
منذ زمن مبكر في عقد سبعينيات القرن الماضي كان أبو القاسم حاج حمد من الأوائل الذين انتقدوا طرح الإسلاميين، ومن الذين اختلفوا معهم بعد توليهم السلطة في السودان 1979م، وكان حينها خارج البلاد. فموقفه كان معارضاً؛ إذ يرى في تجربة "الإسلام السياسي" في السودان نموذجاً مشوهاً و"سلفية سياسية" تعيد إنتاج الدولة السلطانية القديمة بأدوات قمعية حديثة، معتبراً أنّ أزمتها الكبرى تكمن في "تحويل الوحي إلى إيديولوجيا".
لم يعد أبو القاسم إلى السودان للاستقرار إلا في سنواته الأخيرة بعد حدوث بعض الانفراجات السياسية، ولكن ظلت علاقته بالسلطة علاقة "المثقف الناقد" وليست علاقة "الموالي". توفي في الخرطوم عام 2004م بعد صراع مع المرض، مخلفاً وراءه إرثاً فكرياً كان بمثابة "المرآة" التي كشفت عيوب العقل المسلم.
إنَّ إيديولوجية الإسلام السياسي التي اختلف معها أبو القاسم حاج حمد في السودان، وجدها حاضرةً بقوة - وإنْ بشكلٍ مختلف - داخل أروقة المعهد العالمي للفكر الإسلامي بواشنطن؛ وهو الأمر الذي عجّل بانتهاء العلاقة بقطيعة فكرية وتنظيمية عميقة. لم يكن الخلافُ إدارياً، بل كان خلافاً جوهرياً على المنهج وسقف التجديد؛ فقد رأى حاج حمد أنَّ المعهد يسوق إيديولوجية الإسلام السياسي بطريقته، بينما كان هو يسعى لثورة إبستمولوجية شاملة.
وقد تجلّت حالةُ التنافر والتباعد بين فكر أبي القاسم والمحسوبين على المعهد بوضوح خلال ندوة القاهرة عام 1992م، التي عقدها المعهد لمناقشة كتابه "منهجية القرآن المعرفية" ففي تلك الندوة وصلت حدّة الاختلاف إلى درجة أنَّ بعضهم رأى في فكر حاج حمد خطراً على أصل فكرة الإسلام، واصفين أفكاره بالغرابة والمخالفة لإجماع جمهور المسلمين؛ وهي اتهاماتٌ تنبعُ في جوهرها من صميم التصورات التقليدية التي يتبناها الإسلاميون تجاه الدين، والتي انتقلت من ساحات العمل السياسي إلى أروقة البحث الأكاديمي.
الهروب من "المعرفي" إلى "السياسي"
يرى أبو القاسم حاج حمد أنّ المعضلة الجوهرية للحركات الإسلامية تكمن في وقوعها تحت إغراء "السهولة الإيديولوجية"، حيث استعاضت عن المشقة المعرفية بالضجيج السياسي. فبينما يتطلب التغيير الحضاري الحقيقي بناء "إبستمولوجيا بديلة" تعيد فحص علاقة الإنسان بالكون والخالق من خلال النص القرآني، اختار الإسلاميون المسار الأقصر المتمثل في حشد الجماهير ورفع الشعارات العاطفية التي تدغدغ المشاعر الدينية دون أن تخاطب العقول العلمية .فبدل النظر إلى الإسلام بكونه رسالة عالمية للوجود تم النظر إليه كأداة تعبئة اجتماعية.
إنّ رفع شعار مثل "الإسلام هو الحل" دون امتلاك تصورات منهجية لكيفية حل أعقد الأزمات المعاصرة في الفيزياء، أو الاقتصاد الكلي، أو علم الاجتماع، يمثل في نظر حاج حمد نوعاً من "الهروب الذهني" والكسل الفكري؛ فالإسلام عنده ليس "وصفة جاهزة" تُفرض بالقوة السياسية، بل هو منهج معرفي لا يفعل إلا عبر فهم "السنن والقوانين" التي أودعها الله في نسيج الوجود.
سجن فهم الاسلام في التاريخ
يعتقد أبو القاسم حاج حمد أنّ الأزمة الكبرى في العالم الإسلامي تكمن في وقوعه تحت أسر "الزمان الماضي"، حيث سجن النص القرآني المطلق والكوني داخل الأسوار التاريخية لما يُسمّى "العالمية الإسلامية الأولى". ويرى حاج حمد أنّ تلك العالمية ـ التي تجسدت في نماذج "الدولة السلطانية" والمنظومات الفقهية التي صيغت في العصور الوسطى ـ كانت استجابة عبقرية لظروف عصرها، لكنّها انتهت تماماً بانتهاء سياقاتها الزمانية والمكانية.
إنّ الإصرار المعاصر على استعادة تلك النماذج التاريخية ليس فعلاً إيمانياً في نظره، بل هو "سلفية سياسية" واغتراب تاريخي يصطدم بشكل عنيف مع حركة التطور البشري؛ فالإسلاميون في محاولتهم "بعث" تلك الصيغ الموروثة يحاولون قهر الحاضر بأدوات الماضي، ممّا يجعلهم في حالة تصادم مستمر مع معطيات العلم والواقع. ويؤكد حاج حمد أنّ الانتقال نحو فهم كمعطى حضاري كوني وإنساني يقتضي شجاعة معرفية للقيام بقطيعة مع التأويلات البشرية القديمة التي تحولت بمرور الزمن إلى "أصنام معرفية" تحجب ضوء القرآن.
الإسلام المعاصر لا يقوم على إعادة تدوير فقه "أهل الذمة" أو تقسيم العالم إلى "دار إسلام ودار حرب"، بل تنطلق من منهج قرآني حداثي ينظر إلى النص باعتباره "بنية كليّة" قادرة على استيعاب أرقى إنجازات العلم المعاصر وتوجيهها. إنّها دعوة للتحرر من "تاريخية النص" نحو "كونية النص"، بحيث لا ينكفئ العقل المسلم على شروح الفقهاء الأوائل، بل ينطلق من القرآن مباشرة ليفهم الفيزياء الحيوية، والذكاء الاصطناعي، ونظريات الاجتماع الحديثة، محولاً الدين من تراث مُثقل بالقيود التاريخية إلى طاقة معرفية دافعة تستشرف المستقبل وتصنعه. فهذه المقاربات مخالفة لفكر الإسلاميين الذي يرى في نفسه أنّه حريص على الإسلام والمسلمين.
الحاكمية لله أم حاكمية السنن؟
يُحدث أبو القاسم حاج حمد زلزالاً معرفياً في مفهوم "الحاكمية"، مخرجاً إيّاه من ضيق التوظيف السياسي والشرعية السلطوية إلى رحابة السنن الكونية والقوانين الوجودية. فبينما استغلت حركات الإسلام السياسي هذا المفهوم كأداة "ثيوقراطية" لإضفاء قداسة زائفة على برامجها الحزبية أو لتبرير الانفراد بالسلطة تحت شعار "لا حكم إلا لله"، يرى حاج حمد أنّ الحاكمية الإلهية ليست "تفويضاً سياسياً" لأشخاص أو جماعات، بل هي "خضوع مطلق للوجود بأسره لنواميس الخلق".
إنّ توسيع هذه الفكرة يكشف عن رؤية ثورية؛ فالحاكمية لله تتجلى في "قوانين الله في خلقه"، وهي قوانين محايدة، علمية، وصارمة لا تحابي أحداً. وبناءً عليه، فإنّ "المسلم الحق" في منظور حاج حمد ليس هو من يكتفي بترديد الشعارات الهوياتية، بل هو "العالم المستكشف" الذي يسعى لفك شفرات القوانين التي تسيّر الكون والمجتمع؛ بدءاً من قوانين الفيزياء والجاذبية، وصولاً إلى قوانين النهضة الحضارية وعلوم النفس والاجتماع.
ويترتب على هذا الفهم الجذري نسف نظرية "المؤامرة" التي يقتات عليها فكر الإسلام السياسي. ومن ثم؛ فإنّ السيادة في الأرض تُمنح لمن يمتلك "مفاتيح العلم" بهذه القوانين ويطبقها بذكاء، سواء كان مؤمناً أو غير مؤمن، لأنّ عالمية القرآن تقتضي أن يكون "الاستخلاف" مبنياً على الكفاءة المعرفية في تسخير السنن، لا على مجرد الادعاء بتمثيل الإرادة الإلهية في الأرض.
ويذهب حاج حمد إلى أنّ الله لا يحكم العالم بـ "الأمنيات" أو بـ "الرغبات الذاتية" للمؤمنين، بل يحكمه بسنن كونية محايدة وصارمة، فمن جهل قانون الجاذبية سقط حتى لو كان مؤمناً، ومن جهل قوانين النهضة الاقتصادية انهار حتى لو كان تقياً. ومن هنا، فإنّ "الأدلجة السياسية" التي مارسها الإسلام السياسي لم تكن سوى محاولة لتعويض العجز عن تقديم بديل حضاري علمي؛ حيث انشغل بالسيطرة على الدولة والمجتمع قبل أن يدرك قوانين حركتهما؛ ممّا أدى في النهاية إلى إنتاج خطاب "تبريري" يلبس المفاهيم الغربية ثوباً دينياً زائفاً، بدلاً من استنباط حلول من صلب منهجية القرآن المعرفية التي تربط الغيب بالشهادة، والوحي بالواقع الموضوعي المعاصر.
أهم مؤلفات أبو القاسم حاج حمد:
- العالمية الإسلامية الثانية
- منهجية القرآن المعرفية
- المأزق الأصولي
- السودان: المأزق التاريخي وآفاق المستقبل
- القرآن والمتغيرات الاجتماعية والتاريخية
- أبستمولوجيا العلوم الكونية

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_200_0_0_6.jpg.webp?itok=sfXiAAhI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%862_1.jpg.webp?itok=NbYf02g7)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86_17.jpg.webp?itok=GjcpY4Fo)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D9%88%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4_3.jpg.webp?itok=xYnwoZOt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86-%D8%AC1_1_9.jpg.webp?itok=Hcb3diFf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%84%D8%AC%D9%8A%D9%83%D8%A7.png.webp?itok=6YN5feSB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D8%A7_13_0_1_1_7.jpg.webp?itok=C3_-cDzL)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B0%D9%83%D8%A7%D8%A1_9.jpg.webp?itok=UTPKT8DU)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%85%D9%88%D8%A7%D9%84_6.jpg.webp?itok=Dxmr0F8p)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D8%B2%D8%A97.png.webp?itok=zXaGxkqX)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86_18.jpg.webp?itok=vI_zXC6Y)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%D9%8A_5.jpg.webp?itok=gkINRwYB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%88%D9%83%D8%B3%D9%84.jpeg.webp?itok=GEMUsrl5)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132.jpg.webp?itok=XtB3llMF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B41_0.png.webp?itok=l1o-Vngl)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D8%B2%D8%A96.jpg.webp?itok=CMePW5Ll)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%A7%D9%83%D9%85%D9%8A%D8%A9_1.jpg.webp?itok=8TNniebr)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%88%D9%86-1_0_4_2_0_0.png.webp?itok=w3xvpROk)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86-%D8%AC1_1_7.jpg.webp?itok=I6xdJcur)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86_14.jpg.webp?itok=aSKivHsG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%85%D9%88%D9%8A%D9%84%200.jpg.webp?itok=wkrtYvi9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B5%D9%84%D8%A7%D8%A8%D9%8A_0.jpg.webp?itok=tBMyYKB8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_57_3_0_0_0_4_9.jpg.webp?itok=iP0-4sjy)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_51.jpg.webp?itok=ismhmetI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)
