من اليسار الراديكالي إلى الجهادية... خريطة معقدة للتهديد الإرهابي في أوروبا

من اليسار الراديكالي إلى الجهادية... خريطة معقدة للتهديد الإرهابي في أوروبا

من اليسار الراديكالي إلى الجهادية... خريطة معقدة للتهديد الإرهابي في أوروبا


26/10/2026

على المستوى الفكري، يشهد التيار اليساري الراديكالي تراجعًا في تماسكه الإيديولوجي التقليدي، مع تداخل القومية المتشددة والعنصرية ونظريات المؤامرة ومفاهيم التسارعية التي تدفع إلى تسريع انهيار النظام القائم عبر تعميق الفوضى والعنف. وتظهر في بعض البيئات تبريرات عدمية للعنف، وعناصر مستمدة من ثقافات فرعية عنيفة، من بينها ثقافات المشاغبين وجماعات حليقي الرؤوس والعزوبية القسرية. ويمتد التداخل أحيانًا إلى استعارة مفردات ومفاهيم من الخطابات الجهادية، بما في ذلك ما يُعرف بـ "الجهاد الأبيض"، بحسب تقرير لمركز "تريندز" وهو ما يعكس تزايد التفاعلات بين تيارات متطرفة مختلفة، رغم تناقض مرجعياتها الفكرية.

تداخل إيديولوجي

يستند الإرهاب اليساري والفوضوي إلى تصورات ثورية راديكالية تستهدف إسقاط النظام القائم، سواء من خلال إقامة مجتمع شيوعي بلا طبقات أو عبر رفض السلطة المركزية باعتبار غيابها الصيغة المثلى لتنظيم المجتمع. وتتجاوز شبكات هذا التيار الحدود الوطنية، مستفيدة من العلاقات الشخصية وتبادل الخبرات والاستراتيجيات وأساليب العمل. ويرصد التقرير ذاته هجمات نفذتها جماعات أو أفراد لم تُحدد هوياتهم، بعضهم يمتلك خبرات سابقة مرتبطة بسياقات نزاع، من بينها الحرب الروسية الأوكرانية والصراع السوري الكردي. بل تتنوع الوسائل المستخدمة بين إحراق الممتلكات والمنشآت، والعبوات الناسفة البدائية، واستهداف البنية التحتية والمؤسسات السياسية والمالية والتجارية. وفي الوقت نفسه، أظهر بعض الفاعلين قدرة تقنية على استخدام وسائل اتصال مشفرة وبريد إلكتروني آمن ومنصات تهدف إلى إخفاء الهوية وحماية البيانات. ومع ذلك، لا يحل النشاط الرقمي محل التواصل المباشر بالكامل، بل يعمل إلى جانبه ضمن شبكات تجمع بين العلاقات الشخصية والأدوات التقنية.

ومن بين الجماعات التي يوردها التقرير حزب جبهة التحرير الشعبي الثوري، وائتلاف الانتقام، وجماعة الرد المسلح، وجماعة الاستمرارية الثورية، إلى جانب الجماعات الفوضوية الأخرى. وتتشكل سرديات هذا التيار حول معاداة الرأسمالية والإمبريالية، إلى جانب مظالم وخطابات معادية للسامية أو لإسرائيل أو مناهضة للصهيونية، مع تكرار الإحالة إلى الحرب في غزة بوصفها عنصرًا تعبويًا في بعض الأنشطة. تتمحور دوافع الإرهاب القومي الإثني والانفصالي حول القومية أو العرق أو الدين، وقد تتخذ شكل المطالبة بالاستقلال عن دولة قائمة أو السعي إلى ضم أراضٍ إلى دولة أخرى. وتستخدم الجماعات المنتمية إلى هذا التيار وسائل متعددة لنشر دعايتها، تشمل المواقع الإلكترونية والمنصات الاجتماعية والقنوات الإعلامية وتطبيقات المراسلة والمطبوعات الرقمية.

ويورد التقرير من بين أبرز التنظيمات المرتبطة بهذا النمط الجيش الجمهوري الأيرلندي الجديد والجيش الجمهوري الأيرلندي للاستمرارية، إلى جانب جماعات أخرى تتباين أهدافها ومرجعياتها. ومن التطورات المهمة التي أثرت في بيئة التهديد داخل الاتحاد الأوروبي دعوة زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان، في 27 شباط/فبراير 2025، إلى نزع سلاح الحزب وحله. وفي أيار/مايو من العام نفسه أعلن الحزب عزمه إنهاء وجوده التنظيمي والكفاح المسلح.

العنف المحتمل

مسار التسوية لا يعني بالضرورة اختفاء التهديد؛ إذ تظل الجماعات المنشقة الرافضة للاتفاقات السياسية مصدرًا محتملًا للعنف، خصوصًا حين تحتفظ بخطاب عدائي تجاه الدولة وأجهزتها الأمنية، وتستمر في ممارسة أنشطة إجرامية، مثل الابتزاز والتهريب والاتجار بالمخدرات وفرض الحماية وتحصيل الديون.

وتتنوع المبررات التي تستخدمها هذه الجماعات بين حق تقرير المصير، والدفاع عن الهوية، ومعالجة المظالم المحلية، والتضامن مع جماعات عرقية أو قومية في الخارج. ويجعل هذا التنوع التعامل معها مرتبطًا، إلى جانب الإجراءات الأمنية، بقدرة الدول على معالجة النزاعات السياسية والاجتماعية التي تستند إليها سردياتها.

صورة معقدة

تقدّم بيانات عام 2025 صورة مُركّبة للتهديد الإرهابي في أوروبا. فوفق الأرقام الواردة في التقرير، شهدت 10 دول 45 هجومًا إرهابيًا، شملت العمليات المنفذة وتلك التي أُحبطت أو فشلت. ومن بين هذه الهجمات، نُفذت 22 عملية، وأُحبطت 20 قبل وقوعها، وفشلت 3 عمليات أخرى. وأسفرت الهجمات المنفذة عن مقتل 6 أشخاص. وبالمقارنة مع عام 2024، تراجع العدد الإجمالي للهجمات من 58 هجومًا في 14 دولة إلى 45 هجومًا في 10 دول، بينما ارتفع عدد الهجمات المنفذة من 21 إلى 22، وفق الأرقام التفصيلية الواردة في التقرير. وارتفع عدد المشتبه بهم الذين أُلقي القبض عليهم في قضايا إرهابية إلى 486 شخصًا، مقابل 449 في عام 2024، و126 في عام 2023.

وتكشف هذه المؤشرات عن مفارقة أساسية؛ فتراجع إجمالي الحوادث لا يعني بالضرورة انحسار الخطر، خصوصًا مع استمرار الهجمات المنفذة وارتفاع الاعتقالات، بما يعكس استمرار النشاط الأمني واتساع نطاق الاشتباه والتحقيقات المرتبطة بالإرهاب. وقد تصدّر الإرهاب الجهادي قائمة الأنماط الإرهابية من حيث عدد الهجمات، مسجلًا 24 هجومًا، أي ما يقارب نصف الإجمالي. وأسفرت الهجمات المرتبطة به عن مقتل 5 أشخاص وإصابة 81 آخرين. وبينما ظل عدد الهجمات المسجلة عند المستوى نفسه الذي شهده عام 2024، ارتفع عدد العمليات المنفذة إلى 9، مقارنة بـ 6 عمليات في العام السابق.

أمّا الإرهاب اليميني، فقد سُجلت 5 هجمات ضمن هذا التصنيف؛ نُفذت واحدة في فرنسا، بينما أُحبطت 4 عمليات، 3 منها في فرنسا وواحدة في أيرلندا. وأسفرت العملية المنفذة عن مقتل شخص واحد. وفي ما يتصل بالإرهاب اليساري والفوضوي، سُجلت 12 هجمة، نُفذت 11 منها في إيطاليا وواحدة في اليونان، إلى جانب إحباط هجوم في بلجيكا. وأسفرت حوادث الطعن المبلغ عنها في هذا السياق عن إصابة 6 أشخاص. وبالتبعية، تؤكد هذه الأرقام اختلاف طبيعة التهديدات بين التيارات؛ فبينما يحتفظ الإرهاب الجهادي بصدارة المشهد من حيث عدد الهجمات والخسائر البشرية، يظهر الإرهاب اليساري والفوضوي في صورة نشاط يتركز جغرافيًا بدرجة كبيرة في إيطاليا، ويتسم الإرهاب اليميني بتفاوت واضح بين العمليات المنفذة والمخطط لها التي تمكنت السلطات من إحباطها.

وتعكس وسائل تنفيذ الهجمات استمرار الاعتماد على الأدوات التقليدية. فقد سُجلت 15 عملية طعن، و11 هجومًا تفجيريًا، و7 عمليات إحراق متعمد، و5 هجمات بإطلاق النار، إلى جانب هجومين استهدفا الممتلكات وعملية دهس واحدة باستخدام مركبة. ومن بين 22 هجومًا منفذًا، نُسبت 12 عملية إلى أفراد استخدموا وسائل بسيطة يسهل الحصول عليها؛ شملت 9 هجمات بالأسلحة البيضاء، وعملية باستخدام مركبة، وأخرى بسلاح ناري، وثالثة باستخدام أداة حارقة بدائية الصنع. وتبرز أهمية هذه المعطيات في إظهار صعوبة منع الهجمات التي لا تتطلب بنية تنظيمية معقدة أو تجهيزات متقدمة، خصوصًا عندما يكون المنفذ فردًا يتحرك بصورة مستقلة ولا تربطه اتصالات مباشرة بقيادة معروفة.

وعليه، فالتهديد الإرهابي في أوروبا لا يتحرك في اتجاه واحد، رغم تراجع العدد الإجمالي للهجمات، إذ تتجاور الجهادية مع التطرف اليميني واليسار الراديكالي والقومي الانفصالي ضمن بيئة أمنية تتسم بتنوع الدوافع والوسائل. ويزيد من تعقيد المشهد استمرار قدرة الأفراد والدوائر الصغيرة على تنفيذ هجمات بأدوات بسيطة، بالتوازي مع تطور شبكات التواصل والتعبئة العابرة للحدود، بما يجعل مواجهة الإرهاب مرتبطة ليس فقط بإحباط العمليات، وإنّما أيضًا برصد التحولات الفكرية والشبكات التي تنتج التطرف وتوفر له بيئة للتجنيد والتعبئة.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية