
أعاد الاعتداء الذي نفذه ثلاثة من الأفراد على كنيسة للمسيحيين الأرثوذكس في مدينة حمود بمحافظة الكرك الأردنية في الثالث والعشرين من شهر تشرين الأول (أكتوبر) الجاري، والذي أسفر عن وفاة ثمانية مواطنين وإصابة عدد آخر، أعاد إلى الذاكرة العديد من الحوادث المشابهة في العديد من الدول العربية وغير العربية، حيث يعاني المسيحيون من تهديدات بالاعتداء عليهم من قبل تنظيمات دينية متطرفة، منطلقة من توصيف معين للواقع، وتفسير وقراءة خاصة للنص الديني، ورؤية للآخر المختلف دينيًا؛ تسهم بدرجة كبيرة في وجود هذا التهديد المستمر، وهذه الحوادث والمواقف المشابهة.
جذور التطرف في المجتمع الأردني
عرف المجتمع الأردني، كغيره من المجتعات العربية، الفكر الديني الحركي من خلال جماعة الإخوان التي تأسس فرع لها هناك في العام 1946م، وبشكل كبير تطورت الجماعة وتطورت الحركة الإسلامية بمكوناتها المختلفة في الأردن بشكل مشابه لما حدث في مجتمعات عربية أخرى، حيث تأسست الجماعة في البداية وكانت على علاقة جيدة بالسلطة التي حاولت توظيفها في مواجهة تيارات سياسية أخرى لم تكن على وفاق معها، ثم مع هزيمة 1967م تمدد الفكر الحركي، وبدأت الجماعة خلال عقدي السبعينات والثمانينات في الانتشار والتغلغل في المجتمع من خلال العديد من المؤسسات، بعدها بدأت العلاقة بينها وبين السلطة تتأزم نوعًا ما.
وخلال تلك المرحلة بدأت تظهر تيارات سلفية أخرى في المجتمع الأردني، أبرزها السلفية العلمية التابعة لناصر الدين الألباني، والسلفية الجهادية التي ظهرت هناك وتبلورت على يد مجموعة من الحركيين والمُنظّرين أبرزهم أبو محمد المقدسي وأبو قتادة الفلسطيني وأبو مصعب الزرقاوي.
وهناك ثلاث محطات رئيسية تمدد خلالها هذا التيار وتجذر داخل المجتمع الأردني، واستمر حضوره وتأثيره حتى اليوم؛ المحطة الأولى تتمثل في الحرب السوفييتية الأفغانية خلال عقد الثمانينات، التي اشترك فيها العديد من الشباب الأردني الذين تأثروا بالفكر الجهادي العنيف، ومنهم من عاد إلى الأردن بعد انتهاء الحرب وقام بعدد من العمليات المسلحة حيث كانوا تابعين لأبي مصعب الزرقاوي الذي سافر إلى العراق وأسس جماعة التوحيد والجهاد، التي أعلنت فيما بعد تبعيتها لتنظيم القاعدة، وغيّرت اسمها إلى "جماعة الجهاد في بلاد الرافدين"، وهناك من ظل في الأردن دون أن يتبع الزرقاوي لكنّه ظل تابعًا ومتأثرًا بأبي محمد المقدسي الذي كان له دور كبير في ترسيخ هذا الفكر في المجتمع.
والمحطة الثانية تتمثل في الاحتلال الأمريكي لأفغانستان في العام 2001م، ثم للعراق في العام 2004م، حيث أسهم هذا الاحتلال في تعزيز الفكر الجهادي في المجتمع الأردني، وشارك أيضًا العديد من الأفراد في عمليات ضد الولايات المتحدة، والمحطة الأخيرة هي الثورة السورية في العام 2011م، التي انخرط فيها عدد من الأفراد كذلك، وفي كل محطة منها يترسخ الفكر الجهادي بشكل أكبر في المجتمع.
لماذا العداء للمسيحيين؟
على الرغم من اتخاذ الدولة الأردنية العديد من الإجراءات تجاه هذا التيار، حيث تم القبض على العديد من أفراده ومحاكمتهم وإيداعهم داخل مراكز التأهيل؛ إلا أنّ الفكر ذاته ما يزال موجودًا في المجتمع، بل إنّه، وفقًا للدكتور محمد أبو رمان، بات يأخذ شكلًا اجتماعيًا مختلفًا، حيث لم يعد الانتماء إلى هذا التيار وإلى التنظيمات المعبرة عنه مجرد انتماء فردي، بل أصبح هناك العديد من الروابط الأسرية والعائلية التي تربط بين أفراده، وهو ما أسهم في انتشاره بشكل أكبر وفي قوته كذلك.
ورغم أنّه تم القبض على مرتكبي حادث الاعتداء على الكنيسة بعد وقوعه بيومين، لكن لم يتم الإعلان حتى الآن عن التنظيم الذي يتبعون له، وهل هناك تنظيم بالفعل يتبعون له أم أنّهم أفراد تأثروا بهذا الفكر الذي رسخّه التيار الجهادي، ومن ثم قاموا بارتكاب الحادث انطلاقًا من تحرك ذاتي، لكن في كل الأحوال يعكس الحادث الأزمة العميقة التي يتمتع بها هذا التيار فيما يتعلق بنظرته إلى الآخر المختلف دينيًا وفكريًا، وهو ما يجعل هناك ضرورة إلى البحث فيما وراء الإرهاب والحوادث التي تتضمن اعتداءً عنيفًا تجاه الآخر، وخاصة تجاه المسيحيين.
وتنتج النظرة العدوانية تجاه المسيحيين في البداية من خلال الصورة الذهنية لدى هذا التيار عن الذات والآخر، حيث تحكم هذه الصورة ثنائية الحق المطلق/ الباطل المطلق، وأنّ هذا التيار هو الذي يمثل الإسلام، والآخر يمثل الطرف المعادي له، ويكشف العديد من أدبيات هذا التيار عن نظرته إلى الآخر المختلف دينيًا، وموقفه العدائي ضده. على سبيل المثال يقول أبو محمد المقدسي في كتابه "ملة إبراهيم": إنّه لا بدّ من البراءة من المشركين والكفر بهم وإظهار العداوة والبغضاء لهم، وإنّ أفضل القرب إلى الله مقت أعدائه المشركين وبغضهم وعداوتهم وجهادهم. وهو وإن كان يقول في موضع آخر إنّ هذا الموقف لا يشمل المؤلفة قلوبهم ومن لا يظهر العداوة للإسلام، إلا أنّه يقول في الموضع نفسه: إنّه ينبغي وجود هذا البغض وهذا العداء داخل القلب تجاههم، وهو ما يرسخ ثقافة الكراهية داخل المتأثرين بهذا الخطاب، ويسهم في إنتاج مثل تلك الحوادث والاعتداءات في الواقع العملي.
لا تكمن الأزمة في وجود هذا التيار فحسب، ولكن في قدرته على التأثير في شرائح كبيرة من المجتمع من خلال العديد من الأدوات التي يستخدمها في ذلك، وهو ما زاد في السنوات الأخيرة بعد تزايد قدرة التيار الجهادي على استغلال الفضاء الإلكتروني في نشر أفكاره وترسيخ حضوره واستقطاب المزيد من الأفراد إليه بشكل مباشر وغير مباشر؛ وهو ما يجعل الأزمة التي تعانيها المجتمعات تزداد خطورة مع الوقت.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%88%D9%86%D8%B3_262.jpg.webp?itok=3T0xpcuc)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B3%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7_3_8_0_0.jpg.webp?itok=HF3dwD-L)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B4%D8%A7%D9%84_7.jpg.webp?itok=vqXajgjN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%D9%8A_8.jpg.webp?itok=WGlNjbs7)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B0%D9%87%D8%A8_1.jpg.webp?itok=SGZjdm19)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D9%88%D8%AB%D9%8A_79.jpg.webp?itok=AraD-Z14)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B5%D8%AD%D8%A9_5.jpg.webp?itok=3DC3lOz-)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%B9%D8%A7%D9%88%D9%86.jpeg.webp?itok=Iqh4MUIG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%84%D8%B9%D8%A7%D8%A8_2.jpg.webp?itok=_g0voj1Z)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%B1%D9%831_1.png.webp?itok=95lw6ge3)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%865_4.jpg.webp?itok=kPFtr5y3)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%B1%D8%AF%D9%86.png.webp?itok=HVlsID-q)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86-%D8%AC1_1_15.jpg.webp?itok=Ga6cwSOY)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D8%A7_13_0_1_1_10.jpg.webp?itok=y-4kjvBZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%86%D9%87%D8%B6%D8%A9_42.jpg.webp?itok=Dfg0OjmI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D8%A8%D8%AF%D9%88%D9%84_0.jpg.webp?itok=RElzCq93)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%82%D9%84_4.jpg.webp?itok=492DLhgK)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%B1%D9%832_0.jpg.webp?itok=SEoDdJqQ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D8%B2%D9%84%D8%A9.png.webp?itok=kAbVokDD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AB%D9%88%D8%B1%D8%A9_10.jpg.webp?itok=BggCVF7Z)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%A72_1.png.webp?itok=YYGzHrYP)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86-%D8%AC1_1_13.jpg.webp?itok=BSEQt7fN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_136.jpg.webp?itok=CrSbMw9-)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%860_3.jpg.webp?itok=nAqwYt3Q)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86-%D8%AC1_1_11.jpg.webp?itok=XKFZ_04A)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_57_3_0_0_0_4_9.jpg.webp?itok=iP0-4sjy)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_51.jpg.webp?itok=ismhmetI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)
