عودة "المقاتلين الأجانب" والانسحاب الأمريكي من سوريا.. هذه هي التحديات

الإرهاب

عودة "المقاتلين الأجانب" والانسحاب الأمريكي من سوريا.. هذه هي التحديات


27/01/2019

احتلّ الخوف من هجوم إرهابي من قبل تنظيم "داعش" المركز الأول في الاهتمام العالمي، متفوقاً على الخوف من التغير المناخي، بحسب استطلاع رأي أجراه مركز بيو (Pew) الأمريكي ونشر في بداية آب (أغسطس) 2017.
اليوم ونحن في بداية العام 2019، ربما يمكن القول؛ إنّ خطر إرهاب تنظيم داعش قد انتهى بعد سلسلة الهزائم العسكرية التي حظي بها في معاقله الرئيسية في العراق وسوريا؛ رغم أنّ خطر الإرهاب العالمي لم ينتهِ بعد، وربما ليس في القريب العاجل.

اقرأ أيضاً: هل يعود الأطفال الجهاديون الأجانب إلى أوطانهم؟
إنّ خطر الإرهاب المعولم اليوم بات يأخذ أشكالاً وتجليات مختلفة ومتنوعة، من أبرزها ما يعرف في أدبيات الإرهاب اليوم بـ "المقاتلين الإرهابيين الأجانب" (FTF) في العراق وسوريا، والذين يقدّر عددهم حسب آخر إحصائية أجريت في 31 تشرين الأول (أكتوبر) العام 2017 بـ40 ألف مقاتل من 120 دولة في العالم.

خطر الإرهاب العالمي لم ينتهِ بعد
فبعد إعلان الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، رسمياً في 20 كانون الأول (ديسمبر) العام 2018، انسحاب قوات بلاده من سوريا، ونشره لتغريدة عبر حسابه على تويتر قال فيها: "بعد الانتصارات التاريخية ضد داعش، حان الوقت أن يعود شبابنا العظيم إلى الوطن". أثار هذا الإعلان جدلاً عميقاً في الأوساط السياسية الأمريكية والشرق الأوسط تحديداً.

اقرأ أيضاً: المقاتلون الأجانب، بين قبضة الأمن وإعادة الإدماج
وبعد ذلك برزت معضلة معقدة في وجه الإدارة الأمريكية تتعلق بملف خطر الإرهاب، والمقاتلين الإرهابيين الأجانب، تتمثل هذه المعضلة بوجود 790 معتقلاً من الإرهابيين-لم تحدد انتماءاتهم وعائلاتهم بعد- لدى "وحدات حماية الشعب الكردية" الموالية للأمريكان، والتي تُصنف في تركيا كمنظمة إرهابية مثل؛ داعش، علماً بأنّ هناك معلومات أخرى نشرتها مجموعة صوفان للدراسات بتاريخ 13 آب (أغسطس) العام 2018، أشارت إلى وجود 600 إرهابي معتقلين لدى "قوات سوريا الديمقراطية "(SDF).

يأخذ خطر الإرهاب المعولم اليوم أشكالاً وتجليات مختلفة من أبرزها ما يعرف في أدبيات الإرهاب بالمقاتلين الإرهابيين الأجانب

هذا وقد نشرت صحيفة نيويورك تايمز تقريراً في 5 نيسان (أبريل) العام 2018، أكدت فيه أن إدارة ترامب أنفقت مليون دولار (لم يحدد شهرياً أم سنوياً) لبناء مخيمات اعتقال مؤقتة، تحتجز من 50 إلى 60 معتقلاً في الغرفة الواحدة.
هذا وتتجلى المعضلة الأمريكية في عددٍ من المحاور المترابطة، والتي تتأثر وتؤثر في علاقاتها الدولية خاصة في الدول العربية والشرق الأوسط وعلاقتها مع روسيا وتركيا.
المحور الأول، أنّ وحدات حماية الشعب الكردية المرعوبة الآن من الاجتياح التركي، قد أخذت تهدد بإطلاق سراح المعتقلين إذا هاجمهم الأتراك وتركهم الأمريكان لمصيرهم.
لكن الرئيس الأمريكي استدرك خطورة هذا المحور في تصريحاته الأخيرة، وذلك بالتأكيد على أن الانسحاب الأمريكي سيكون تدريجياً، وأنه لن يتخلى عن وحدات حماية الشعب الكردية، كما هدد بتاريخ 14 كانون الثاني (يناير) العام 2019 بأنه "سيدمر الاقتصاد التركي إذا هاجمت تركيا قوات حماية الشعب بعد الانسحاب الأمريكي، مطالباً بإقامة منطقة آمنة لهم.

اقرأ أيضاً: انسحاب أمريكا من سوريا تعزيز لإرهاب إيران
الأمر الذي عقّد من المشهد السياسي والعلاقات بين أمريكا وتركيا عشية الجولة الشرق أوسطية التي قام بها وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، لبناء تحالف دولي؛ أو ما يسمى "الناتو العربي" لمواجهة إيران.

وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو
بالنسبة للمحور الثاني، فإنّ الدول المصدّرة للمقاتلين الأجانب، رفضت حتى الآن الطلبات المتكررة من الإدارة الأمريكية باستعادة مقاتليها ومحاكمتهم وسجنهم في بلادهم الأصلية. لكن مسؤولين في الإدارة الأمريكية يدعون أن الإدارة لا تزال تضغط بهذا الاتجاه من خلال الدبلوماسية والقادة العسكريين.

اقرأ أيضاً: الانسحاب من سوريا.. أردوغان بين الفيل الأمريكي والدبّ الروسي
ويُعتقد أنّ بومبيو طرح هذه المسألة على قادة الدول العربية التي زارها في جولته الخاصة التي زار فيها السعودية ومصر والأردن، خاصة وأن وزير الخارجية الأردني، أيمن الصفدي، صرح في 8 كانون الثاني (يناير) العام 2019، في المؤتمر الصحفي المشترك مع بومبيو،  أنه "بحث مع وزير الخارجية الأمريكي مستقبل منطقة التنف الحدودية مع سوريا"، مضيفاً "أن هزيمة داعش الكاملة هدفاً مشتركاً للأردن والولايات المتحدة".

برزت معضلة معقدة في وجه الإدارة الأمريكية تتعلق بملف خطر الإرهاب، والمقاتلين الأجانب، وذلك بوجود 790 معتقلاً من الإرهابيين

هذا ولا تزال منطقة التنف الواقعة على مثلث الحدود الأردنية السورية العراقية، ومخيم الركبان داخل الحدود السورية، تشكل خاصرة ضعيفة في إستراتيجية الأردن في مكافحة إرهاب داعش.
كما وتعتبر عودة "المقاتلين الإرهابيين الأجانب" مشكلة لبعض الدول، خاصة الأردن، والتي يقدّر عدد المقاتلين الذين خرجوا منها بنحو 3000 مقاتل، عاد منهم حتى نهاية 2017 قرابة 250 مقاتلاً فقط، بالإضافة للسعودية والتي عاد إليها 760 مقاتلاً من أصل 3244 مقاتلاً.
وبشكلٍ عام فإنّ هناك ما مجموعه 5600 مقاتل، عادوا إلى 33 بلداً في العالم، كما عاد 30% من أصل 5000 أوروبي إلى بلادهم، بالإضافة إلى أعداد أخرى غير معروفة لدى الأجهزة الحكومية المعنية.

اقرأ أيضاً: هل تواطأت تركيا مع داعش؟ شهادة جديدة
يشكل هذا تحدياً وقلقاً للأجهزة الأمنية المعنية بمكافحة الإرهاب في العالم. ولعل ما يزيد من قلق المجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان اليوم، هو مشكلة عودة النساء والأطفال والأيتام والأرامل من ساحات القتال، وكيفية توفير العناية القانونية والمساعدة الاجتماعية والاقتصادية والنفسية لهذه المكونات.

عودة "المقاتلين الإرهابيين الأجانب" مشكلة لبعض الدول، خاصة الأردن

أما المحور الثالث فيتعلق بكون الرئيس ترامب وبعض المخططين في الإدارة الأمريكية، يفكرون بإرسال المعتقلين الخطرين إلى معتقل غوانتانامو، حسب ما سبق لترامب أنّ هدد أكثر من مرة بأنه "سيملأ غوانتانامو بالأشرار"، وذلك بعد عملية تقسيمهم إلى ثلاث فئات: الأولى الخطرين جداً، والثانية متوسطي الخطورة، والثالثة المقاتلين العاديين.

اقرأ أيضاً: انسحاب أمريكا من سوريا: لمن تترك الساحة يا ترامب؟

في حين إن المحور الرابع مرتبط بالجدل الواسع خاصة على المستوى القضائي والقانوني حول أنّ أمريكا ليست صاحبة الاختصاص في محاكمة هؤلاء المعتقلين واعتقالهم في غوانتانامو، وذلك لأنها ليست هي من اعتقلتهم، وليس لديها قضايا خاصة بحقهم، مقارنة مع مقاتلي القاعدة بعد غزو أفغانستان.

اقرأ أيضاً: الأردن وعودة المقاتلين الأجانب.. اتجاهات وسيناريوهات خطيرة

المحور الخامس مرهون بالضغوط الهائلة التي تشهدها الأوساط السياسية الأمريكية، بضرورة إعادة المقاتلين الأجانب إلى بلادهم الأصلية، ومحاكمتهم وسجنهم في بلادهم؛ لأنها لا تريد أن تتورط أكثر في المستنقع السوري، مثلما غرقت في تداعيات وتبعات المستنقع الأفغاني الذي يقف شاهداً عليه معتقل غوانتانامو.

المحور السادس، ولعله الأهم أنّ الدول العربية المصدّرة للمقاتلين الأجانب، ستواجه معضلة عودة مقاتليها رغماً عنها، إذا استمر الضغط الأمريكي والأمم المتحدة التي تعمل بهذا الاتجاه منذ فترة، وقد يتحول الملف إلى وسيلة ضغط من قبل الإدارة الأمريكية على هذه الدول. الأمر الذي سيزيد من مصاعب هذه الدول في مكافحة الإرهاب والتطرف العنيف مستقبلاً، ويدفعها للتفكير جدياً وبسرعة لتطوير قوانينها وإجراءاتها القضائية والقانونية لكيفية محاكمة العائدين وتطوير برامج إعادة التأهيل والاندماج والصحة النفسية والرعاية اللاحقة لهم ولعائلاتهم وأطفالهم، والبحث منذ الآن عن مصادر للتمويل والتدريب في هذا المجال.

الصفحة الرئيسية