
ليست العزلةُ دائمًا ما يتبقّى للمرء حين تنفضُّ عنه الجموعُ؛ فقد يقصدها بإرادته، غيرَ هاربٍ من العالم، وإنّما راغبٌ في استعادة المسافة التي ابتلعها العالم بينه وبين نفسه، فثمّة لحظةٌ يشعر فيها الإنسانُ أنّ كثرةَ الوجوه لا تُبدّد وحشتَه، وأنّ الضجيجَ، مهما تعدّدت مصادرُه، لا يستطيع أن يحجب ذلك الصوتَ الخافتَ الذي يدعوه إلى الإصغاء، لكنَّه لا يغلق البابَ في وجه الآخرين بقدر ما يفتحه على غرفةٍ في داخله، غرفةٍ طالت فترةُ إهمالِها. فمَن يرافق المرءَ حين يختار وحدتَه؟ وهل يستطيع أن ينفرد بنفسه حقًّا، أم أنّه، ما إن ينسحب من العالم، حتى يستقبل في عزلته عالمًا آخرَ، أكثرَ خفاءً وأشدَّ التصاقًا به؟ ولعلّ أوّلَ الواصلين هو ذلك الشخصُ الذي كنّاه يومًا، قبل أن تتولّى الضروراتُ إعادةَ تشكيل ملامحِنا، وقبل أن نتعلّم فنونَ التكيّف التي تجعلنا مقبولين في أعين الآخرين، ولو على حساب شيءٍ من حقيقتِنا، يعود ذلك الشخصُ من ماضٍ لم يمتْ، ويجلس قبالتَنا، متأمّلًا ما صرنا إليه، دون أن يحمل دفترًا للعتابِ، ولا يطالبنا بالوفاء بالوعود القديمةِ؛ يكفيه أن ينظر إلينا لنشعر بأنّ المسافةَ بيننا وبينه قد اتّسعتْ، وأنّ ما سمّيناه نضجًا لم يكنْ، في بعض منعطفاته، سوى طريقةٍ مهذّبةٍ للتخلّي.
بينما يجلس إلى جواره الشخصُ الذي حاولنا أن نكونَهُ؛ الشخصُ الذي تركناه عند مفترقٍ قديمٍ، حين اخترنا طريقًا وأغلقنا بأيدينا طرقًا أخرى، إنّه احتمالٌ بشريٌّ يتعذّر دفنُه، لأنّ ما لم يحدثْ يملك، أحيانًا، قدرةً غريبةً على منافسة ما حدثَ، فنستدعيه ليسَ لنعرف إن كانت حياتُنا ستكون أفضلَ لو سلكنا سبيلًا آخرَ، لأنّ النفسَ لا تكفّ عن ابتكار نسخٍ بديلةٍ من مصيرِها، ثم الوقوف أمامها كما يقف المرءُ أمام نوافذ بيوتٍ لم يسكنْها.
وثمّة الذاكرةُ، رفيقُنا الذي لا يمكن الوثوق بأمانتِه تمامًا، فهي لا تعيد إلينا الماضي كما كان، فتعيده كما تحتاج إليه أرواحُنا في حاضرِها، تُضيء وجهًا أطفأه الزمنُ، وتمنح صوتًا غائبًا نبرةً لم نعدْ نذكر إن كانت له حقًّا، ثم تتركنا نتأرجح بين ما وقعَ وما تمنّينا لو وقعَ، وقد يزورنا في العزلة شخصٌ لم نعدْ نرغب في عودتِه، فنكتشف أنّ الرحيلَ لا يُنهي الإقامةَ دائمًا، وأنّ بعضَ الغائبين لا يحتاجون إلى أبوابٍ يدخلون منها؛ فقد احتفظوا بمفاتيحِهم في مواضع لا نصل إليها.
غير أنّ الرفاقَ ليسوا جميعًا أشخاصًا، فقد تكون قصيدةٌ قديمةٌ تعرفنا أكثرَ من صديقٍ نلتقيه كلَّ يومٍ، وقد تحضر موسيقى من أقصى الذاكرةِ، فتزيح عن القلب غبارًا لم نكنْ ندري أنّه تراكمَ، وقد يكون كتابٌ تأخّرنا في قراءتِه موعدًا مع أنفسِنا، أو تكون نافذةٌ تطلّ على شارعٍ معيّنٍ، تذكيرًا بأنّ العالمَ يمضي في الخارج من غير أن يستأذن أحزانَنا، فالأشياءُ، حين نختلي بها، تكفّ عن كونها مجرّدَ أشياءَ؛ فتصبح مرايا لما لا نُحسن تسميتَه. وربّما لهذا السبب نحبّ بعضَ الأغاني في وحدتِنا، أكثرَ ممّا نحبّها في صحبة الآخرين، فهي لا تضيف صوتًا إلى أصواتِنا، لكنّها تمنح ما في دواخلِنا صوتًا كنّا نفتقدُه، غير أنّ أخطرَ رفاق العزلةِ ليسوا أولئك الذين نستعيدُهم، وإنّما ذلك الصوتُ الذي يتخفّى فينا ويتقن التلبّسَ بالحكمةِ، صوتٌ يُقنعنا بأنّ الانسحابَ دليلُ اكتفاءٍ، وأنّ الاستغناءَ عن الآخرين ضربٌ من السيادةِ، وأنّ كلَّ بابٍ أُغلقَ كان يستحقّ الإغلاقَ، وشيئًا فشيئًا، تتحوّل العزلةُ من فسحةٍ للتأمّلِ، إلى حصنٍ في وجه كلّ ما قد يزعزع اليقينَ بذواتِنا. ما يجعلنا لا نختار الوحدةَ بمحض إرادتِنا، فتختارها لنا أوهامُنا، وتُحكم إغلاقَ الأبواب من الداخلِ؛ ذلك لأنّ العزلةَ لا تجعل الإنسانَ أكثرَ صدقًا بالضرورةِ؛ فقد تكشف له أوهامَه، وقد تمنحها فرصةً لتنمو بعيدًا عن اعتراض الآخرينَ، وفي غياب الأصوات الخارجيةِ، قد يسمع المرءُ صوتَه الحقيقيَّ، وقد يسمع صدى خوفِه فيحسبُه حكمةً، أو يسمع جراحَه تتكلّم فيحسبُها معرفةً بالعالمِ.
ومن هنا، لا تكمن قيمةُ العزلةِ في عدد الذين نستطيع الاستغناءَ عنهم، بل في قدرتِنا على معرفة ما يصنعونَه في داخلِنا، وأن نميّز بين ذكرى نتعلّم منها وذكرى تستنزفُنا، بين ندمٍ يفتح أعينَنا وندمٍ يحوّل أعمارَنا إلى محاكمةٍ لا تنتهي، وبين صمتٍ يتيح للروح أن تتنفّسَ وصمتٍ يعزلُها عن كلّ احتمالٍ جديدٍ.
ولعلّ المرءَ لا يدخل وحدتَه خاليًا تمامًا؛ فهو يحمل إليها ما عجز عن قولِه، وما لم يستطع نسيانَه، وما ظلّ يتمنّاه رغم ادّعائه الاكتفاءَ، سيحملُ الوجوهَ التي أحبّها، والوجوهَ التي خذلتْه، والوجوهَ التي كان يمكن أن يلقاها لو أنّ الحياةَ انعطفت قليلًا، غير أنّ النضجَ لا يقتضي أن يطرد هذه الجموعَ من داخلِه، بل أن يعرف لكلّ واحدٍ منها مقامَه، وألّا يسمح لأيٍّ منها بأن يستولي على الحاضرِ.
فالعزلةُ ليست أن تكون بلا رفاقٍ، حيث إنّ عليكَ التحرُّرَ من سلطة رفاقِك الخفيّين؛ وألّا يظلّ الماضي صاحبَ الكلمة الأخيرة في مستقبلِك، ولا يتحوّل الغائبُ إلى مقياسٍ تقيس به كلَّ حضورٍ، ولا يصبح الشخصُ الذي لم تكنْه حاكمًا على الشخص الذي صرتَ إليه.
ربّما ليس السؤالُ الأجدرُ بأن نحملَه إلى عزلتِنا: مَن بقي معي بعد أن غادر الجميعُ؟ ولكنّ السؤالَ الجديرَ بذلك هو: مَن من هؤلاء الذين يسكنون داخلي يستحقّ أن يبقى؟ فالعزلةُ لا تعني أن نبتعد عن الآخرين فحسبُ، لكنّها تمنحنا فرصةً لنتأمّل مَن نحملُهم معنا، حتى بعد غيابِهم، فليس كلُّ رفيقٍ قديمٍ جديرًا بالبقاءِ، ولا كلُّ غائبٍ يستحقّ أن ننتظرَه، ولا كلُّ صوتٍ يتردّد في أعماقِنا يقول الحقيقةَ، بعضُ هؤلاء نحتاج إلى مصالحتِهم، والبعضُ إلى وداعِه، والبعضُ الآخرُ إلى أن نتوقّف عن الإصغاءِ إليهم، ولعلّ العزلةَ، في أصفى معانيها، هي أن نُحسن ترتيبَ هذا الحشد الداخليِّ، وأن نعرف ما نريد الاحتفاظَ به، وما آن لنا أن نتركَه يمضي، ثم نترك في أرواحِنا نافذةً مفتوحةً، ليسَ انتظارًا لشخصٍ بعينِه، وإنّما الإقرار بأنّ الإنسانَ، مهما أتقن صحبةَ نفسِه، لا يستطيع أن يكون عالمًا كاملًا مكتفيًا بذاتِه.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D9%88%D9%84%D9%86%D8%AF%D8%A7_0_0_0_6.jpg.webp?itok=kLnmICae)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D8%B2%D9%85%D9%8A%20%D8%A8%D8%B4%D8%A7%D8%B1%D8%A9_0.jpg.webp?itok=-ytcYsWj)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_200_0_0_10.jpg.webp?itok=cC8UUUgx)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_12.jpg.webp?itok=UAfWmfce)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_57_3_0_0_0_4_15.jpg.webp?itok=JFgx2reK)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D9%86%D9%88%D8%B4%D9%8A_30.jpg.webp?itok=jTAr1hnS)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D8%A7%D8%A7%D9%86_2.jpg.webp?itok=IYqFAhaw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A70_4.jpg.webp?itok=NG-MKmiw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%860_4.jpg.webp?itok=7tadfjPi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4_9.jpg.webp?itok=2Xx2F7Ny)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%A7_76_1_7.jpg.webp?itok=1ehrvamI)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8_47.jpg.webp?itok=Xz1hDhpA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86-%D8%AC1_1_14.jpg.webp?itok=xNO5AqHs)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B0%D9%83%D8%A7%D8%A1_13.jpg.webp?itok=cIXKTNyC)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B4%D8%B9%D8%A8%D9%88%D9%8A_1.jpg.webp?itok=PG4F23Pr)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AB%D9%88%D8%B1%D8%A9_10.jpg.webp?itok=BggCVF7Z)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D8%B2%D9%84%D8%A9.png.webp?itok=kAbVokDD)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%B1%D9%832_0.jpg.webp?itok=SEoDdJqQ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B3%D8%AC%D8%AF.png.webp?itok=UXF0wEpY)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%A72_1.png.webp?itok=YYGzHrYP)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86-%D8%AC1_1_13.jpg.webp?itok=BSEQt7fN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_136.jpg.webp?itok=CrSbMw9-)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%860_3.jpg.webp?itok=nAqwYt3Q)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%D9%8A_7.jpg.webp?itok=wRDX_4Wm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_57_3_0_0_0_4_9.jpg.webp?itok=iP0-4sjy)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_51.jpg.webp?itok=ismhmetI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)
