
لم تعد سماء غزة مصدراً للخوف من القصف وحده، فطائرات "كواد كابتر" باتت تحلق على ارتفاعات منخفضة فوق الأحياء السكنية ومناطق النزوح، وسط شهادات عن استخدامها في ملاحقة الفلسطينيين وإطلاق النار عليهم، لتتحول الشوارع والأزقة إلى مساحات مفتوحة على الموت.
وبين أزيز محركاتها وقدرتها على المراقبة والاستهداف، تتصاعد مخاوف المدنيين من هذه الطائرات التي تلاحقهم حتى داخل المناطق السكنية. وفي حي الشجاعية شرق مدينة غزة، تروي صباح العكلوك مأساة فقدان ابنها أحمد، البالغ 24 عاماً، في حادثة ارتبطت بإطلاق نار من إحدى هذه الطائرات.
وسجل مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة 1143 هجوماً تورطت فيها طائرات مُسيّرة عسكرية خلال الفترة الممتدة من 1 نوفمبر 2024 حتى 31 أكتوبر 2025، أسفرت عن مقتل 2079 فلسطينياً، بينهم 347 طفلاً و185 امرأة، وتشمل هذه الأرقام مختلف أنواع الطائرات المسيّرة، ولا تقتصر على طائرات كواد كابتر.
وفي تقرير للجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة، صدر في يونيو 2026، تناولت اللجنة أدلة طبية تخص 17 طفلاً فلسطينياً تعرضوا لإطلاق النار، وأجرت تحليلاً جنائياً مستقلاً لـ15 حالة، أظهرت نتائجه أنّ 12 حالة تتوافق إصاباتها مع طلقة نارية واحدة، ويقدّم التقرير أدلة مهمة لفهم أنماط الإصابات المرتبطة باستخدام الأسلحة والطائرات المُسيّرة في غزة.
ووثقت دراسة صادرة عن مشروع "تكاليف الحرب" التابع لمعهد واتسون في جامعة براون الأمريكية، في يونيو 2026، 18 حالة وفاة وإصابة لأطفال فلسطينيين بالرصاص خلال أغسطس وسبتمبر 2024.
ووثق المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان مقتل ما لا يقلّ عن 60 مدنياً في هجمات نسبت إلى طائرات "كواد كابتر" منذ وقف إطلاق النار، وفق بيان نشره عام 2026، في مؤشر حقوقي يستدعي مزيداً من التحقيق والتوثيق المستقل.
جرح لا يندمل
وتستعيد العكلوك لحظة فقدان ابنها بوجع الأم التي انتزع منها فلذة كبدها، قائلة إنّ أحمد، البالغ 24 عاماً، لم يكن سوى شاب في مقتبل العمر، يحمل أحلاماً لم يمهله الموت لتحقيقها، وتضيف أنّ "رحيله برصاص طائرة كواد كابتر ترك في حياتها جرحاً لا يندمل، وغياباً لا تعوّضه الأيام".
وتقول العكلوك: إنّ "تحليق هذه الطائرات فوق الشجاعية زرع الرعب في نفوس السكان، وجعل الحركة في الشوارع محفوفة بالمخاطر، إذ لم يعد الأهالي يعرفون متى تتحول مراقبتهم من السماء إلى إطلاق نار يستهدف حياتهم".
وتتساءل بحرقة عن الأسباب التي جعلت ابنها هدفاً لنيران طائرة مُسيّرة، مؤكدة أنّ فقدانه لم يكن خسارة فرد في عائلتها فحسب، بل كان انهياراً لحياة كاملة كانت تنتظر أن يواصل بناءها، وتقول إنّ أصعب ما تواجهه هو العجز عن استيعاب أنّ ابنها لن يعود إلى المنزل.
وتشير العكلوك إلى أنّ الخوف لم يعد يقتصر على لحظات القصف، بل أصبح رفيقاً دائماً للعائلات التي تخشى على أبنائها في الشوارع وبين المنازل، فهذه الطائرات، كما تصفها، جعلت السماء مصدراً إضافياً للتهديد، وحرمت السكان الشعور بالأمان حتى في أحيائهم.
وتطالب العكلوك المؤسسات الحقوقية والدولية بتوثيق حوادث إطلاق النار بوساطة كواد كابتر، والتحقيق في مقتل المدنيين ومساءلة المسؤولين عنها، مؤكدة أنّ دماء ابنها ينبغي ألّا تطوى بالنسيان، وأنّ من حق العائلات معرفة الحقيقة وتحقيق العدالة.
إصابة تحت مراقبة السماء
ويروي أحمد رجب (38 عاماً)، من حي التفاح والدرج شرق مدينة غزة، تفاصيل إصابته بنيران طائرة كواد كابتر، مستعيداً لحظات تحول فيها المكان من مساحة للحياة إلى ساحة تهديد، ويقول: إنّ "الطائرة كانت تحلق على ارتفاع منخفض، قبل أن يتعرض لإطلاق النار، في حادثة تركت آثاراً مؤلمة في جسده وحياته".
ويضيف رجب أنّ "مشاهدة هذه الطائرات في السماء أصبحت مصدر رعب دائم للسكان، إذ لا يعرف المدنيون متى تتحول المراقبة إلى إطلاق نار، ولا أين يمكنهم الاحتماء من خطر يلاحقهم من الأعلى".
ويصف لحظة إصابته بأنّها تجربة قاسية، لم تتوقف آثارها عند الألم الجسدي، بل امتدت إلى شعوره بالأمان وقدرته على ممارسة حياته بصورة طبيعية، مؤكداً أنّ "الإصابة جعلته أكثر إدراكاً لحجم الخطر الذي يواجهه سكان الأحياء السكنية".
ويشير رجب إلى أنّ "صغر حجم الطائرة وقدرتها على التحليق المنخفض يجعلان رصدها ومواجهتها أمراً بالغ الصعوبة، وتثير قدرتها على مراقبة الأشخاص وإطلاق النار تساؤلات عن طبيعة الأهداف التي تختارها والجهة التي تتحكم بها".
ويؤكد أنّ "المدنيين يعيشون تحت تهديد مستمر، وأنّ وجود هذه الطائرات فوق المنازل والشوارع يضاعف معاناة السكان الذين لم تعد لديهم ضمانات حقيقية للشعور بالأمان حتى داخل أحيائهم".
ويطالب رجب بتوثيق الإصابات والحوادث المرتبطة بهذه الطائرات، والتحقيق في ظروف استهداف المدنيين ومحاسبة المسؤولين عنها، مشدداً على أنّ من حق المصابين والضحايا أن تسمع شهاداتهم، وألّا تتحول معاناتهم إلى مجرد أرقام في سجلات الحرب.
جريمة تستوجب المحاسبة
بدوره، يرى أستاذ القانون العام في جامعة القدس، الدكتور أحمد عليان، أنّ "استخدام طائرات كواد كابتر في إطلاق النار على المدنيين لا يخرج عن أحكام القانون الدولي الذي يحظر استهداف المدنيين ويفرض التمييز بين الأهداف العسكرية والأشخاص المحميين، وإذا استخدمت هذه الطائرات لمهاجمة مدنيين لا يشاركون في الأعمال العدائية، فقد يشكل ذلك انتهاكاً جسيماً للقانون الدولي.
ويؤكد عليان أنّ "استهداف المدنيين عمداً بهذه الطائرات قد يرقى إلى جريمة حرب متى توافرت أركانها القانونية وثبتت الوقائع والأدلة، موضحاً أنّ طبيعة السلاح المستخدم لا تعفي منفذي الهجمات من المسؤولية القانونية".
ويشير إلى أنّ "المسؤولية الجنائية لا تقتصر على مشغل الطائرة، بل قد تمتد إلى القادة العسكريين الذين أصدروا الأوامر وعلموا بالانتهاكات ولم يمنعوها أو يعاقبوا مرتكبيها، وفق شروط المسؤولية الجنائية الفردية ومسؤولية القيادة".
ويضيف أنّ "إثبات هذه الانتهاكات يتطلب جمع شهادات الناجين والشهود، والتقارير الطبية والطب الشرعي، والصور والتسجيلات المصورة، وتحليل مواقع إطلاق النار ومسارات الطائرات، مع إخضاع الأدلة للتحقق الفني والجنائي المستقل لضمان موثوقيتها".
ويلفت إلى أنّ "المحكمة الجنائية الدولية ولجان التحقيق الدولية، إلى جانب آليات القضاء الوطني في الدول التي تتيح قوانينها ذلك، تمثل مسارات قانونية محتملة لمحاسبة المسؤولين عن الجرائم الدولية".
ويختتم عليان بالتأكيد أنّ "مواجهة الإفلات من العقاب تبدأ بتوثيق دقيق للوقائع، وحماية الشهود، وحفظ الأدلة، وتحديد المسؤوليات عن كل هجوم، مشدداً على أنّ حماية المدنيين ليست خياراً عسكرياً، وإنّما هو التزام قانوني لا يجوز التنصل منه".

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_200_0_0_13.jpg.webp?itok=sMjJZXHe)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%862_5.jpg.webp?itok=QPGD_gnp)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_1_0_18.jpeg.webp?itok=9-4WtHN5)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%862_1.jpg.webp?itok=Aj8krjLQ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_54.jpg.webp?itok=RknBcusr)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B3%D9%8A%D9%86_6_4_0_6.jpg.webp?itok=cLMCOwo_)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B2%D8%A8%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D8%A9_1.jpg.webp?itok=tALyXpvo)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_141.jpg.webp?itok=KlN8YgwF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_140.jpg.webp?itok=7qk7yFJN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%88%D8%A7%D8%AF.jpg.webp?itok=XnWBh_S7)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A700_0.png.webp?itok=wydvPSgk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/0000000000.png.webp?itok=DzXDSLlL)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B41_1.png.webp?itok=cL9qRILG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%A7%D9%83%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D9%86_22_0_6.jpg.webp?itok=11pAsKF_)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%B7%D8%A8_10_1_10.jpg.webp?itok=rh6QLO-u)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4_11.jpg.webp?itok=LI7ok1Hu)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D9%88%D9%8A%D8%A9_7.jpg.webp?itok=HcrUiimq)




![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_139.jpg.webp?itok=P1Gim0tZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_57_3_0_0_0_4_17.jpg.webp?itok=xYu1_I5l)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%86%D8%B5%D9%88%D8%B1%20%D8%B9%D8%A8%D8%A7%D8%B3_1.jpg.webp?itok=c9g40geO)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A.jpeg.webp?itok=hFotDXCm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%84%D8%B9%D8%A7%D8%A8_3.jpg.webp?itok=t9lBWJnB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%861_7.jpeg.webp?itok=K8Lv-QOz)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%B1%D9%831_1.png.webp?itok=95lw6ge3)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%84%D9%81_2_4_1_1.jpg.webp?itok=V8hLmgWo)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_57_3_0_0_0_4_9.jpg.webp?itok=iP0-4sjy)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_51.jpg.webp?itok=ismhmetI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)