الهجر وأثره طويل الأمد

الهجر وأثره طويل الأمد

الهجر وأثره طويل الأمد


19/10/2026

ترجمة/ عبود الجابري

يُعرَّف الهجرُ بأنَّه تركُ شخصٍ أو التخلِّي عنه، أو إهمالُ احتياجاته العاطفية والنفسية، وقد يخلِّف مشاعرَ عميقةً من الفقد والرفض وانعدام الأمان. ويمكن أن يحدث في مراحل الحياة المختلفة، سواء نتيجةَ الإهمال في الطفولة، أو انتهاءَ علاقةٍ عاطفيةٍ بصورة مفاجئة، أو فقدانَ صديقٍ، أو انقطاعَ الروابط الأسرية، أو فقدانَ الدعم والاستقرار.

وقد يؤثر الهجرُ تأثيرًا طويلَ الأمد في تقدير الذات، والقدرة على بناء العلاقات، والشعور بالأمان العاطفي. فعندما يغيب مقدمُ الرعاية أو يتسم سلوكه بالتقلُّب وعدم الاستقرار، يتكيف الجهازُ العصبي للطفل مع هذه البيئة، وقد تنشأ لديه أنماطٌ من اليقظة المفرطة، أو الانغلاق العاطفي، أو الخوف من الفقد، تستمر حتى مرحلة البلوغ.

ولا يعني التعافي من الهجر تجاوزَ الألم بسرعة؛ فالجروح العاطفية تحتاج إلى الوقت والفهم والدعم، ولا يمكن إخضاعها لوتيرةٍ واحدةٍ تناسب الجميع.

-الهجر العاطفي

لا يقتصر الهجرُ على الغياب الجسدي؛ فقد يكون الشخصُ حاضرًا، لكنّه منفصلٌ عاطفيًّا، عاجزٌ عن تقديم الدعم أو الاستجابة للاحتياجات النفسية. ويظهر ذلك في العلاقات العاطفية والصداقات والأسر وبيئات العمل، حين يشعر المرءُ بأنّ مشاعره غير مرئية أو أنّ احتياجاته لا تحظى بالتقدير.

ومن أبرز الاستجابات العاطفية للهجر:

- الخوف من الرفض: القلقُ المستمر من رحيل الآخرين أو فقدان محبتهم.

- لوم الذات: الاعتقادُ بأنّ المرء غير جديرٍ بالحب، أو أنّه لم يكن كافيًا للحفاظ على العلاقة.

- صعوبة الثقة: الترددُ في الانفتاح العاطفي، والخوفُ من التعلق بالآخرين.

- التبلد العاطفي: الانسحابُ من المشاعر أو كبتُها تجنبًا لمزيدٍ من الألم.

- الشعور بالخجل: الإحساسُ العميق بعدم الاستحقاق أو النقص، وقد يدفع صاحبه إلى الاختباء أو السعي المفرط لنيل القبول.

هذه الاستجابات ليست دليلًا على الضعف، بل قد تكون وسائلَ دفاعيةً تعلمها الإنسان لحماية نفسه. غير أنّ استمرارها قد يحوّل الحمايةَ إلى عزلة، ويجعل بناء علاقاتٍ آمنةٍ أكثر صعوبة.

-دور الجهاز العصبي في الهجر والتعافي

قد يؤثر الهجرُ في الاستجابات الجسدية والنفسية للتوتر، فيبقى الإنسانُ شديدَ التأهب للخطر أو يميل إلى الانسحاب والانغلاق. ومن أبرز المظاهر المرتبطة بذلك:

- تنشيط الاستجابات العاطفية: قد يثير الرفضُ مشاعرَ الخوف والحزن والخجل، ويستدعي ذكرياتٍ مؤلمةً من تجارب سابقة.

- استجابة الكر والفر: قد تظهر في صورة القلق واليقظة المفرطة والانشغال المستمر بإشارات الرفض المحتملة.

- استجابة التجمد أو الانسحاب: قد يلجأ بعض الأشخاص إلى الانفصال العاطفي أو تخدير مشاعرهم عندما يصبح الضغط النفسي مرهقًا.

- التوتر الجسدي: قد يترافق الضغطُ المزمن مع شد العضلات والإجهاد واضطرابات النوم أو الهضم.

وقد تجعل هذه الأنماط تنظيمَ المشاعر والثقةَ بالآخرين أمرًا صعبًا. لذلك يتطلب التعافي تعلمَ وسائل تساعد على استعادة الإحساس بالأمان والتعامل مع التوتر بطرقٍ أكثر توازنًا.

-أنماط التعلق وعلاقتها بالهجر

تؤثر التجارب المبكرة في الطريقة التي يفهم بها الإنسانُ العلاقات ويستجيب فيها للقرب والابتعاد. ويمكن التمييز بين أربعة أنماطٍ شائعةٍ للتعلق:

- التعلق الآمن: ينشأ عندما يتلقى الطفلُ رعايةً مستقرةً واستجابةً عاطفيةً متسقةً، بما يعزز الثقة والقدرة على بناء علاقاتٍ متوازنة.

- التعلق القلق: يرتبط بالخوف من الرفض والحاجة المتكررة إلى الطمأنينة والتأكد من استمرار محبة الآخرين.

- التعلق التجنبي: يظهر في الميل إلى الاستقلال المفرط وتجنب الاعتماد العاطفي على الآخرين، أحيانًا خوفًا من الانكشاف أو الخذلان.

- التعلق غير المنظم: يتجلى في التناقض بين الرغبة في التقارب والخوف منه، بما يجعل العلاقات مصدرًا للأمان والقلق في آنٍ واحدٍ.

ويختلف جرحُ الهجر عن حساسية الرفض؛ فالأوّل قد يرتبط بتجارب الفقد أو الإهمال السابقة، بينما تتمثل الثانية في الاستجابة الشديدة لاحتمال الرفض، حتى عندما لا يكون هناك دليلٌ واضحٌ على حدوثه. ويساعد فهم هذه الأنماط على التعرف إلى المحفزات العاطفية وتطوير علاقاتٍ أكثر صحة.

-الهجر العاطفي في الحياة اليومية

قد يتخذ الهجرُ العاطفي صورًا خفيةً يصعب التعرف إليها، من أبرزها:

- التقليل من المشاعر: التعاملُ مع مخاوف الشخص وآلامه باعتبارها مبالغًا فيها أو غير جديرةٍ بالاهتمام.

- غياب الحضور العاطفي: الوجودُ الجسدي مع الانفصال النفسي وعدم إبداء الاهتمام الحقيقي.

- التذبذب في الدعم: التناوبُ بين الاهتمام والانسحاب، بما يضعف الثقة والاستقرار.

- إهمال التواصل: اقتصارُ المحادثات على احتياجات طرفٍ واحدٍ، مع تجاهل احتياجات الطرف الآخر.

- التشكيك في المشاعر: دفعُ الشخص إلى الارتياب في إدراكه لتجاربه، من خلال إنكار ما يشعر به أو التقليل من شأنه.

- حجب المودة والتقدير: جعلُ الحب أو الدعم مشروطًا بالامتثال لتوقعاتٍ معينة.

وقد تؤدي هذه الأنماط، إذا استمرت، إلى الشعور بالوحدة والشك في الذات، وتزيد صعوبة التعبير عن الاحتياجات وبناء روابطٍ عاطفيةٍ مستقرة.

-هجر الذات: حين يتخلى الإنسان عن احتياجاته

لا يأتي الألمُ دائمًا من الآخرين؛ فقد يهجر الإنسانُ ذاته حين يتجاهل احتياجاته ومشاعره سعيًا إلى تجنب الصراع أو الرفض أو فقدان العلاقات.

ومن أبرز مظاهر هجر الذات:

- كبتُ المشاعر والصمتُ عن التعبير عن الرأي.

- إهمالُ الحدود الشخصية وتقديمُ احتياجات الآخرين على حساب الذات.

- ربطُ القيمة الشخصية بموافقة الآخرين وتقديرهم.

- قبولُ العلاقات غير المتكافئة التي لا تُلبَّى فيها الاحتياجات العاطفية.

- التقليلُ من شأن الألم أو الانشغالُ المستمر لتجنب مواجهته.

- مقارنةُ الذات بالآخرين، والاعتذارُ المفرط، ورفضُ الإطراء أو الشعورُ بعدم استحقاقه.

- إهمالُ الهوايات والشغف الشخصي، وتجنبُ الراحة والرعاية الذاتية بدافع الشعور بالذنب.

- محاولةُ إرضاء الآخرين على حساب الصحة النفسية والاحتياجات الشخصية.

وقد تدفع جروحُ الهجر بعضَ الأشخاص إلى تخريب علاقاتهم أو فرصهم دون وعي، خوفًا من الرفض الذي يتوقعونه. وقد يلجؤون إلى سلوكياتٍ ضارة، مثل الإفراط في العمل أو ممارسة الرياضة، أو الاستخدام القهري للطعام والمواد المؤثرة في المزاج، أو الانخراط في علاقاتٍ غير صحية، بهدف الهروب من الألم أو استعادة شعورٍ مؤقتٍ بالسيطرة.

وقد يصل الأمر لدى بعض الأشخاص إلى إيذاء النفس، أو تعريضها للمخاطر، بوصف ذلك وسيلةً للتعامل مع الضيق العاطفي. وتستدعي هذه السلوكيات فهمًا متعاطفًا ودعمًا مناسبًا، لا اللوم أو الإدانة.

ويبدأ التعافي من هجر الذات بالاعتراف بالمشاعر والاحتياجات، ووضع حدودٍ صحية، والتعامل مع النفس برحمة، وتعلم أنّ الحفاظ على الذات ليس أنانيةً، بل ضرورةٌ لتحقيق التوازن النفسي.

تهدئة الذات بوسائل صحية

يمكن تعلم أساليب تساعد على تنظيم المشاعر والتعامل مع التوتر دون اللجوء إلى سلوكياتٍ مؤذية، ومنها:

- تمارين التنفس: التنفسُ البطيء والهادئ للمساعدة على تخفيف التوتر.

- التجذر الحسي: توجيهُ الانتباه إلى الأصوات والملامس والمحيط لاستعادة الاتصال باللحظة الراهنة.

- الراحة الجسدية: استخدامُ وسائل مريحة، مثل الاسترخاء أو الحركات اللطيفة.

- التعبير الإبداعي: الكتابةُ والرسمُ والموسيقى وغيرها من الوسائل التي تساعد على فهم المشاعر والتعبير عنها.

- الحديث الذاتي المتعاطف: استبدالُ النقد القاسي بلغةٍ أكثر تفهمًا ورحمة.

- التواصل مع الحيوانات :قد يساعد التفاعلُ معها على تعزيز الشعور بالهدوء والترابط.

الطبيعة والعلاج الجسدي

يمكن لقضاء الوقت في الطبيعة أن يساعد على تخفيف التوتر ودعم التوازن النفسي. فالمشي والبستنة والسباحة والتفاعل مع العناصر الطبيعية، كلها أنشطةٌ قد تعزز الوعي الحسي وتمنح الإنسان فرصةً لاستعادة هدوئه وتغيير منظوره إلى مشكلاته.

كذلك، قد تساعد بعض الممارسات العلاجية على إعادة التواصل مع الجسد وفهم استجاباته للتوتر، ومنها تمارين الوعي الجسدي والتأمل والتنفس المقصود والحركة اللطيفة. وتهدف هذه الأساليب إلى تحسين القدرة على تنظيم المشاعر والتعامل مع المحفزات العاطفية.

وتُستخدم بعض الممارسات المستندة إلى نظرية العصب المبهم، مثل الدندنة والغناء والحركة الهادئة، في محاولةٍ لتعزيز الشعور بالأمان والتواصل. غير أنّ هذه الأساليب ليست بديلًا عن الرعاية المتخصصة عند الحاجة، كما أنّ الادعاءات المتعلقة بتحرير الصدمات المخزنة في الجسم أو إعادة برمجة الجهاز العصبي ينبغي التعامل معها بحذر، وفق ما تدعمه الأدلة العلمية.

-أفكار ختامية

إنّ تجربةَ الهجر، سواء في الطفولة أو العلاقات العاطفية أو الصداقات أو الأسرة، قد تترك آثارًا عميقةً، لكنّ التعافي منها ممكنٌ. وتساعد معرفة أنماط التعلق، وفهم الاستجابات العاطفية، وتعلم وضع الحدود والرعاية الذاتية، على بناء الثقة بالنفس وتطوير علاقاتٍ أكثر استقرارًا.

ولا يعني التعافي نسيانَ ما حدث، بل تعلّمَ التعامل مع الألم بطريقةٍ مختلفةٍ، من دون السماح للتجارب السابقة بأن تحدّد قيمة الإنسان أو مستقبله. فاستحقاقُ الحبّ والاحترام لا يتوقف على بقاء الآخرين أو رحيلهم، ولكلّ إنسانٍ وتيرته الخاصة في التعافي.


المصدر: مقال للكاتبة كيري هامبتون وهي طبيبة، وأكاديمية، وباحثة من أستراليا.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية