القاهرة الفاطمية.. عبقرية عابرة للأزمان

صورة عبدالجليل سليمان
كاتب وصحافي سوداني

120
عدد القراءات

2018-03-25

هنا القاهرة الفاطمية.. وهذا شارع المعز لدين الله، الإمام الرابع للإسماعيلية، وكان أمر قائده العسكري (جوهر الصقلي) ببنائها، على أنقاض الدولة الإخشيدية، ومدينتها الفسطاط نحو العام 970م، وأُطلق عليها اسم (المنصورية)، بداية الأمر، ثم لاحقاً، اكتسبت اسم القاهرة.

لم يكن مؤسّس القاهرة المنسوب إلى جزيرة صقلية، قائداً عسكرياً فذّاً فحسب؛ بل كان سياسياً ضليعاً وماهراً، فحالما وطأت قدماه أرض الفسطاط، شرع في بناء مسجد كبير، ليكون رمزاً لمدينته الجديدة، عاصمة الدولة الفاطمية ومركز الطائفة الإسماعيلية الشيعية، لكنّه أبقى على كلّ المظاهر السنيِّة، لم يمسسها بتغيير جذري، غير إضافته للأذان المعروف والشائع عبارة "حيّ إلى خير العمل"، بحسب بعض المؤرخين.

باكتمال بناء جامعها الكبير ونصب أبوابها الثماني دانت مصر كلّها لسلطة الفاطميين وانتعش فسطاطها ونهضت قاهرتها

باكتمال بناء الجامع الكبير، الموسوم بالجامع (الأزهر)، مُذكّر (الزهراء) فاطمة بنت رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، وبنصب الأبواب الثمانية: "الفتوح، الفرج، زويلة، القنطرة، البرقية، النصر، القراطين، والمحروق"، على سور المدينة الكبير، دانت مصر كلّها لسلطة الفاطميين، وانتعش فسطاطها، ونهضت قاهرتها.

عبق الأزقة وضجيج المكان

الآن وهنا، وبعد مرور أكثر من عشرة قرون من تأسيس القاهرة الفاطمية، يمكن للزائر أن يستشعر روحَي المعز وقائده مؤسس المدينة العريقة وجامعها الأزهر، اليوناني جوهر الصقلي، تترقرقان في شارع المعز، وباحات الأزهر وإيواناته ومآذنه، وفي مسجد الإمام الحسين، والأزقة النحيلة التي تتشابك وتفترق وتلتئم لتنفض، وتضيق لتنفرج مجدداً، وفي المقاهي الشعبية العتيقة، والمحال التجارية العتيدة، وعلى أوشام الحناء في أيدي الصبايا اليانعات، وعلى أجيج النار وزمزمة اللهب في سوق النحاسين، يصيغون من المعدن أباريق وقصعات وصحائف، وبين حواجب عيون السياح الأجانب تنفرج وتضيق دهشة ممّا وقعوا عليه من بانوراما "أم الدنيا" التي لا مثيل لها ولا نظير.

هنا تلتحم الأجساد والأنفاس من ضيق المكان لكنّها تتنفس بهدوء وعمق من سعة روحه العبقة

هنا، في الشارع المكتظ بالبشر من كلّ حدب وصوب، ومن كلّ سحنة ولمحة، والمحتشد بالدكاكين التي تبيع كلّ شيء، من الأنتيكات والتحف والسجاد، إلى الفول السوداني والبوشار، والكشري وفطائر العسل بالزبدة البلدية.. هنا تلتحم الأجساد والأنفاس من ضيق المكان، لكنّها تتنفس بهدوء وعمق من سعة روحه العبقة، وكأنما سحر ما يفضّ كلّ تلك التشابكات فتنداح دائرتها، تماماً كـ"صفحة الماء يُرمى فيه بالحجر" كما قال ابن الرومي في قصيدته الشهيرة.

الجامع الأزهر هو مركز القاهرة الفاطمية وقلبها النابض

في رحاب الأزهر الشريف  

ليس ثمة أثر أبرز  في هذه المدينة الساحرة، أكثر من الجامع الأزهر؛ بل هو مركز القاهرة الفاطمية وقلبها النابض، فمنذ افتتاحه العام 972م، وإلى يومنا هذا، ما يزال يُعدّ  أحد أقدم الجوامع والجامعات في المنطقة العربية والإسلامية، وأكثرها تأثيراً في الحياة الدينية والسياسية، وكأنّه شاهد (ملك) على كلّ الحقب السياسية، الاستعمارية والوطنية، التي تقلبت مصر (المحروسة) بين يديها لحقب ودهور، حيث عاصر  الدولة  الأيوبية، والمملوكية، والعثمانية، والخديوية، ولم يتأثر بالمدّ الثقافي الفرنسي أو الإنجليزي، ومارس وجوده وتأثيره بذكاء وسط كافة التقلبات التي اجتاحت أرض الكنانة إبان حكوماتها الوطنية، فإلى اليوم، ما يزال تلك المؤسسة صاحبة التأثير العميق في المجتمع المصري.

مئذنتان، قبو أسطواني، نقوش مذهلة ورقيقة، كأنّها منمنمات رُسمت على المدخل المُفضي إلى الإيوان المتموضع في الناحية الجنوبية الشرقية، الموسوم بـ"إيوان القبلة"؛ حيث يضمّ 5 أروقة، يقابلها في الاتجاه الآخر رواقان، هذا غير القباب الرائعة، خاصة قبة المحراب، إلى جانب الأبواب التسعة، بما فيها باب الخطيب، والنوافذ ذات الزخارف الهندسية والنباتية المحفورة والمتسلقة على الخشب.  

مدرسة وقبة السلطان الناصر محمد بن قلاوون

مسجد  الحسين وخان الخليلي

يُحكى أنّه، وإبان ما عرف بالحروب الصليبية، خشي الخليفة الفاطمي على مصر حينها، من أن يلحق الغزاة الأذى بمدفن رأس الحسين، رضي الله عنه، الموجود في عسقلان بفلسطين، فطلب حمله إلى مصر، ودفنه في مكان آمن؛ حيث ما يعرف بمسجد سيدنا الحسين، الكائن بالقاهرة الفاطمية الآن، ورغم الاختلاف بشأن هذه الرواية، إلّا أنّ هذا ما أشار إليه المقريزي، وابن خلكان، في روايتيهما الشائعتين.  

على كلٍّ، يقوم مسجد الإمام الحسين بن علي، المبني بالحجر الأحمر على الطراز الغوطي، العام 1154م، وفق مصادر تاريخية متطابقة، في القاهرة الفاطمية بأربعة أبواب تطلّ ثلاثة منها مبنية بالرخام الأبيض على خان الخليلي، فيما يوجد الرابع المعروف بالباب الأخضر جوار قبة المسجد.

على تخوم مسجد الحسين وقبل نحو أكثر من 600 عام أسّس الأمير المملوكي جركس الخليلي الخان الذي حمل اسمه

ما يجعلك تحمل دهشة لا تزول، في أنّ المسجد، رغم مرور قرون طويلة شهدت مصر خلالها، تقلبات سياسية كثيرة، وتحولات اجتماعية عميقة، ما يزال محتفظاً بمكانته في قلوب الناس، يقصدونه للصلاة ونيل البركات والدعاء، وهنا لا أحد يلزم آخر بأسلوب محدد لنيل ما يريد، فحول محيط المسجد يمكنك أن تستمع لمنشدٍ أو مغنٍ، في الوقت ذاته الذي تدقّ أصوات الابتهالات والتضرعات طبلتَي أذنيك.

وهنا أيضاً، وعلى تخوم مسجد الحسين، وقبل نحو أكثر من 600 عام، أسّس الأمير المملوكي (جركس الخليلي) هذا الخان؛ أي الحي، وأطلق عليه اسمه، فصار (خان الخليلي)؛ حيث المطاعم والمقاهي الشعبية، والبازارات وسوق الحليّ، فالحي الذي يُروى أنّه بُني فوق مقابر (الموتى الفاطميين)؛ هو الآن أكثر أحياء مدينة حاكمهم "المعز لدين الله الفاطمي" نبضاً بالحياة.

 جامع الناصر بن قلاوون

قلعة الناصر قلاوون وقصر الأمير بشتاك

وكأنّ أحشاء شارع المعز تستبطن كلّ القاهرة الفاطمية داخلها، فبين تضاعيفه تستلقي قلعة الحاكم المملوكي الناصر بن قلاوون؛ حيث تضمّ مسجداً ومدرسة تعرف بالمدرسة الناصرية، ولعلّ ما يميز جامع الناصر بن قلاوون، أنّه، وعلى عكس بقية مساجد القاهرة القديمة، يبدو شبه خال من الزخارف، ويتخذ في معماريته أنماطاً شتى، ذات طابع فرعوني، وبطلمي، وروماني.  

لكن، يظلّ قصر الأمير سيف الدين بشتاك، أحد أمراء الملك الناصر قلاوون، الذي تم بناؤه 1339م، تحفة معمارية لا مثيل لها في منطقة (النحاسين) بشارع المعز في القاهرة الفاطمية؛ إذ يتكون من ثلاثة جوانب، أبرزها المطل على شارع المعز بثلاث طبقات مطعّمة بالمشربيات المحفورة والبارزة، بجانب إسطبلات الخيول، ومستودعات الغلال، وقاعة الاحتفالات، ونسق الإضاءة الفريد.

لم يزر القاهرة القديمة من لم يقف بخشوع أمام الجامع الأقمر حيث الواجهة البديعة المبنيِّة بحجارة بيضاء كضوء القمر

وقفة خشوع أخيرة

لم يزر القاهرة القديمة، من لم يقف بخشوع أمام الجامع الأقمر؛ حيث الواجهة البديعة المبنيِّة بحجارة بيضاء كضوء القمر، ومن لم يلقِ ببصره، ولو خطفاً، على زخارف واجهته المدهشة، وسقفه المعشق بالأسلوب المملوكي في العمارة.

لم يزر القاهرة الفاطمية من لم يمر بجامع الجيوشي ليجلي ناظريه بتلك الزخارف الإسلامية الموحية والرائعة.

ولكن، من يزور تلك البقعة التي تضجّ بالحياة، عليه أيضاً، أن يخطف اللحظات ويقتنصها، ليتأمّل روعة مدرسة "الصالح نجم الدين أيوب"، ومسجد السلطان "برقوق"، وبيت السحيمي، وأزقة حي الجمالية، وأن يتناول الفطائر البلدية المحلاة بالقشطة والعسل، ويختم جولته بكوب شاي (منعنع) في مقهى شعبي، ويردّد بهمس مع الشاعر السوداني الراحل محجوب شريف: "كم في الذهن عالق ثرثرة الملاعق والشاي اللطيفة".

اقرأ المزيد...

الوسوم: