"السلفية العلمية" في الأردن.. سلمية تيار متشدد

صورة خالد بشير
كاتب أردني

128
عدد القراءات

2017-12-18

لا تعتبر السلفية العلمية في الأردن جماعة إسلامية بالمعنى التنظيمي المعروف، فهي أقرب إلى اتجاه ديني، يضم شيوخاً وأتباعاً، ينتظمون من خلال دروس وحلقات دينية، ويتوافقون على آراء وتوجهات دينية معينة، بحكم أن أتباع هذا الاتجاه يرفضون الالتزام بإطار حزبي أو تنظيمي محدد.

صعود التيار في الأردن
ويعد هذا التوجه غريباً عن الأردن، وثقافة سكانه، حيث كان السائد التدين التقليدي ذا الطابع الشعبي الأقرب إلى الصوفية، قبل دخول الأشكال الحركية مع بروز جماعة الإخوان وحزب التحرير في الأربعينيات والخمسينيات. وكانت جماعة الإخوان أحد المنابع الأساسية التي بدأت بها نسبة كبيرة من أتباع التيار السلفي، ويعتبر الشيخ محمد إبراهيم شقرة من أوائل السلفيين في الأردن، وقد كان منتظماً في صفوف الإخوان، قبل أن يأخذ مساراً مستقلاً عقب سفره إلى السعودية للدراسة في الجامعة الإسلامية في بداية الستينيات.

الشيخ محمد ابراهيم شقرة

أما صعود التيار وبداية انتشاره وانفصاله عن جماعة الإخوان في الأردن، فيعود إلى مطلع ثمانينيات القرن الماضي، عندما استقر الشيخ محمد ناصر الدين الألباني في عمّان قادماً من سورية، حيث التف حوله عدد من الشباب، يعرّفون أنفسهم بـ "طلبة العلم الشرعي"، وبدأت أفكار دعوته وفتاواه الدينية بالانتشار، من خلال كتبه وأتباعه.

وبرز من هؤلاء الطلبة، محمد إبراهيم شقرة، وعلي الحلبي، وسليم الهلالي، ومحمد موسى نصر، ومشهور سلمان، ومراد شكري، وحسين العوايشة، وقد قام عدد منهم العام 1993 بإصدار مجلة حملت اسم "الأصالة"، التي أرادوها منبراً لنشر السنة، وتأييد "الطائفة المنصورة"، وسبيلاً للحفاظ على "نهج السلف"، بحسب افتتاحية محمد موسى نصر للعدد الأول.

الشيخ محمد الألباني

أمضى الألباني في عمان قرابة عقدين، اشتغل فيهما بتأليف الكتب وتحقيق كتب الحديث، وعقب وفاته العام 1999، شهدت السلفية خلافات وانقسامات،؛ ففي العام 2001، أنشأ عدد منهم "مركز الإمام الألباني"، وهو مركز متخصص بتدريس العلوم الشرعية، وبحسب الموقع الرسمي للمركز فإن رسالته تقوم على: "تربية المجتمع التربية الإسلامية الصحيحة، والعمل على نجاته من فتن الشهوات والشبهات، وتأمين المجتمع من خطر الجهل".

وقد تطور حضور هذا التيار لينتقل إلى فضاء شبكة الإنترنت، حيث يشرف أتباعه على عدد من المواقع والمنتديات والصفحات، التي يتواصلون من خلالها ويتداولون الفتاوى والنصائح، حيث أسس كل شيخ من مشايخ التيار موقعاً له، مخصصاً لجمع دروسه ومنشوراته، ومن أشهرها: منتدى "كل السلفيين"، الذي يشرف عليه الشيخ علي الحلبي شخصياً.

غلاف العدد الأول من مجلة الأصالة

أما عن طبيعة أتباع هذا التيار، فهم ينتمون لمختلف الخلفيات الاجتماعية والطبقات، والأصول والمنابت، ولكن يبقى تواجد النسبة الأكبر منهم في المناطق الأكثر فقراً، ويتخذ أغلب أتباع السلفية العلمية –كما في البلدان الأخرى– ملامح خاصة في المظهر، تميزهم عن غيرهم، وعن أتباع التيارات الإسلامية الأخرى؛ فالسمة الغالبة عليهم إطلاق اللحى، وتقصير الثوب، وملازمة السواك، والتطيُّب بالعطور العربية.
الإطار الفكري
أما عن الإطار الفكري لهذا التيار فهو ينتسب إلى دعوة محمد بن عبدالوهاب، التي تنتسب بدورها إلى التيار الحنبلي، وتحديداً مدرسة ابن تيمية، وهو التيار الفكري الإسلامي الذي تميز بكونه الأكثر تشدداً وتمسكاً بـ"النقل"، والأكثر بعداً عن النزعات العقلية والمناهج الجدلية والكلامية.

ويرتكز الخطاب السلفي العلمي على الاعتقاد بفكرة "العصر الذهبي"، والمتمثل في "السلف الصالح" أو "خير القرون"؛ إذ يقوم جانب كبير من خطابهم على الدعوة إلى الاقتداء بالسلف واتخاذهم قدوة ونموذجاً في الحاضر، ومن ذلك يتركز جهدهم في محاولة استعادة "صورة الاسلام النقية"، وتطهيره من الممارسات التي علقت به عبر التاريخ، حيث تعتبر أدبيات التيار أن البدع والتشوهات هي سبب التخلف والانحطاط.
طلبة يستمعون للشيخ مشهور حسن أثناء درس له في مركز الألباني

الخطاب السياسي والاجتماعي
يقوم الخطاب السياسي للتيار السلفي العلمي على طاعة الحكام والحكومات باعتبارهم "أولياء الأمر"، ويرفض مشايخه وأتباعه الانخراط في العمل السياسي، مع تبنيهم مواقف سلبية من الديمقراطية والتعددية السياسية وتداول السلطة، وهم دائمو التشكيك في أي حركة معارضة؛ حيث يحرمون المشاركة في الاعتصامات، والإضرابات، والمظاهرات، التي تدعو إلى التغيير السياسي والمدني، كما يتبين من الفتاوى التي أصدرها الشيخ علي الحلبي في السنوات الأخيرة ضد المظاهرات والحركات الاحتجاجية السلمية.
أما عن سبيل التغيير المعتمد لديهم، فهو "التصفية والتربية"، حيث ينبغي العمل على إعداد المجتمع على المدى البعيد، حتى تقوم "الدولة الإسلامية"، وهذا الإعداد يقوم بشكل أساسي على تطهير المجتمع من العادات والمظاهر التي يصنفونها ضمن المُحدثات، والانحرافات.
وتميز التيار بمواقفه وفتاواه المتوافقة دائماً مع السياسات الرسمية، وهو ما حظي مقابله بإتاحة المجال لهم بالعمل في المساجد والمحاضرات والتعليم دون معيقات.

تعتبر جماعة الإخوان أحد المنابع الأساسية التي بدأ بها نسبة كبيرة من أتباع التيار السلفي قبل تحولهم إلى هذا التيار

أما الخطاب الاجتماعي للتيار، فهو قائم على المحافظة والتشدد؛ إذ يعادي أتباع هذا التيار كل مظاهر الحداثة الاجتماعية، فهم ضد الفنون، والأدب، والموسيقى، والأغاني، والاختلاط، وتحتل الفتاوى المحرِّمة لهذه المظاهر مساحة كبيرة من خطابهم ومنشوراتهم، أما الموقف من المرأة فهو قائم على استبعادها من الحياة العامة وضرورة لزومها البيت، ويرون أن العلاج الوحيد عنهم لكل المشاكل الاجتماعية هو "الرجوع إلى الدين".
الشيخ علي الحلبي أحد أبرز شخصيات التيار

الصراع مع الاتجاهات الإسلامية الأخرى

يقوم المنهج السلفي على الاعتقاد بمقولة "الفرقة الناجية"، التي تنبني على الاعتقاد بوجود شكل واحد من التدين المقبول، وهو ما يفضي بالضرورة إلى معاداة التيارات الأخرى والصدام معها، ومنذ بدء حضورها في الأردن أعلنت الدعوة السلفية عن خصومتها الصريحة مع جماعة الإخوان وحزب التحرير وأفكارهم، وذلك بما كان يقدمه الألباني من خطاب فكري معارض للعمل السياسي حتى بصيغته الإسلامية. ومنذ الثمانينيات، خاض السلفيون في الأردن مع الإخوان حرب نفوذ في الجامعات والمساجد والمنابر الاجتماعية والثقافية. أما التيارات الإسلامية غير السياسية، وتحديداً الصوفية، فكان نصيبهم من السلفيين الاتهام بالتبديع والوصف بالشرك، وخصوصاً فيما يتعلق بببعض المعتقدات والممارسات كالاستعانة بالأولياء وتعظيمهم، وأحياناً يأخذ هذ الصراع أشكالاً أخرى، كخلاف وعدم رضا عدد من السلفيين أحياناً عن وزارة الأوقاف وبعض توجهاتها، كرعاية الأضرحة في الأغوار على سبيل المثال، ويعود ذلك بالأساس إلى تنفذ التيار الصوفي والأشعري في المؤسسات الدينية الرسمية.
ويبقى الخلاف مع أتباع التيار السلفي الجهادي -مع أنه الأقرب لهم في المرجعيات- هو الأشدّ، فبالرغم من الاتفاق في معظم المبادئ، والمواقف، والعقائد، إلا أنهم يختلفون مع الجهاديين في كثير من الأفكار التي يتبنونها تجاه المجتمعات والأنظمة السياسية؛ مثل رفض تكفير الحكام، ووجوب طاعتهم، وعدم الخروج عليهم، وعدم تجاوز ولي الأمر في إقامة الحدود وتحكيم الشريعة.

اقرأ المزيد...

الوسوم: