الإخوان والسلطة... هل تربك رؤية 2030م حسابات الجماعة الثورية؟

الإخوان والسلطة... هل تربك رؤية 2030م حسابات الجماعة الثورية؟

الإخوان والسلطة... هل تربك رؤية 2030م حسابات الجماعة الثورية؟


25/10/2026

منذ الثالث عشر من تموز/يوليو 2013م حين تم الإعلان عن سقوط جماعة الإخوان من الحكم، لم تتوقف الجماعة عن التفكير والسعي للعودة إلى المشهد العام مرة أخرى، وهي محاولات ناتجة عن موقف نفسي في المقام الأول يأبى التسليم بما حدث، ويعمل على إلغاء آثاره بكل الطرق الممكنة.

وخلال السنوات السابقة استخدمت الجماعة العديد من الاستراتيجيات التي تعمل من خلالها على تحقيق هذا الهدف، ومن بين جبهات الجماعة المنقسمة كانت ما يُعرف بـ "جبهة المكتب العام" وحركة "ميدان" التابعة لها، هي الأكثر نشاطًا في هذا الإطار، حيث تستخدم استراتيجية "صناعة الغضب"، التي تستخدم في إطارها عددًا من الآليات التي تستهدف منها تحريك الشارع المصري ودفعه نحو القيام بـ "فعل ثوري" يمكنها أن توظفه بشكل من الأشكال يساعدها على العودة إلى المشهد ولو  جزئيًا.

لكن جاء الطرح الذي قدّمه الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال حفل تخريج طلاب الأكاديمية العسكرية في السابع عشر من تشرين الأول/أكتوبر الجاري، والمتعلق بطريقة انتقال السلطة بعد انتهاء مدته الرئاسية في 2030م، حيث أعلن الرئيس عدم وجود نية لإجراء تعديل دستوري يتيح له الاستمرار في المنصب بعد هذا التاريخ، وأعلن عن تصور لانتقال السلطة من خلال اختيار عدد من حملة الدكتوراة وتأهيلهم من خلال الأكاديمية العسكرية ليكونوا مرشحين فيما بعد ليخوضوا انتخابات الرئاسة المزمع عقدها في العام 2030م.

في هذا الإطار يمكننا طرح سؤالين رئيسيين؛ الأوّل هو: هل يكون هذا الطرح بمثابة قطع للطريق أمام جماعة الإخوان وإفساد لاستراتيجيتها نحو صناعة الغضب وإحداث حراك ثوري في المجتمع، والسؤال الآخر هو: هل يمكن أن يكون للجماعة حضور في ظل المشهد الجديد الذي سوف يتشكل على إثر التغير في النظام السياسي بعد 2030م؟

الطرح الرئاسي في مواجهة خطة الجماعة

فور إعلان الرئيس عن هذه الرؤية جاءت ردود أفعال الجماعة، بجبهاتها الثلاث، على العديد من حساباتها على وسائل التواصل الاجتماعي معبّرة عن ارتباكها تجاه خطوة لم تكن في حساباتها، حيث تميزت بقدر من التناقض ما بين تشكيكها فيما تم طرحه، وما بين نقد للطرح والتعامل معه بجدية.

من جانب تشكك الجماعة في صدق الرؤية التي تم طرحها وتقول إنّها مجرد مناورة لكسب الرضا الشعبي وتجنب أيّ حراك شعبي، تؤكد الجماعة على أنّه سيحدث قريبًا، وتشكك فيها عبر زعمها بأنّ الرئيس يسعى إلى توريث الحكم كما فعل أو حاول أن يفعل رؤساء آخرون في أزمنة ودول أخرى، ومن جانب آخر تقول إنّ هذه الرؤية تمثل فرضًا للوصاية على إرادة الشعب وتحول دون قدرته على اختيار من يحكمه بحرّية، وتقول كذلك إنّ هذه الطريقة في اختيار الحاكم لا تفرز حكامًا حقيقيين، لأنّ ذلك يحتاج إلى مناخ سياسي معيّن يفرز رموزه وقادته من خلال الممارسة السياسية والحزبية الطبيعية، ومن جانب آخر تقول الجماعة إنّ ما تم طرحه، سواء كان مناورة أو حقيقة؛ فإنّه لن يترتب عليه أيّ تغيير أو تحسن في الأوضاع أو حلّ للمشكلات التي يعاني منها المجتمع، ولكنّه سوف يؤدي إلى إعادة إنتاج النظام الحالي مرة أخرى، واستمرار المشكلات والأزمات الحالية وتفاقمها، وتقول كذلك إنّ هذه الرؤية تمثل إقصاءً للمعارضة؛ وانطلاقًا من هذا تؤكد الجماعة على ضرورة الاستمرار في طريق الحل الثوري الذي تدعو إليه وتعمل على حشد الأفراد تجاهه بكل السبل التي تسهم في تراكم الغضب حتى تأتي لحظة الانفجار الشعبي الذي تتوق إليه. 

ومع كل الجهد الذي تبذله الجماعة من أجل تحقيق هدفها الخاص بـ "صناعة الغضب"؛ فإنّ الطرح الذي أعلنه الرئيس يمثل قطعًا لهذا الطريق على الجماعة، وصناعة عقبة كبيرة أمامها ربما يؤثر على قدرتها في الوصول إليه، فما يجعل الأفراد في مجتمع ما يلجؤون إلى الحل الثوري هو فقدانهم للأمل في حدوث تغيير ما، وهذا الطرح الذي قدّمه الرئيس يضع تصورًا لانتقال سلس للسلطة يغني عن أيّ محاولات أخرى غير محسوبة، خاصة أنّ هناك أسبابًا تجعل الخيار الثوري ليس هو المفضل لدى شريحة معتبرة من المجتمع، ومن أبرزها ما يمكن تسميته "الخبرة الثورية" الناتجة عن أحداث كانون الثاني/يناير 2011م وما ترتب عليها من آثار لم تكن مرضية للكثيرين بدرجة كبيرة؛ نتيجة لذلك يصبح خطاب الجماعة الثوري مفتقدًا للكثير من قدرته على التأثير.

في هذا السياق تقول الدكتورة إلهام النجار، الباحثة المتخصصة في قضايا الأمن والإرهاب، في تصريح لـ "حفريات": إنّ "تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي الأخيرة بشأن انتهاء ولايته الرئاسية في عام 2030م، التي أكد فيها على عدم المساس بالدستور، وأنّ انتهاء ولايته في ذلك العام هو أمر محسوم، وأنّه لا بدّ من إعداد كوادر قادرة على تحمل مسؤولية القيادة في المستقبل؛ هذه التصريحات بمثابة ضربة استباقية واعية أفسدت استراتيجيات الإخوان لإثارة البلبلة وفبركة الوقائع، ووضعت سيناريو واضح المعالم بدلًا من ترك مستقبل السُلطة موضوعًا للتكهنات، وبالتالي أحبط الرئيس بذلك مخططات الجماعة".

وتضيف النجار أنّ "جماعة الإخوان سوف تعمل خلال المرحلة المقبلة على توظيف بعض المشكلات الاقتصادية والاجتماعية، وتقديمها باعتبارها دليلًا على ضرورة إحداث تغيير سياسي شامل، والتركيز على الأزمات، وتضخيم بعض الوقائع، وربط المشكلات اليومية بخطاب سياسي يدعو إلى الاحتجاج والتغيير، وذلك من خلال منصات التواصل الاجتماعي والقنوات الإعلامية المعادية من الخارج".

مستقبل الجماعة بعد 2030

يترتب على أيّ تغيير في النظام الحاكم في دولة ما تغيرات في سياسة الدولة تجاه العديد من الملفات والقضايا، ولاشك أنّ ملف التيار الديني، بشكل عام والتنظيمات المتصارعة مع الدولة بشكل خاص، يمثل أحد الملفات المهمة التي سوف تتأثر بتغير النظام، وفي ظل عدم وضوح الرؤية في طبيعة النظام الذي سوف يتشكل على إثر الانتخابات الرئاسية في العام 2030م؛ فإنّه يصعب وضع تصور واضح لما يمكن أن يتم فيما يتعلق بجماعة الإخوان وطبيعة حضورها ودورها في المشهد الجديد، لكن يمكن القول إنّ هذا الحضور يتوقف على عدد من العوامل أبرزها مدى نجاح الرؤية التي طرحها الرئيس بشأن إعداد مرشح من خلال الأكاديمية العسكرية الذي سوف يحافظ، بدرجة كبيرة، على سياسية الدولة الحالية تجاه جماعة الإخوان، أم أنّه ربما يأتي رئيس من خارج هذا الإطار، وهل سيكون لديه التصور نفسه عن التيار الديني وجماعة الإخوان أم سيكون له تصور مغاير، ومن العوامل كذلك طبيعة السياقين الإقليمي والدولي وواقع التطورات التي سوف تحدث حتى ذلك الحين.

تُعلّق الدكتورة إلهام النجار على هذه الفكرة، وترى أنّ مستقبل الجماعة في ظل انتقال السلطة في 2030م لن يكون مرتبطًا فقط بتغيرات المشهد السياسي، لكن هناك عوامل ذاتية لدى الجماعة سوف تحدد ملامح هذا المستقبل. تقول النجار: "في تقديري أنّ مستقبل جماعة الإخوان في مصر يرتبط بمجموعة من العوامل، وليس فقط بالتغيرات السياسية المرتبطة بمرحلة ما بعد عام 2030م؛ فهناك واقع قانوني وأمني تواجهه الجماعة داخل مصر، إلى جانب مشكلات تنظيمية وانقسامات داخلية للجماعة تؤثر في قدرتها على التحرك وتوحيد صفوفها، فهناك صراع بين الجبهات المتنافسة داخل الجماعة، والخلافات المتعلقة بالقيادة والموارد المالية والتمثيل التنظيمي؛ من هنا، فإنني أرى أنّ الجماعة تواجه تحديًا يتجاوز مجرد غيابها عن السلطة، فهي مطالبة، إذا أرادت تغيير صورتها السياسية، بالإجابة عن أسئلة أساسية تتعلق بطبيعة مشروعها السياسي، وعلاقتها بالدولة الوطنية، ومدى استعدادها لقبول قواعد العمل السياسي الدستوري، لكنّ هذا مستبعد في المستقبل القريب، لأنّها شاركت في دعم وتمويل العمليات الإرهابية التي شهدتها سيناء، خاصةً عقب أحداث عام 2013م؛ ممّا أسفر عن سقوط العديد من الشهداء من رجال القوات المسلحة والشرطة والمدنيين فأيادي جماعة الإخوان الإرهابية ملطخة بدماء الشهداء".

ومن بين تلك العوامل الذاتية ما يتعلق بالضعف التنظيمي الناتج عن انقسام الجماعة، وترى النجار أنّ "استمرار الخلافات الداخلية للإخوان يضعف قدرتها على تقديم نفسها باعتبارها كيانًا موحدًا يمتلك قيادة واضحة ورؤية متفق عليها، لكنّ هذا لا يعني أنّ تأثير الجماعة الفكري أو الإعلامي سينتهي بالضرورة، فالتجارب السابقة تكشف عن ضرورة التمييز بين تراجع التنظيم وبين استمرار بعض الأفكار أو الخطابات المرتبطة به، وفي جميع الأحوال لا يمكن الجزم بأنّ جماعة الإخوان ستعود إلى الحياة السياسية المصرية قريبًا، ولا يمكن افتراض اختفاء تأثيرها الفكري والإعلامي بصورة كاملة".

ربّما لا تمثل الرؤية التي تم طرحها حول آلية انتقال السلطة في العام 2030م الحل الأمثل، وربما يطرأ من التطورات ما يسهم في تغيير بعض ملامحها أو يحول دون تحقيق نتائجها المرجوة، لكنّها، في المرحلة الراهنة، قد تسهم، بدرجة كبيرة، في الحد من جاذبية الخطاب الثوري لجماعة الإخوان، وتقلل من قدرته على التأثير ومن الاستجابة الشعبية له، وهذا في ظل ظهور أمل في التغيير نتيجة تلك الرؤية، وفي ظل مجتمع عانى من آثار محاولات ثورية في مرحلة سابقة لم تحقق له ما كان يحلم به من آمال وطموحات؛ ربما تجعله يفضل التغيير البطيء عن الخطوات السريعة غير المحسوبة، ويتحمل بعض المشكلات تجنبًا لمصير غير واضح المعالم، خاصة حين تقود خطاه جماعة تمتلك خبرة طويلة في الإخفاق وسوء التقدير والعمل ضد المصلحة الوطنية.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية