من طهارة القلم إلى ذاكرة الحمراء... الخطاط الإماراتي خالد الجلاف يروي سيرة الحرف العربي

من طهارة القلم إلى ذاكرة الحمراء... الخطاط الإماراتي خالد الجلاف يروي سيرة الحرف العربي

من طهارة القلم إلى ذاكرة الحمراء... الخطاط الإماراتي خالد الجلاف يروي سيرة الحرف العربي


22/10/2026

تضع الدورة الثانية عشرة من ملتقى الشارقة للخط، المُقامة تحت شعار "ميزان"، الحرف العربي في مساحة تجمع بين أصوله الفنية وإمكاناته التعبيرية المعاصرة، وتضم الدورة، التي انطلقت مؤخراً وتستمر حتى منتصف الشهر المقبل وتنظّمها دائرة الثقافة في الشارقة، 681 عملاً فنياً لـ 272 فناناً وفنانةً، ضمن برنامج حافل يشمل ورشاً فنية وندوات ومحاضرات دولية.

وفي بيت الحكمة، يقدّم معرض "ميزان: من النقطة إلى المعنى" تجارب أربعة فنانين، بينهم الخطاط والباحث الإماراتي خالد الجلاف، مستكشفاً رحلة الحرف من نقطته الأولى إلى اكتماله البصري والدّلالي، وما ينشأ بين عناصره من علاقات التناسب والتوازن وصولاً إلى التقاء الشكل بالمعنى.

يكتسب هذا العنوان دلالةً أعمق عند الإصغاء إلى الجلاف في حواره مع الإعلامي موسى الزبيدي عبر منصة "أربعون"؛ فالخط في حديثه يتجاوز ضبط الحروف وتكوينها الهندسي إلى رحاب أوسع تشمل تاريخ الكتابة والهوية وحركة الثقافة بين المجتمعات.

لا يكتمل فن الخط العربي عند الجلاف بإتقان الأدوات والأساليب وحدها؛ فهو يتجاوز المتعة الجمالية إلى رسالة ومبدأ وأخلاق تمنح العمل معناه

أمّا علاقته الشخصية بهذا الفن فتسبق مساره الوظيفي؛ إذ يرى الجلاف، المولود عام 1962، أنّ الفن هو الذات والجوهر، فيما الوظيفة مجرد "كرسي" يشغله شخص ثم يخلفه غيره، وعلى الرغم من عمله مديراً في إدارة البحوث والدراسات وتحليل البيانات في هيئة الصحة بدبي، وحرصه على أداء واجبه الوظيفي بإخلاص، فإنّه يُعِدُّ الفن الجسر الحقيقي الذي عرّفه إلى الناس وعرّف الناس به؛ فمنذ طفولته نشأ في بيئة مُحبّة للجمال، وأحبَّ الرسم والألوان والقلم؛ إذ كان والده جميل الخط، ووالدته موهوبة في الرسم، فوجد في الخط العربي المجال الأقرب إلى ميوله وقدراته.

نشأة الخط العربي

يبدأ الجلاف، وهو رئيس جمعية الإمارات لفن الخط العربي والزخرفة الإسلامية، من تاريخ الكتابة الإنسانية، موضحاً أنّها مرّت بمراحل متعاقبة من الرسوم والرموز التي استخدمها الإنسان للتعبير عن أفكاره، إلى محاولات تمثيل الكلمات المنطوقة ثم ظهور الحروف والأبجديات. 

ويتوقف عند الكتابة المسمارية والهيروغليفية، متحدثاً عن تطور أنظمة الكتابة القديمة وانتقالها عبر الشعوب والتجارة، وصولاً إلى الكتابات التي عرفتها المنطقة العربية.

ويربط الجلاف انتشار الكتابة بالاحتكاك بين المجتمعات، وما أتاحته التجارة والرحلات من تواصل بين الأقاليم وتبادل للمعارف، وحين ينتقل إلى الكتابة العربية، يتوقف عند المرحلة الإسلامية وما رافقها من اهتمام بالقراءة والكتابة، مستشهداً بما يُروى عن تعليم بعض أسرى بدر المسلمين القراءة والكتابة مقابل إطلاق سراحهم، دلالة على مكانة المعرفة في المجتمع الإسلامي المبكّر.

الخط لديه يتجاوز ضبط الحروف وتكوينها الهندسي إلى رحاب أوسع تشمل تاريخ الكتابة والهوية وحركة الثقافة بين المجتمعات

ويتتبّع الباحث تطور الخط الحجازي في مكة والمدينة، وصولاً إلى الخط الكوفي مع انتقال مركز الخلافة إلى الكوفة، ومنذ تلك اللحظة توالت المدارس وتمايزت الأساليب باختلاف البيئات، فغدا للخط العربي تنوُّع واسع يعكس تاريخ المجتمعات التي احتضنته.

ولا يفصل الجلاف هذا التطور الفني عن السياسة؛ فاتّساع الدولة الإسلامية وانتقال مراكز الحكم والثقافة بين الأقاليم أسهما في انتشار الكتابة وتفاعلها مع بيئات محلية مختلفة، ونشأت عن ذلك خطوط خاصة، منها "الثلث الأندلسي"، الذي يختلف في تكوينه عن نظيره المشرقي، وهو وفق ما يرى، تعبير عن خصوصية فنية وحضارية سعت الأندلس إلى ترسيخها.

الأندلس: ذاكرة الحضارة المكتوبة

تحتلّ الأندلس، التي يصفها الجلاف بـ "الفردوس المفقود"، مكانة خاصة في رؤيته للخط العربي وتاريخ الحضارة؛ فهي، في نظره، جسر عبرت من خلاله المعارف والعلوم والفنون العربية إلى أوروبا. ولا تكتمل قراءة عمارتها بتأمّل أبنيتها وحدها، من دون الالتفات إلى النصوص التي تُزيّن جدرانها وتشكّل جزءاً من هويتها الفنية.

ويصف قصر الحمراء في غرناطة بأنّه "متحف للخط العربي وديوان شعري ضخم"، لما تحمله جدرانه من قصائد وعبارات تتداخل مع الزخارف، وفي هذا السياق يذكر تجربة المستعرب الإسباني خوسيه ميغيل بويرتا، الذي دفعه اكتشاف القصائد العربية المنقوشة على جدران القصر إلى تعلُّم اللغة العربية والتخصُّص في جماليّات الفن العربي.

الجزء الداخلي من قصر الحمراء يحتوي نقوشًا بالعربية

ويتجاوز اهتمام الجلاف بالخط حدود جماليات العمارة إلى دلالاته الثقافية ومكانته في حياة الدول؛ فالكتابات المنقوشة على العملات، إلى جانب نقاوة المعدن، تقدم للباحثين مؤشرات على قوة الدولة وازدهارها، ويتوقف كذلك عند المكانة الرفيعة التي حظي بها الخطاطون في التاريخ الإسلامي، ومنهم الوزير ابن مقلة، الذي جمع بين ممارسة الخط وتولي الوزارة في العصر العباسي، في دلالة على ارتباط هذا الفن بالعلم والأدب والمكانة الاجتماعية.

ومن هذه الشواهد ينتهي الجلاف إلى وصف الخط العربي بأنّه "جوهرة تاج الفنون الإسلامية"؛ فقد امتدّ حضوره إلى العمارة والحلي والملابس والأواني والستائر والمشكوات، متداخلاً مع الزخرفة والفنون التطبيقية، ولم يقتصر الاهتمام بجمالياته على المجتمعات العربية والإسلامية؛ إذ يشير الجلاف إلى وجود كتابات عربية في مبانٍ وكنائس تاريخية بصقلية، وإلى اهتمام الملك روجر الثاني بالخط العربي، الذي استخدمه في تزيين عباءته الملكية بكتابات تتضمن الدعاء له بطول البقاء والصحة، واستخدم العربية في بعض العملات التي أصدرها، ويلفت الجلاف أيضًا إلى استعانة الملك بيدرو بخطاطين وصنّاع ونقّاشين من غرناطة لتزيين قصوره في إشبيلية.

المصحف الشريف: تطور الخط وحفظ النص

يمنح الجلاف كتابة المصحف مساحة مهمة من حديثه، متتبّعاً تطور الخطوط المستخدمة في نسخ القرآن الكريم، من الحجازي والكوفي إلى خطوط أكثر مرونة ووضوحاً؛ كالنسخ والثلث، مشيراً إلى أنّ نسخ المصاحف جمع بين المعرفة بقواعد الخط والصبر والدقة والمهارة اليدوية.

وينسب جانباً كبيراً من تطوير قواعد الخط إلى المدرسة العراقية البغدادية في العصر العباسي، ويعدّ ابن مقلة وابن البواب وياقوت المستعصمي من أبرز أعلام الخط العربي.

ويتطرق الجلاف إلى المصاحف التاريخية ذات القيمة النادرة، كـ "مصحف الحاضنة" و"المصحف الأزرق" بالقيروان، ومخطوطات جامعة برمنغهام البريطانية، إلى جانب ما تحتفظ به المتاحف الكبرى كـ "اللوفر" و"المتروبوليتان"، ويوضح أنّ نَسْخ المصحف لم يكن مجرد تدوين، بل كان سجلّاً لتطور الأدوات وعناية فائقة بالنص الشريف عبر العصور.

الخط العربي بين الهوية والقوة الناعمة

يربط الجلاف الخط بالهوية الثقافية؛ فالكتابة، وفق قوله، هي الصورة المرئية للغة، ولذلك يرى أنّ جمال اللغة وغنى معانيها يستحقان كتابة تليق بهما. ويلفت إلى أوجه شبه بين تقاليد الخط العربي والصيني والياباني والكوري، من حيث الاعتماد على الحبر والورق، على الرغم من اختلاف اللغات والأنظمة الكتابية.

من أعمال خالد الجلاف

وتتضح هذه الفكرة في تجاربه خارج العالم العربي؛ ففي مشاركته بمعرض للكتاب في ساو باولو البرازيلية، لاحظ امتداد الإعجاب بالخط العربي إلى أشخاص لا يعرفون اللغة ولا يستطيعون قراءة ما يكتبه، بمن فيهم من لا ينحدرون من أصول عربية؛ فبينما يتفاعل القارئ العربي مع معنى النص، قد ينجذب آخر إلى حركة القلم وتكوين الحروف وتوزيع الكتل والفراغات، واصفاً مشاهدة الكتابة وهي تتشكل أمام الجمهور بأنّها تجربة فنية آسرة.

وفي كوريا الجنوبية، تعلّم الجلاف درساً في مراعاة الخصوصيات الثقافية؛ إذ يروي أنّه اعتاد كتابة أسماء الزوّار بالحبر الأحمر، قبل أن يعرف أنّ هذا اللون يرتبط في الثقافة الكورية بكتابة أسماء الموتى، وقد دفعه هذا الموقف إلى التعرّف إلى عادات البلدان التي يزورها، والانتباه إلى دلالات الألوان والكتابة، فصار أكثر حذراً وانفتاحاً على ثقافات الآخرين، موضحًا أنّ التعريف بالفن لا ينفصل عن معرفة هذه الثقافات واحترام خصوصياتها.

ويقارن الجلاف بين مكانة فنون الخط في الصين واليابان وكوريا وما يراه من تراجع الاهتمام بها في مجتمعات عربية، مشيراً إلى أنّ هذه المجتمعات الآسيوية حافظت على تقاليدها الخطيّة وواصلت تدريسها على الرغم من تقدمها الصناعي والتكنولوجي، فيما تتجلى مكانة الخط فيها في المتاحف والمتاجر المتخصصة وحضوره في الحياة الثقافية.

أمّا في المجتمعات العربية، فينتقد الجلاف ضعف الإلمام باللغة والتاريخ وأعلام الفنون، متسائلاً عن مدى معرفة الجمهور بخطاطين مثل؛ عبد الرحيم أمين وهاشم البغدادي وحسني الدمشقي، مقارنة بشهرة فنانين عالميين مثل؛ بيكاسو ودافنشي، ويعزو هذه الفجوة إلى محدودية التعريف بالمبدعين العرب والتقصير في تسليط الضوء على جهودهم، فضلًا عن ضعف حضورهم في المناهج والوعي العام.

ويتحدث الجلاف عن الخط بوصفه قوة ثقافية ناعمة تفتح باب التعرّف إلى الثقافة العربية والإسلامية، وتتيح فهماً أعمق لها وتعزز التفاهم الإنساني، ويستشهد بتجارب خطاطين من خلفيات غير عربية، من بينهم الياباني فؤاد هوندا والأمريكي محمد زكريا، اللذان انجذبا إلى الخط العربي ودرسا تقنياته وجمالياته.

ويشدد الجلاف على ضرورة التحقُّق من المعلومات التاريخية المقدَّمة للزوار، مستعيداً مواقف من رحلاته إلى الأندلس، حيث دفعه اهتمامه بالكتابات والمعالم إلى مناقشة روايات تاريخية خاطئة سمعها من مرشدة سياحية في جامع قرطبة.

الفن قبل الوظيفة: العودة إلى الذات

يستعيد الجلاف فترة انقطاعه عن الخط نحو عشرة أعوام؛ بسبب انشغاله بالعمل الوظيفي، وحين دُعي إلى إقامة معرض شخصي، اكتشف أنّه لم ينجز لوحة واحدة طوال تلك المدة، فشكّلت هذه اللحظة بداية جديدة أعادته إلى الإنتاج الفني والكتابة والبحث وإلقاء المحاضرات.

ويتحدث عن عمله نائباً لرئيس تحرير مجلة "حروف عربية"، وهي مجلة متخصصة في فن الخط العربي، مؤكداً أهمية دورها في توثيق هذا الفن والتعريف بأعلامه ومدارسه.

من أعمال خالد الجلاف

ويجمع الجلاف بين الخط والقراءة والتاريخ، مشدداً على تكامل هذه الأبعاد في تشكيل شخصيته التي تمزج بين الخطاط والقارئ والكاتب والباحث، وينظر إلى الفنون بوصفها انعكاساً لازدهار المجتمعات؛ فكلما ازدهرت الحضارة علمياً وثقافياً، انعكس ذلك على فنونها، فيما يتراجع الاهتمام بالإبداع والجمال حين تنشغل المجتمعات بالحروب والصراعات.

ويعبّر الجلاف عن اعتزازه بانتمائه إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، مستحضراً القيم التي نشأ عليها، وفي مقدمتها المحبة والإخلاص والتفاني في خدمة الآخرين، ويصف نفسه بأنّه "ابن زايد"، ويرى في هذا الإرث ما أسهم في تشكيل شخصيته ومواقفه الإنسانية، ويتوقف عند بصمات الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم في بناء الإنسان وترسيخ ثقافة التعايش، مستشهداً باحتضان الإمارات نحو مئتي جنسية بوصفه نموذجاً للانفتاح والتنوُّع الثقافي.

الخط العربي رسالة وأخلاق وأسلوب حياة

لا يكتمل فن الخط العربي عند الجلاف بإتقان الأدوات والأساليب وحدها؛ فهو يتجاوز المتعة الجمالية إلى رسالة ومبدأ وأخلاق تمنح العمل معناه، ومن هنا يشدد الباحث على تحلّي الفنان بالإخلاص والإتقان والصبر والتواضع، بوصفها قيماً أصيلة في تكوين الخطاط، لا تقلّ أهمية عن مهارته الفنية.

ويميز الجلاف بين الخط العربي والفنون التشكيلية، موضحاً أنّ الحالة النفسية للفنان قد تنعكس على لوحته، سواء أكان حزيناً أم غاضباً أم فرحاً، في حين يحتاج الخطاط إلى الصفاء الذهني والتركيز والتصالح مع الذات؛ لأنّ اضطرابه الداخلي يؤثر سلباً في دقّة الحروف وتناسقها، لافتاً إلى أنّ ممارسة الخط تسهم في تهذيب النفس وتنمية الصبر والانضباط.

ويشير الجلاف إلى العلاقة الروحية بين الخطاط والنصوص التي يكتبها، ولا سيّما الآيات القرآنية، مشدداً على أهمية الطهارة واحترام النص القرآني، ويروي في هذا السياق قصة نقلها عن الخطاط عثمان طه، خطاط مصحف المدينة المنورة، الذي أخبره بأنّه حاول الكتابة ذات مرة فور استيقاظه من النوم، فوجد صعوبة في انسياب القلم، قبل أن يتذكر أنّه لم يتوضأ، وحين توضأ وعاد إلى الكتابة، وجد القلم ينساب بالحبر بصورة طبيعية.

وفي سياق الحديث عن أثر الخط في حياة ممارسيه، يتوقف الجلاف عند كتاب جديد كان يعمل عليه، يتناول تجربة أحد كبار أساتذة الخط في تركيا وما تركه من أثر في تلاميذه، ومن الشهادات التي أوردها شهادة أحدهم بأنّه يحب أستاذه حباً عظيماً؛ لأنّه علّمه أموراً في الحياة لم يتعلمها من والده، وشهادة أخرى لتلميذة قالت إنّ نظرتها إلى العالم تغيرت بعد تعرّفها إلى أستاذها.

وتكشف هذه الشهادات، في رأيه، عن دور معلم الخط في التربية وبناء الشخصية؛ فالعلاقة بين الأستاذ والتلميذ تتجاوز تعليم الحروف إلى نقل القيم والخبرات، ومن هنا يرى الجلاف أنّ الخط أسلوب حياة يمتد أثره إلى نظرة الإنسان وسلوكه وطريقة تعلمه، وأنّ إدراك أبعاده لا يتضح تماماً إلا بالممارسة والتعرف إلى متطلباتها.

الصفات المطلوبة لتعلم الخط العربي

يحدّد الجلاف مجموعة من الصفات التي ينبغي أن يتحلى بها الراغب في تعلم الخط والوصول إلى الاحتراف، في مقدمتها الإيمان بقيمة هذا الفن ومكانته، وإدراك أنّه من أبرز الفنون التي ورثها العرب عن أجدادهم، بما يمنح تعلّمه بُعداً ثقافياً وهوياتياً، إلى جانب اكتساب المهارة اليدوية.

الجلاف: العلاقة بين الأستاذ والتلميذ تتجاوز تعليم الحروف إلى نقل القيم والخبرات

ويتطلب إتقان الخط الصبر والإخلاص والمثابرة، فهو يحتاج إلى سنوات من التدريب المتواصل، ولا يتحقّق بالموهبة وحدها، ويشدد الجلاف على ضرورة التعلم على يد أستاذ متمكّن، وممارسة المَشْق؛ أي تكرار كتابة الحروف والتراكيب وفق قواعدها الصحيحة، ويلخص ذلك المبدأ قول شائع في تعليم الخط: "الخط مخفيّ في تعليم الأستاذ، قوامه كثرة المَشْق".

وفي هذا السياق، يذكر الجلاف أنّ الخطاطين القدامى كانوا يلاحظون تفاوت جودة خطوطهم باختلاف أيام الأسبوع؛ إذ كان خط بعضهم يوم الخميس أجود منه يوم السبت؛ نتيجة توقفه عن التدريب يوم الجمعة، وتُبرز هذه الملاحظة أهمية الممارسة اليومية وأثر الانقطاع، ولو لفترة قصيرة، في دقة الأداء والتحكم بالقلم.

ومن الصفات التي يوليها الجلاف أهمية خاصة التواضع، محذراً من أنّ الغرور قد يفسد علاقة الفنان بفنه ويحرمه من بركته؛ فالخطاط، مهما بلغ من المهارة، ينبغي أن يظل متعلماً، ويحافظ على احترام أساتذته وفنه وجمهوره.

الخط العربي: التاريخ والمستقبل

وفي حديثه عن الجيل الجديد من الخطاطين في الإمارات، يعرب الجلاف عن تفاؤله بمستقبل هذا الفن، الذي يرتبط في نظره بتنشئة أجيال تحترمه وتتعلمه على أيدي أساتذة متمكنين. 

ويلفت إلى الحضور القوي للمرأة الإماراتية في الخط العربي، ومع أنّ هذا الفن يغلب عليه الطابع الذكوري في كثير من المجتمعات، غير أنّ الإمارات تتميز بعدد كبير من الخطاطات المبدعات.

ويرى الجلاف أنّ الثقافة والفنون تسهم في بناء الصورة الحضارية للدول وتعريف العالم بهويتها الوطنية، إلى جانب الإنجازات الاقتصادية.

ويعود الجلاف في ختام حديثه إلى علاقته بالقراءة والتاريخ، مستعيداً موقفاً من سنوات الدراسة حين صفعه أحد معلمي التاريخ، فدفعه شعوره بالظلم إلى الاجتهاد في المادة وإثبات قدرته، حتى نال الدرجة الكاملة في أحد الاختبارات، وعلى الرغم من قسوة التجربة، فإنّها أسهمت في تعميق اهتمامه بالتاريخ.

ويرى الجلاف أنّ قراءة الماضي لا تعني تمجيده أو رفضه؛ فالتاريخ العربي والإسلامي، شأنه شأن تاريخ الأمم الأخرى، يضم تجارب من الازدهار والتقدم وأخرى من الصراعات والتراجع، والمهم في نظره استخلاص الدروس من هذه التجارب، والاستفادة من جوانبها الإيجابية وتجنّب أخطائها.

ويستشهد الجلاف بمقولة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان: "من لا ماضي له لا حاضر له ولا مستقبل"، مؤكداً أهمية الوعي بالتاريخ في فهم الحاضر واستشراف المستقبل، لافتًا إلى أنّ تجاهل دروسه قد يقود الأمم إلى تكرار أخطائها.

ولا تكتمل المعرفة التاريخية، في رأيه، بمجرد القراءة؛ فهي تتطلب الفهم والتطبيق لتنعكس على وعي الإنسان وسلوكه؛ فمعرفة المرء بأصوله وتاريخ أسرته ومجتمعه تعزز انتماءه وثقته بنفسه، وتساعده على فهم واقعه والتعامل معه بوعي.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار


آخر التقارير

الصفحة الرئيسية