كيف استغل الإخوان العمل الخيري ؟

العمل الخيري الواجهة الرئيسية لتمويل جماعة الإخوان

كيف استغل الإخوان العمل الخيري ؟


03/02/2026

اعتمدت الجماعة على العمل الخيري كواجهة تجمع من خلالها التبرعات والأموال للتنظيم، لذا أنشأت مئات الجمعيات التي تقدّم خدمات للفقراء والمحتاجين. وعلى الرغم من الدور الاجتماعي لهذه الجمعيات، فإنّها كانت أيضاً وسيلة لتحصيل التمويل من مصادر محلية ودولية، ممّا ساعدها في بناء إمبراطورية مالية قوية تحت غطاء العمل الإنساني، ومن أبرز الأمثلة على ذلك الوقف الإسلامي والجمعيات والمدارس المرتبطة بها في فرنسا.

الوقف الإسلامي وسيلة رئيسية لتمويل التنظيم

الوقف الإسلامي هو أداة تمويلية تعمل على تعزيز تنمية الجالية المسلمة في فرنسا، من خلال تلقي أموال الزكاة والصدقات والتبرعات، واستخدامها في دعم المشاريع والأنشطة الثقافية والتعليمية والاجتماعية التي تخص الإسلام والمسلمين. وهي واحدة من المؤسسات الرئيسة المكلفة بإدارة أصول وممتلكات الإخوان في فرنسا، وقد تم إنشاؤها من قِبل مجلس مسلمي فرنسا: الفرع الفرنسي للتنظيم الدولي للإخوان.

يوجّه الوقف تمويله نحو (3) أهداف أساسية؛ هي دعم المعاهد الدينية والقرآنية الملحقة بالمساجد والمراكز الثقافية الإسلامية، ودعم إنتاج الأعمال التي تقدّم الإسلام لعامة الناس ببُعده الحضاري والتاريخي، ودعم المدارس الإسلامية الخاصة. ويُشترط في هذه المعاهد والمدارس، وفي أيّ أنشطة اجتماعية وخيرية يمولها الوقف، أن تكون تحت تصرف اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا، وخاضعة بشكل كامل لسلطته؛ أي سلطة الإخوان.

في 26 كانون الثاني (يناير) 2023 داهمت السلطات الأمنية مقر جمعية الوقف الفرنسية، ومقرها في سين سان دوني، وهي جمعية وفق أهدافها تعزز تنمية الجالية المسلمة في فرنسا من خلال دعم المشاريع والهياكل ذات الاهتمام المشترك، مثل دعم المدارس الإسلامية الخاصة.

وعلى الرغم من أنّ مسؤولي الوقف يؤكدون أنّه لا يتلقى أيّ تمويل أو إعانات من الدولة، فإنّ تقارير إعلامية فرنسية متواترة أفادت أنّه يحصل بالفعل على مساعدات حكومية كبيرة بمئات الآلاف من اليوروات سنوياً على شكل خدمات وإعارة مبانٍ. وبشكل عام، يعتمد في الحصول على الأموال من التبرعات الخاصة التي يتم جمع أغلبها من خلال موقعه الإلكتروني ومنصات التواصل الاجتماعي التابعة له، ودعم المؤسسات الاقتصادية التابعة للإخوان عبر آليات تمويلية معقدة، إلى جانب عائدات استئجار عقارات في ملكيته في مدينتي بوندي وليموج. ويرأس الوقف في الوقت الحالي الحاج التهامي بريز، أحد القادة التاريخيين للإخوان في فرنسا، وأحد مؤسسي اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا ورئيسه السابق.

المدارس أبرز أدوات تمويل الجماعة

أنشأت الجماعة شبكة واسعة من المدارس الخاصة التي حملت طابعاً دينياً، واستطاعت بفضل نفوذها السياسي في بعض الفترات أن تحصل على دعم حكومي غير مباشر، والاستثمار في العملية التعليمية، التي تدخل مئات الآلاف من اليوروات للجماعة. وهذه المدارس لم تكن فقط مصدراً للتمويل، بل كانت أيضاً وسيلة لزرع الفكر الإخواني بين الأجيال الجديدة، ممّا ساعد على استمرار دعم الجماعة مالياً وإيديولوجياً. إضافة إلى ذلك، توسعت الجماعة في إنشاء الجامعات والمراكز التعليمية الخاصة، التي لم تقتصر على فرنسا فقط، بل امتدت إلى دول أخرى، وهو ما ضمن للجماعة تدفقات مالية مستمرة.

لم تكن المدارس مشاريع تعليمية دينية فقط، فحين يتم استخدام الإسلاموفوبيا، وتخويف الأقليات المسلمة من المدارس الأخرى التي تحرم الحجاب واللباس الإسلامي، تصبح مدارس الجماعة استثمارية وتمويلية لها إلى أكبر حد، وهي تنقسم إلى مدارس حكومية (تضم أكثر من 80%من الطلاب)، ومدارس خاصة بموجب عقد شراكة مع الدولة، وتقع مدارس الإخوان في فرنسا ضمن النوع الثاني.

ويأتي استثمار الحركة في قطاع التعليم في سباق تزايد مستمر في الهجمات على العلمانية المسجلة في المدارس، والتي تغذيها أنشطة الدعاة عبر الإنترنت، وقد تمّ تسجيل (3086) هجوماً على قيم الجمهورية الفرنسية. وورد في التقرير الفرنسي المقدم للحكومة أنّ ثانوية ابن رشد، وثانوية الكندي، تقدّمان تعليماً متطرفاً، وتستقبل (500) طالب في المرحلة المتوسطة، و(200) طالب في المرحلة الثانوية، والتدقيق الذي أجراه مكتب التحقيق الإقليمي كشف أنّها تلقت تمويلاً غير مشروع من قبل المركز الإسلامي في فيلنوف داسك، الذي كشفت عنه تحقيقات الصحفيين كريستيان شينو وجورج مالبرونو في كتاب "أوراق قطر". وأنّ بها أوجه قصور خطيرة في الموارد التعليمية المتاحة للطلاب، ووجود أعمال ذات محتوى يتعارض مع القيم الجمهورية.

ويبرز دور فاتح ساريكير، رئيس منظمة "ملي غوروش" في فرنسا والأمين العام للمجلس الفرنسي للديانة الإسلامية، في إنشاء المدارس، والمتهم بـ "خدمة الإسلاموية التركية". ورغم أنّ الاتحاد لا يمتلك بالفعل هيكلاً لإدارة المؤسسات الإسلامية الخاصة، إلا أنّ بعض المدارس استفادت من دعم مالي من الاتحاد. على سبيل المثال في كورباي-إيسون، تأسست المدرسة عام 2013 داخل مسجد البلدة، وتضم 250)) طالباً من الروضة إلى المرحلة الثانوية.

لفت برونو بيلدي انتباه وزير الداخلية إلى الدعم المالي والترويج للجمعيات المرتبطة بالإسلام المتطرف، ففي عام 2023 دفعت المفوضية الأوروبية أكثر من (800) ألف يورو لجمعيات مرتبطة بجماعة الإخوان. وتفوض المفوضية إدارة أربعة برامج إيراسموس إلى جمعية دينية. وتتمتع الجمعيات الخاضعة لقانون عام 1901 بحرّية كبيرة في أساليب تمويلها، ممّا يعفيها من الإبلاغ عن تمويلها. وباسم التنوع، تموّل بعض المؤسسات جمعيات دينية، وهو ما يشجع نفوذ الإخوان في فرنسا وأوروبا.

الجمعيات الإسلامية وسيلة تمويل الجماعة الأبرز

تضمّ فرنسا أكثر من (250) جمعية إسلامية على كامل أراضيها، منها (51) جمعية تعمل لصالح الإخوان، وعلى سبيل المثال: التجمع لمناهضة الإسلاموفوبيا، وجمعية الإيمان والممارسة، ومركز الدراسات والبحوث حول الإسلام، والمعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية، ومعهد ابن سينا لتخريج الأئمة، وهذه الجمعيات تمارس نشاطاً سياسياً، وتعمل لصالح الجماعات المتطرفة.

ومن أبرز هذه الجمعيات: التجمع لمناهضة الإسلاموفوبيا، ومؤسسة الشيخ ياسين (التي تم طرد رئيسها عبد الحكيم الصفريوي عام 2020)، وجمعية الإيمان والممارسة، ومركز الدراسات والبحوث حول الإسلام، والمعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية، ومعهد ابن سينا لتخريج الأئمة، وأوروبا تراست، وهي وفق صحيفة (دي فيلت) الألمانية، تخدم الإخوان كأداة مالية مركزية للترويج للمشاريع في جميع أنحاء أوروبا.

وفي دراسات وتقارير سابقة، وصف لورينزو فيدينو (أوروبا تراست) بأنّها "واحدة من أهم منظمات جماعة الإخوان التي تدير أموال شبكة الجماعة وعقاراتها، وأوضح أنّ المؤسسة "تعمل بهدوء، لكنّها مهمة للغاية بالنظر إلى مهمتها"، وهذا هو السبب في أنّ الأشخاص الذين شاركوا في إدارة (أوروبا تراست) على مر الأعوام، وبينهم إبراهيم الزيات وصبري شريف، من كبار أعضاء جماعة الإخوان.

 و(أوروبا ترست) منبثقة من (نكتار ترست) التي تقوم بالتمويل بشكل مباشر، وهي ذراع مؤسسة قطر الخيرية، التي تم تسميتها بهذا الاسم عام 2017 في لندن، من أجل إخفاء أنشطتها المشبوهة بعد تزايد الاتهامات بتورطها في تمويل الإخوان، ليس في بريطانيا وحدها بل في عموم أوروبا، وهي تقوم بتجميع الأموال لمشاريع مثل (شيفيلد لندن- أمانة الإيمان)، وتتلقى موارد مالية من خلال تبرعات من منظمات وأفراد، وعلاوة على ذلك تحصل الشركة على إيرادات من خلال الاستثمار في العقارات وتأجيرها، والحصول على أموال من دول خارجية.

وقد أسهمت في مشروع معهد آيزنبرغ للدراسات التاريخية في شاتو دي شينون، في عام 2015 بباريس، إضافة إلى دعمها ﻣركز النور في ﻓﺮﻧﺴﺎ، وجمعية الإصلاح الاجتماعي في ستراسبورغ، فرنسا، وهو مبنى متعدد الأغراض على مساحة (2500) متر مربع يتألف من مدرسة للدراسة الدينية، واتحاد الهيئات والجاليات الإسلامية في ميلانو، إيطاليا، ودعمت المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية (IESH)، وهو مؤسسة تعليمية إسلامية مقرها فرنسا، ينشر الفتاوى لًتوجيهات المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، التابع لمجلس مسلمي أوروبا. وتخضع مؤسسة (أوروبا ترست) لسيطرة مجموعة من كبار قادة شبكة الإخوان الأوروبية، وتشارك في مجموعة متنوعة من الأنشطة المالية تدور في الأغلب حول تجارة العقارات، والتي بدورها تخدم غرض تمويل مختلف كيانات الإخوان الإرهابية، وتتخذ من العمل الخيري والتنموي في أوروبا غطاء لتحركاتها منذ تأسيسها في عام 1996، بقرار من اتحاد المنظمات الإسلامية، المنظمة المظلية للإخوان في القارة العجوز، وفق دراسة أعدها مركز توثيق الإسلام السياسي التابع للحكومة النمساوية.

وأهمّ الجمعيات هي منظمة الإغاثة الإسلامية العالمية، التي شارك في تأسيسها عام 1984 إحسان شبيب وهاني البنا وكاظم الراوي، وكانت ميزانيتها في عام 2013  (126) مليون دولار أمريكي، ووفق موقع إخوان ويكي، فإنّ أحد الإداريين في منظمة الإغاثة الإسلامية هو عبد الوهاب نور ولي، وهو أيضاً عضو في الندوة العالمية للشباب الإسلامي، وقد أصبح محمد الشماوي المدير التنفيذي لمنظمة الإغاثة الإسلامية في 2012، وكان من قبل مديراً للإغاثة الإسلامية في الولايات المتحدة الأمريكية، ومن بين إدارييها أيضاً إبراهيم الزيات.

وقد أكّد بحث أجراه الصحفي الأمريكي المتخصص في شؤون مكافحة الإرهاب ستيفن إمرسون، في إحدى دراساته عن الإخوان التي تؤكد أنّ المنظمة وجميع المنظمات التابعة لها الموزعة على شكل جمعيات ومنظمات وهيئات مستقلة هدفها الجوانب الثقافية والعلمية والاجتماعية والدينية، أكّد أنّها ليست أكثر من واجهات "إخوانية" في تيار عالمي له أبعاد سياسية مدروسة، مشيراً إلى أنّ العديد من الجمعيات والمنظمات الإسلامية على علاقة بجماعة الإخوان المسلمين، وتعمل على بناء مجتمعات موازية داخل أوروبا بقيم تختلف عن قيم المجتمع الأوربي وعاداته. لقد قامت المنظمة بتنظيم هياكل حول نشاطها الاجتماعي في فرنسا لا سيّما إدارة  مراكز الإيواء، وبناء صناديق وقف، وخصصت ما يقرب من (35) مليون يورو في عام 2021 لمنظمات خارجية.

إضافة إلى منظمة Humaiterre التي أنشئت في عام 2018 ونشاطها الرئيسي هو جمع التبرعات للشعب الفلسطيني ويرأسها إمام المسجد الكبير في بواتييه، بو بكر الحاج عمر، أمين الصندوق السابق لاتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا، وجمعية الوقف الإسلامي، وهي فرع من اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا يهدف إلى جمع الأموال من فرنسا والخارج، وتخضع لتحقيق أولي بتهمة تمويل مشروع إرهابي.

وتُعتبر الأكاديمية الأوروبية للتمويل والاقتصاد الإسلامي (إيفي) إحدى مؤسسات التنظيم الدولي، ورغم أنّها مؤسسة بحثية تعليمية، وأعلنت على صفحتها أنّ هدفها (تقديم خدمات التعليم المستمر والتدريب والاستشارات والبحوث والتحكيم في مجال التمويل والاقتصاد الإسلامي) إلا أنّها تتخادم مع الجماعة، ويترأسها المصري أشرف دوابة منذ كانون الثاني (يناير) 2016، وهو كاتب في "مجلة المجتمع" الكويتية.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات
الصفحة الرئيسية