
مع احتدام سباقات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي، المزمع في الثالث من تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل، تتبدل أدوات الصراع الحزبي التقليدي بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري لتتجاوز التنافس حول معدلات التضخم والضرائب وتكاليف المعيشة والرعاية الصحية، وتنزلق عميقاً نحو قضايا الهوية والأمن القومي وتصفية الحسابات الجيوسياسية. وفي هذا الفضاء المشحون بالاستقطاب لم يعد ملف الإسلام السياسي شأناً محصوراً في أروقة الدبلوماسية الخارجية، بل تحول إلى عنصر ضاغط يتداخل فيه الصراع الداخلي مع شبكات النفوذ العابرة للحدود.
وقد تجلى هذا المسار بحدة في سباق مجلس الشيوخ بولاية ميشيغن، إحدى أهم الولايات المتأرجحة والحاسمة في رسم الأغلبية التشريعية في واشنطن؛ حيث تفجر سجال انتخابي عنيف بين المرشح الديمقراطي عبد الرحمن محمد السيد ومنافسه الجمهوري مايك روجرز، إثر تصعيد غير مسبوق قادته قيادات الحزب الجمهوري وعلى رأسها الرئيس دونالد ترامب واللجنة الوطنية للحزب، استهدف ربط المرشح الديمقراطي بجماعة الإخوان المسلمين وحركة حماس، واستدعاء ذاكرة هجمات الحادي عشر من أيلول (سبتمبر).
واستندت تلك الحملة التعبوية إلى منشورات قديمة تعود إلى عام 2010 نُسبت إلى أخت المرشح غير الشقيقة حول روابط عائلية سابقة، ممّا فتح الباب أمام نقاش واسع تجاوز حدود الدائرة الانتخابية في ميشيغن إلى تفكيك ظاهرة مزدوجة: كيف توظف النخب الأمريكية الإخوان كسلاح انتخابي شعبوي لتعبئة القواعد المحافظة، وفي المقابل، كيف تسعى شبكات الإسلام الحركي في الولايات المتحدة بالفعل إلى التموضع والتأثير في مخرجات الانتخابات التشريعية لحماية مصالحها ومحاصرة خصومها.
جغرافيا ميشيغن: حين يتحول الصوت المسلم إلى ميدان استقطاب
تحظى ولاية ميشيغن بخصوصية ديموغرافية استثنائية؛ إذ تضم واحدة من أكبر وأقدم كتل المهاجرين والمواطنين من أصول عربية وإسلامية في الولايات المتحدة، لا سيّما في مقاطعة وين ومدن مثل ديربورن وديترويت، هذه الكتلة الحرجة تحولت في السنوات الأخيرة إلى بيضة القبان في الانتخابات الرئاسية والنصفيّة؛ ممّا جعلها هدفاً مركزياً لحملات التأطير والتوجيه السياسي. وفي حين حاول المرشح الديمقراطي حصر معركته في القضايا الاجتماعية والاقتصادية المباشرة، مثل خفض أسعار الدواء، ومكافحة تغول الشركات الكبرى، وإعادة تقييم الدعم العسكري غير المشروط لإسرائيل في ظل التصعيد في الشرق الأوسط، فإنّ خصومه تعمدوا نقل المعركة إلى مربع التشكيك في ولائه الوطني وانتماءاته الدينية والثقافية.
وقد ردّ المرشح بمحاولة تحصين موقفه عبر استدعاء سوابق تاريخية راسخة في الذاكرة الدستورية الأمريكية؛ مشبهاً الهجمات التي تستهدفه بما لاقاه الرئيس جون كينيدي في مطلع ستينيات القرن الماضي عندما واجه حملات تشكيك عنيفة في ولائه للدولة بدعوى انتمائه إلى المذهب الكاثوليكي وتبعيته الروحية للفاتيكان، وبما طال الرئيس باراك أوباما طوال مسيرته من نظريات مؤامرة شككت في أصوله ومسقط رأسه وديانته.
غير أنّ قراءة هذا السجال من منظور سوسيولوجيا السياسة تكشف أنّ الأمر يتجاوز مجرد مناكفات انتخابية عابرة؛ إذ يعكس أزمة بنيوية تواجهها الديمقراطية الأمريكية في التعامل مع محاولات تيارات الإسلام الحركي التسلل عبر شقوق التعددية المجتمعية.
استراتيجية التغلغل الناعم: من الوعظ الدعوي إلى هندسة التأثير المؤسسي
إنّ التدقيق في الحضور الإخواني داخل الساحة الأمريكية يُظهر أنّ التنظيم الدولي قطع شوطاً طويلاً منذ انطلاقته الطلابية الأولى في ستينيات القرن الماضي؛ إذ تخلى تدريجياً عن الأطر الدعوية التقليدية لمصلحة بناء شبكة مؤسسية وحقوقية متكاملة تتماهى مع نمط عمل مؤسسات المجتمع المدني وجماعات الضغط في واشنطن. وتتكامل أدوار منظمات رئيسية مثل مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية، والجمعية الإسلامية الأمريكية، والمجلس الأمريكي للمنظمات الإسلامية، لتشكل واجهات نفوذ ناعمة تمارس الضغط المنظم داخل أروقة الكونغرس.
وترتكز استراتيجية هذه المنظمات في انتخابات التجديد النصفي على تكتيك الحشد الانتقائي والتصويت العقابي المشروط، وخاصة في الولايات المتأرجحة مثل ميشيغن وبنسلفانيا وويسكونسن وجورجيا؛ حيث يتم استغلال الهوامش الانتخابية الضيقة لابتزاز صانع القرار في الحزب الديمقراطي. ولا يقتصر هذا الجهد على تعبئة القواعد في المساجد والمراكز الدينية، بل يمتد إلى تشكيل لجان العمل السياسي لضخ التبرعات المالية في حملات مرشحين محددين، وتأهيل كوادر شابة وتدريبها على خوض المعارك الانتخابية على المستوى المحلي والتشريعي.
والهدف الأعمق من وراء هذه التحركات لا يرتبط فقط بالدفاع عن الحقوق الدينية للأقليات، بل بتوجيه دفة السياسة الخارجية الأمريكية نحو قضايا الشرق الأوسط؛ حيث تسعى هذه المنظومة إلى عرقلة أيّ مشاريع تشريعية داخل لجان الكونغرس تسعى لتصنيف الإخوان جماعةً إرهابية، وتعمل بالتوازي على تقويض التحالفات الاستراتيجية لواشنطن مع الدول العربية الوطنية التي تقود جهود استئصال التطرف، وتصوير الإجراءات الأمنية والقضائية المتخذة ضد عناصر التنظيم في بلدانهم الأصلية على أنّها انتهاكات حقوقية تستوجب العقوبات الأمريكية.
التحالف الهجين: تكتيك "التقاطعية" وركوب موجة اليسار الراديكالي
تكمن البراغماتية الكبرى للإسلام الحركي في الولايات المتحدة في قدرته على تبييض خطابه الإيديولوجي، وإخفاء مضامينه العقدية المحافظة والشمولية وراء مصطلحات مقتبسة من معجم اليسار التقدمي. لقد تمكنت الشبكات المرتبطة بالإخوان من اختراق التيار الراديكالي في الحزب الديمقراطي من خلال تبنّي مقولات نظرية التقاطعية، والعدالة المناخية، ومناهضة التمييز المؤسسي، وتفكيك بنى الاستعمار.
هذا التحول الخطابي مكّن الكيانات الإخوانية من بناء جسور متينة مع التكتلات اليسارية الصاعدة في مجلس النواب، والظهور بمظهر الحليف الطبيعي للأقليات العرقية والاجتماعية في مواجهة ما يسمّى بالهيمنة البيضاء؛ الأمر الذي وفر للتنظيم مظلة حماية ليبرالية تحول بينه وبين المساءلة القانونية أو السياسية، وتمنحه منصة مريحة للمزايدة في ملفات الشرق الأوسط تحت لافتة مكافحة الإسلاموفوبيا والدفاع عن المظلومين.
وتنتج عن ذلك مفارقة صارخة: فالتيارات التي تؤمن في أدبياتها التأسيسية بالحاكمية وتكفير الديمقراطية وتهميش الآخر في مجتمعاتها الأصلية، هي نفسها التي تستغل أقصى درجات الانفتاح والحريات الفردية في واشنطن لترسيخ حضورها وممارسة الابتزاز السياسي.
مأزق الجالية المسلمة: بين الاندماج الوطني والاختطاف الإيديولوجي
يفرض هذا التدافع السياسي واقعاً مأزوماً على الملايين من المواطنين الأمريكيين المسلمين؛ فالغالبية الساحقة من أبناء الجالية يسعون إلى الاندماج الإيجابي كمواطنين كاملين يتمتعون بالحقوق الدستورية ويشاركون في الحياة العامة وفق معايير الكفاءة الوطنية دون أي وصاية دينية، غير أنّ محاولات النخب الحركية احتكار النطق باسم المسلمين وتسييس منابر العبادة تُلحق أضراراً فادحة بمسار الاندماج الأهلي.
إنّ تحويل المساجد والمراكز المجتمعية إلى ماكينات لحشد الأصوات ودعم أجندات عابرة للحدود يستفز التيارات القومية والمحافظة في الولايات المتحدة، ويدفع اليمين المتطرف إلى استغلال هذه التجاوزات لشن حملات تعميم ظالمة تطال كل صوت عربي أو مسلم يطمح للخدمة العامة، كما حدث في سباق ميشيغن؛ ممّا يخلق حلقة مفرغة يتغذى فيها التخويف اليميني من شبح الإخوان على الممارسات الفعلية لشبكات الإسلام السياسي، فيما تستثمر الجماعة هذا العداء لتكريس عقدة المظلومية وعزل المسلمين داخل غيتوهات فكرية تدين بالولاء للإيديولوجيا الحركية بدلاً من الانتماء إلى دولة المواطنة.
استحقاقات التمييز في قلب واشنطن
تكشف معارك التجديد النصفي للكونغرس أنّ استراتيجية الإخوان المسلمين في الغرب عموماً وفي الولايات المتحدة خصوصاً لم تعد مجرد تكتيكات دفاعية للانكفاء والهرب من الملاحقات في الشرق الأوسط، بل تحولت إلى محاولات مدروسة للاستثمار في تناقضات الديمقراطية الأمريكية وهندسة قنوات للتأثير في صنع القرار التشريعي والتنفيذي.
إنّ التحدي الجوهري أمام الدوائر البحثية والتشريعية في واشنطن يكمن في امتلاك الشجاعة المعرفية والسياسية للفصل الصارم بين أمرين لا يلتقيان: صيانة الحقوق الدستورية الكاملة للمواطنين الأمريكيين المسلمين في الترشح والتمثيل والمواطنة دون وصم أو تمييز ديني، واليقظة الاستراتيجية التامة إزاء الواجهات المؤسسية التي تمارس التمويه الإيديولوجي وتحاول اختطاف أصوات الأقليات لتمرير مشروع شمولي يعادي مفهوم الدولة الوطنية الحديثة أينما حل.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%88%D9%86%D8%B3_262.jpg.webp?itok=3T0xpcuc)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B3%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7_3_8_0_0.jpg.webp?itok=HF3dwD-L)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B4%D8%A7%D9%84_7.jpg.webp?itok=vqXajgjN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%D9%8A_8.jpg.webp?itok=WGlNjbs7)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B0%D9%87%D8%A8_1.jpg.webp?itok=SGZjdm19)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D9%88%D8%AB%D9%8A_79.jpg.webp?itok=AraD-Z14)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B5%D8%AD%D8%A9_5.jpg.webp?itok=3DC3lOz-)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%B9%D8%A7%D9%88%D9%86.jpeg.webp?itok=Iqh4MUIG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%84%D8%B9%D8%A7%D8%A8_2.jpg.webp?itok=_g0voj1Z)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%B1%D9%831_1.png.webp?itok=95lw6ge3)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%865_4.jpg.webp?itok=kPFtr5y3)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%B1%D8%AF%D9%86.png.webp?itok=HVlsID-q)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86-%D8%AC1_1_15.jpg.webp?itok=Ga6cwSOY)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D8%A7_13_0_1_1_10.jpg.webp?itok=y-4kjvBZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%86%D9%87%D8%B6%D8%A9_42.jpg.webp?itok=Dfg0OjmI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D8%A8%D8%AF%D9%88%D9%84_0.jpg.webp?itok=RElzCq93)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%82%D9%84_4.jpg.webp?itok=492DLhgK)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AB%D9%88%D8%B1%D8%A9_10.jpg.webp?itok=BggCVF7Z)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D8%B2%D9%84%D8%A9.png.webp?itok=kAbVokDD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%A72_1.png.webp?itok=YYGzHrYP)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86-%D8%AC1_1_13.jpg.webp?itok=BSEQt7fN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_136.jpg.webp?itok=CrSbMw9-)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%860_3.jpg.webp?itok=nAqwYt3Q)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86-%D8%AC1_1_11.jpg.webp?itok=XKFZ_04A)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_57_3_0_0_0_4_9.jpg.webp?itok=iP0-4sjy)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_51.jpg.webp?itok=ismhmetI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)
