما يواكب تطور المجتمع؛ فالديمقراطيّة نظام حيّ يتفاعل مع الحراك الاجتماعي، وليست قوالب جامدة تخدم نفوذ الأقوياء والفاسدين.

هل من الوارد أن يذهب المشهد السياسي العراقي نحو تحالفات أكثر استقرارًا في ضوء نتائج الانتخابات؟

نظام المحاصصة قسّم السلطة إلى ثلاثة أعمدة: شيعي، سني، كردي. وقد أعادت الانتخابات إنتاج هذا النسق، خصوصًا بعد غياب تيار السيد مقتدى الصدر، وهو ما أطاح بالآمال في إمكانية الخروج من هذا النظام المستمرّ منذ (20) عامًا.

ما تجدر الإشارة إليه أنّ أحزاب الإسلام السياسي استطاعت أن تصادر السلطات في العراق واحتكارها على مستويين: السيطرة على النفوذ في مواقع السلطة، والهيمنة على العقود والأموال، من أجل توطين وجودها وجعل الانتخابات إحدى ساحات كسبها المتزايد. الإشكالية التي تحيط بالواقع العراقي أنّ النفوذ السياسي وأذرعه المسلحة صار يضغط على السلطات جميعها، سواء الرقابية أم القضائية، ومنها المفوضية العليا للانتخابات، وهو ما يجعل إزاحته تستدعي تدخّل قوة كبيرة ونفوذًا دوليًّا، وفي هذا السياق أذكر الدور الأمريكي الذي أسهم في إنتاج هذا النسق السياسي المشوّه.

إلى أيّ مدى أثّرت مشاركة أحزاب الإسلام السياسي الشيعية والسنّية في الانتخابات على شكل التمثيل السياسي؟ وهل تغيّر نفوذها مقارنة بالدورات السابقة؟

على العكس، تزايد نفوذها بسبب سيطرتها على المال والسلطة، فيما تقلّص التمثيل المدني إلى حدّ يكاد يلامس الصفر. أحزاب الإسلام السياسي صادرت السلطات واحتكرتها على مستوى النفوذ السياسي والهيمنة على العقود والأموال، لتكريس وجودها وجعل الانتخابات أحد ميادين كسبها المتزايد. المشكلة أنّ النفوذ السياسي وأذرعه المسلحة باتت تضغط على جميع السلطات، بما فيها الرقابية والقضائية، ومن ضمنها المفوضية العليا للانتخابات. وإزاحة هذا النفوذ باتت تستدعي تدخّل قوّة دولية مؤثرة، وفي المقدّمة الولايات المتحدة.

كيف يُقرأ التموضع الجديد لبعض تيّارات الإسلام السياسي، بما فيها جماعة الإخوان المسلمين؟

جماعة الإخوان تمرّ بحالة مدّ وجزر، إلا أنّ انهماكها بالسلطة والثروة والمناصب جعل وجودها هامشيًا، مرتبطًا بالنفوذ والمال أكثر من ارتباطه بأطروحات الإصلاح والتغيير التي كانت ترفعها سابقًا. هذه الجماعات لم تعد تتنفس إلا من خلال وجودها داخل السلطة؛ أمّا خارجها، فتبدو كـ "سمك خارج الماء".

ومع تصاعد سلطة المال والنفوذ السياسي، استعادت أحزاب الإسلام السياسي الأنماط العشائريّة واستثمرتها في النشاط السياسي والانتخابي عبر شيوخ العشائر لضمان أصوات أتباعهم. وهذه مساعٍ رجعية تصادر حرية التعبير بدل توفير فضاءات مدنية ودعم المؤسسات الثقافية والتربوية ومنظمات المجتمع المدني والنشاط النسوي الحقيقي.

هل عودة جماعات الإسلام السياسي إلى الواجهة تهدّم مسار الدولة المدنيّة والإصلاح السياسي في العراق؟

نعم؛ هذه الجماعات باقية لأنّها تملك السلطة وقوّة النفوذ والقمع، وهذا ما يجعل تأثيرها مستمرًا ومؤثّرًا على أيّ مسعى لبناء دولة مدنية حقيقية.

ما أبرز المخاطر والتحديات التي قد تواجه العراق في المرحلة المقبلة نتيجة هذه الانتخابات؟

الانتخابات الأخيرة كرّست المحاصصة الطائفية بتوزيع السلطات: رئاسة الوزراء للشيعة، ورئاسة البرلمان للسنّة، ورئاسة الجمهوريّة للأكراد. وهذا يعيد إنتاج الفشل الإداري والفساد المستشري. المحاصصة أفرغت العملية السياسية من مضمونها الديمقراطي، ومنحت السلطة للثيوقراطية والكلبتوقراطية، ممّا يهدّد البلاد بأزمات وجودية خطيرة.

يعتمد العراق على اقتصاد ريعي يبيع النفط لتوزيعه رواتب ونثريات للسلطات وبعض المشاريع الثانوية بعيدًا عن التنمية الحقيقية. وبلغت الديون الداخلية والخارجية نحو (130) مليار دولار. ومع استمرار السلاح المنفلت والفصائل المسلحة وولاءاتها الخارجيّة تتعمّق الأزمات الأمنيّة والخدمية، ومنها شح الكهرباء وأزمة المياه التي تستغلّها تركيا في معادلة "النفط مقابل الماء".

أمام هذا الواقع، لا يكفي كشف الأخطاء والفساد، بل تبرز الحاجة إلى حلول تشارك فيها الأمم المتحدة والولايات المتحدة بوصفهما رعاة العملية السياسية القائمة، لإعادة هيكلتها وإنقاذ العراق من الانهيار.

إنّ وجود السلاح المنفلت يُشكّل عقبةً أمام الحياة المدنية السلمية والمسار الديمقراطي للعملية السياسية. وإذ تشكو البلاد من أزمات خدمية مثل شحّ الكهرباء وأزمة المياه، فإنّ نشر الأخطاء ومظاهر الفساد لا يكفيان في واقع ينذر بالخطر؛ بل يؤكّدان أهمية وجود حلول تشارك فيها الأمم المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية التي أسهمت في إنتاج هذا النظام السياسي، ومكّنت أحزاب الإسلام السياسي من لعب دور واسع أثر على قدرات العراق المعروفة كدولة كبيرة وفاعلة في الشرق الأوسط.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية