
الأردن بلد آمن، يُعدّ من أكثر دول المنطقة استقراراً وأمناً، رغم موقعه الجغرافي الحساس، ووجوده في قلب منطقة تعاني من صراعات سياسية وعسكرية وأمنية متلاحقة، لذا لا يمكن تناول الهجوم الإرهابي الذي استهدف كنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك، يوم الجمعة 23 تشرين الأول/أكتوبر الجاري، بعيداً عن أحداث الشرق الأوسط، ولا يمكن النظر إليه باعتباره حادثاً فردياً عابراً لمجموعة إرهابية أو ذئاب منفردة، وإنّما يجب وضعه في سياق يتصل بأمن الدولة الأردنية واستقرارها وموقعها في الصراع الإقليمي، فتفاصيل الهجوم تنبئ بأكثر من ذلك.
الأردن والإرهاب
نجحت الدولة الأردنية على مدار السنوات الماضية في الحفاظ على تماسكها الداخلي والحد من انتقال الصراعات الإقليمية إلى داخل حدودها، رغم حجم الضغوط التي تتعرض لها، فقد تعرضت المملكة الأردنية للعديد من العمليات الإرهابية؛ القليل منها نجح والأغلب تم إفشاله من بدايته. ومن العمليات التي يمكن فهم نسق الجريمة والفاعل والغرض منها، عملية البقعة في 6 حزيران/يونيو 2016، فقد تم الهجوم على مبنى المخابرات راح ضحيته 5 شهداء من رجال الأمن، أمّا هجوم قلعة الكرك في 18 كانون الأول/ديسمبر 2016، فقد أسفر عن مقتل 10 أشخاص، بينهم 7 رجال أمن وسائحة كندية، إلى جانب إصابة 34 شخصاً آخرين، وفي سلسلة الهجمات على الفحيص والسلط في آب/أغسطس 2018 استهدف المهاجمون رجال الأمن، واستشهد خلالها 6 من رجال الأمن، واختلف قليلاً هجوم جرش في تشرين الثاني/نوفمبر 2019، حيث قام شاب بعملية طعن أصيب خلالها 8 أشخاص، منهم 4 من رجال الأمن و4 سيّاح.
هذه العمليات الإرهابية كانت تستهدف رجال الأمن الأردنيين، وبعض الحالات استهدفت رجال الأمن وبعض السيّاح، ويتفق هذا مع سلوك التنظيمات الإرهابية المنفذة التي تستهدف الدولة ومؤسساتها، ولا سيّما الأمن والجيش.
عملية الكرك الأخيرة
لكنّ عملية الكرك الأخيرة لا تتشابه مع العميات السابقة، فلأوّل مرة يتم استهداف أردنيين مسيحيين آمنين في لحظة إنسانية مليئة بالحزن، تحمل أكثر من إشارة. بدأ الهجوم في نحو الساعة الثانية ظهر الجمعة، بالتزامن مع وصول جثمان سيدة لإقامة مراسم جنازتها داخل الكنيسة، وبحسب المعلومات المنشورة وشهادات الحاضرين، وصلت سيارة زرقاء إلى محيط الكنيسة، وترجل منها ثلاثة مسلحين، كان أحدهم يحمل بندقية آلية من طراز كلاشينكوف، بينما حمل الآخران مسدسين، فتح المهاجمون النار على المشاركين في الجنازة بالقرب من مدخل الكنيسة وساحتها، وحاولوا اقتحام المبنى، واستمر إطلاق النار عدة دقائق، ووفق بعض شهادات العيان، أطلق المهاجمون النار مجدداً على مصابين سقطوا أرضاً، قبل أن يفروا بالسيارة نفسها.
وقد تمكنت الأجهزة الأمنية من تحديد مكان اختباء المشتبه بهم في منزل مهجور بقرية الجديدة، على مسافة تقارب 5 كيلومترات من موقع الهجوم، وحاصرت قوة أمنية المنزل وطالبت المتحصنين داخله بتسليم أنفسهم، لكنّهم رفضوا الاستسلام وفتحوا النار على القوة الأمنية، واستمرت الاشتباكات نحو ثلاث ساعات، وانتهت بإصابة المشتبه بهم الثلاثة وإلقاء القبض عليهم، وضبطت الأجهزة الأمنية أسلحة نارية وكميات كبيرة من الذخيرة، ولم تُسجل إصابات بين أفراد القوة الأمنية المشاركة في المداهمة.
من المستفيد من الهجوم على المسيحيين؟
هنا السؤال الحقيقي؛ من المستفيد من الهجوم على المسيحيين الأردنيين؟ فهم جزء أصيل من النسيج الوطني، واستهدافهم لا يمثل اعتداءً على جماعة دينية فحسب، وإنّما يمثل اعتداءً على فكرة المواطنة والتعايش التي يقوم عليها المجتمع الأردني، فمن يريد تحويل الأردن من دولة مستقرة إلى ساحة جديدة للصراع الإقليمي والطائفي؟ إنّ اختيار الضحايا على أساس هويتهم الدينية محاولة لفتح باب الفتنة الطائفية، وتحويل العملية من جريمة إرهابية إلى أزمة مجتمعية، فالعملية هي محاولة لإرباك المجتمع الأردني من الداخل في المقام الأوّل، من خلال استهداف العلاقة بين المكونات الدينية للمجتمع الأردني.
التنظيمات المتطرفة تدرك جيداً أنّ بعض البيئات المشبعة بالأفكار التكفيرية قد تكون أقلّ تعاطفاً مع الضحايا المسيحيين، نتيجة ترسخ تصورات دينية منحرفة تنظر إليهم باعتبارهم كفاراً، لا باعتبارهم مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات، لكنّ المجتمع الأردني لم يشهد من قبل أحداثاً طائفية، فما الغرض من استهدافهم إلا إذا كان الرهان على إثارة مشاعر الغضب والخوف لدى المسيحيين قد يدفع بعضهم إلى الاعتقاد بأنّهم مستهدفون بسبب هويتهم الدينية، وأنّ الدولة أو المجتمع لا يوفران لهم الحماية الكافية، بما قد يفتح الباب أمام مشاعر الثأر أو الدعوات إلى الحماية الذاتية، وهو ما سيفشل فيه الإرهابيون بفضل تماسك المجتمع الأردني، لكن يجب عدم استبعاد هذا الطرح، فهو أقرب وسيلة لإرباك الأردن من الداخل بدلاً من استهداف رجال الأمن.
إرباك الأردن وإشغاله بأزماته الداخلية
ثمّة احتمال اخر، هو أنّ الجريمة جاءت كعقاب للأردن على مواقفه السياسية، أو على الأقلّ هو رسالة تهديد لعمليات أوسع في المستقبل، وإشغاله بمشكلاته الأمنية والاجتماعية الداخلية، بدلاً من التركيز على التحديات الخارجية، فالعمليات الإرهابية لا تنتهي آثارها بانتهاء المواجهة الأمنية مع منفذيها، وإنّما تبدأ بعدها مرحلة أكثر تعقيداً، تتعلق بمعالجة آثارها النفسية والاجتماعية والسياسية، وهذا الاحتمال يتفق مع ما وقع أثناء الحرب الإيرانية الأمريكية الأخيرة.
فقد تعرّض الأردن خلالها لحملات تشويه سياسية وإعلامية من جماعة الإخوان المصرية ورددها إخوان الأردن سرّاً، سعت إلى تصوير الأردن باعتباره طرفاً في الصراع، كمبرر للهجمات الإيرانية بالصواريخ على المنشآت الأردنية، لذا فمن المحتمل أنّ الجهة التي لم تستسغ خروج الأردن من الحرب بأقلّ خسائر اقتصادية ومجتمعية، أن يستمر هادئاً آمناً، بل يجب زعزعة استقراره الداخلي.
خطورة عملية الكرك
إنّ خطورة عملية الكرك لا تتوقف عند عدد الضحايا، أو هوية المنفذين، أو حتى الجهة التي قد تكون قد استفادت منها، وإنّما تمتد إلى ما يمكن أن تحدثه من آثار داخل المجتمع الأردني، واستهداف تماسك المجتمع، وثقة المواطنين في دولتهم، وقدرة المؤسسات على إدارة الأزمات. إنّ الأردن لا يواجه مجرد تحدٍّ أمني، أو عملية إرهابية ما، فقد سبق أن تعرّض لعمليات إرهابية شديدة الوطأة، ونجح في مواجهتها والقضاء عليها، وإنّما أخطر ما يوجهه الأردن حكومةً وشعباً الآن، هو قدرتهم على حماية تماسكهم الوطني في منطقة تتسع فيها دوائر الصراع، والمواجهة ينبغي ألّا تقتصر على الإجراءات الأمنية، رغم أهميتها وضرورتها، وإنّما يجب أن تمتد إلى تفكيك البيئة الفكرية التي تنتج التطرف، ومواجهة الخطابات الطائفية، وقطع الطريق على محاولات الاستثمار السياسي في دماء الضحايا.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_57_3_0_0_0_4_16.jpg.webp?itok=X7Sb1Vx-)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D9%83%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86_36_4.jpg.webp?itok=gK-VEdNc)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%86%D9%85%D8%B3%D8%A7_15.jpg.webp?itok=rVYlyuwG)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4_133_0_1_0_8.jpg.webp?itok=P4ripZUD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_12.jpg.webp?itok=UAfWmfce)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D8%B2%D9%85%D9%8A%20%D8%A8%D8%B4%D8%A7%D8%B1%D8%A9_0.jpg.webp?itok=-ytcYsWj)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D9%88%D9%84%D9%86%D8%AF%D8%A7_0_0_0_6.jpg.webp?itok=kLnmICae)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D8%A7%D8%A7%D9%86_2.jpg.webp?itok=IYqFAhaw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%A7_76_1_8.jpg.webp?itok=HhcjBErm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%B1%D9%831_0.png.webp?itok=3sCgCLG3)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D8%A8%D8%AF%D9%88%D9%84_0.jpg.webp?itok=RElzCq93)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B0%D9%83%D8%A7%D8%A1_13.jpg.webp?itok=cIXKTNyC)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8_47.jpg.webp?itok=Xz1hDhpA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A70_4.jpg.webp?itok=NG-MKmiw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86-%D8%AC1_1_14.jpg.webp?itok=xNO5AqHs)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4_9.jpg.webp?itok=2Xx2F7Ny)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AB%D9%88%D8%B1%D8%A9_10.jpg.webp?itok=BggCVF7Z)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%B1%D9%832_0.jpg.webp?itok=SEoDdJqQ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D8%B2%D9%84%D8%A9.png.webp?itok=kAbVokDD)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B3%D8%AC%D8%AF.png.webp?itok=UXF0wEpY)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%A72_1.png.webp?itok=YYGzHrYP)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86-%D8%AC1_1_13.jpg.webp?itok=BSEQt7fN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_136.jpg.webp?itok=CrSbMw9-)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%860_3.jpg.webp?itok=nAqwYt3Q)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86_21.jpg.webp?itok=7QoqemGI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_57_3_0_0_0_4_9.jpg.webp?itok=iP0-4sjy)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_51.jpg.webp?itok=ismhmetI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)
