بلا مسارح ولا قاعات... كيف يحافظ أهل غزة على حياتهم الثقافية؟

بلا مسارح ولا قاعات... كيف يحافظ أهل غزة على حياتهم الثقافية؟

بلا مسارح ولا قاعات... كيف يحافظ أهل غزة على حياتهم الثقافية؟


22/10/2026

تحت وطأة الدمار والنزوح تبحث الحياة الثقافية في غزة عن مساحات بديلة تحفظ حضورها، بعدما طالت الخسائر المسارح والمراكز الثقافية، وبين غياب الإمكانات وضيق الأماكن يحاول فنانون إعادة إحياء الأنشطة الفنية، مؤمنين بأنّ الثقافة ليست ترفًا مؤجلًا، بل مساحة لحماية الذاكرة والتعبير عن الوجع الإنساني.

ولم تعد المسارح وحدها تحتضن الحكايات، إذ انتقلت محاولات إحياء الفن إلى أماكن النزوح والمساحات المفتوحة، حيث يسعى الفنانون إلى إبقاء صلتهم بالجمهور، رغم الظروف القاسية التي تهدد استمرارية العمل الثقافي.

وبحسب أحدث تقييم منشور من "اليونسكو" في 25 آذار/مارس 2026، تحققت المنظمة من أضرار لحقت بـ 164 موقعاً ثقافياً منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، بينها 128 مبنى ذا أهمية تاريخية وفنية، ومسرح ومنشآت ثقافية، إضافة إلى 14 موقعاً دينياً، و9 معالم، ومتحفين، و8 مواقع أثرية.

ووفق بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني حول واقع المؤسسات الثقافية في غزة، يشير إلى أنّ القطاع كان يضم قبل الحرب 25 جمعية ومركزاً ثقافياً مسجلاً لدى وزارة الثقافة، وجميعها تعرضت لضرر كلي أو جزئي خلال عام 2024.

وبحسب الجهاز، كان هناك 463 فناناً مسجلاً في مجال الفنون الأدائية والسينما والمسرح في غزة قبل الحرب، وخلال عام 2024 سجل الجهاز 58 شهيداً من هذه الفئة، وبعضهم نزحوا خارج غزة.

وأظهرت بيانات الجهاز أنّ قطاع غزة كان يضم 3 مسارح عاملة في أعوام 2020 و2021 و2022 و2023، وكان مركز رشاد الشوا الثقافي في مدينة غزة، الذي دُمّر خلال الحرب الحالية، واحداً من أبرز الصروح الثقافية والمسرحية في القطاع.

خشبة من الركام

يقول أمير البرعي ممثل مسرحي من غزة: "بعد الحرب أصبحنا نبحث عن أيّ مساحة نستطيع فيها تقديم أعمالنا، بعدما فقدنا أماكن التدريب والعروض، ولم تعد المشكلة في تجهيز المسرح، بل في العثور على مكان يجمع الفنانين والجمهور ويتيح لنا مواصلة العمل".

ويضيف البرعي (26 عاماً): "نحاول تقديم عروض وأنشطة فنية بالإمكانات المتاحة، لأنّ الناس بحاجة إلى مساحة يتنفسون فيها بعيداً عن ضغوط النزوح والخوف، وأحياناً يكفي مشهد مسرحي بسيط ليفتح باباً للحوار ويمنح الأطفال فرصة للتعبير عمّا يعيشونه".

ويتابع: "نواجه نقصاً في المعدات والأدوات، وصعوبة في تنظيم التدريبات وجمع الممثلين، إلى جانب الأعباء المعيشية التي تثقل كاهل الفنانين، ومع ذلك، نحاول ألّا تتحول هذه الظروف إلى نهاية لتجربتنا المسرحية".

ويرى أنّ خسارة المسارح لا تعني فقدان المباني وحدها، بل تهدد الذاكرة الفنية التي تشكلت عبر سنوات من العروض والتجارب، ويواصل: "نخشى أن تضيع أعمال وتجارب يصعب تعويضها، لذلك نحتاج إلى توثيق ما تبقى، وإيجاد مساحات بديلة تسمح باستمرار النشاط الثقافي".

ويؤكد البرعي أنّ "استمرار الحياة الثقافية يتطلب دعماً عملياً يوفر للفنانين أماكن آمنة وأدوات أساسية، مشدداً على أنّ المبادرات الفردية، رغم أهميتها، لا تستطيع وحدها تعويض غياب المؤسسات والمسارح".

ويختتم البرعي حديثه بالقول: "قد نفتقد الخشبة والأضواء، لكننا لا نريد أن نفقد الحكاية، وسنواصل البحث عن مساحة نلتقي فيها بالجمهور، لأنّ المسرح ليس جدراناً فقط، بل صوت الناس وذاكرتهم وقدرتهم على التعبير عن الحياة".

المسرح يحفظ الحكاية

ياسمين الجمال (23 عاماً)، ممثلة مسرحية في غزة تقول: إنّ "الحرب دفعت الفنانين إلى البحث عن مساحات بديلة لمواصلة أعمالهم، بعدما فقدت الفرق المسرحية أماكن التدريب والعروض، موضحة أنّ غياب المسارح لم يوقف محاولات التمثيل، لكنّه جعل الاستمرار أكثر صعوبة في ظل النزوح وشح الإمكانات".

وتوضح أنّ "النصوص المسرحية باتت أكثر التصاقاً بتفاصيل الحياة اليومية، من الفقد والتهجير إلى الانتظار والبحث عن الأمان، مشيرة إلى أنّ الفنانين يحاولون تحويل التجارب القاسية إلى أعمال تُعبّر عن وجع المجتمع وتحفظ حكاياته".

وتتابع أنّ "الأنشطة المسرحية الموجهة للأطفال تمنحهم مساحة للتعبير عن مشاعرهم عبر الحكاية والحركة والتمثيل، بعيداً عن إجبارهم على استعادة التجارب المؤلمة، مؤكدة أهمية توفير بيئات آمنة تراعي احتياجاتهم النفسية".

وتشير الجمال إلى أنّ "غياب أماكن التدريب والمعدات، إلى جانب الأعباء المعيشية، يهدد استمرارية عمل الفنانات، ويحدّ من فرصهن في تطوير مهاراتهن والمشاركة في العروض، ممّا يستدعي دعماً يضمن استمرار حضور المرأة في المشهد الثقافي".

وتُحذّر من أنّ "استمرار انقطاع الأطفال والشباب عن المسرح قد يضعف علاقتهم بالفنون، مشددة على ضرورة توثيق النصوص والعروض والتجارب الفنية، حتى لا تضيع الذاكرة المسرحية الفلسطينية وسط الدمار".

وتؤكد الجمال أنّ "استعادة الحياة الثقافية تتطلب مساحات بديلة ودعماً مستداماً للفنانين، مبينة أنّ المسرح ليس مجرد خشبة وأضواء، بل مساحة للحوار وحفظ الذاكرة والتعبير عن الإنسان، حتى في أقسى الظروف".

المسرح ذاكرة لا تمحى

ويرى الكاتب والمخرج المسرحي علي أبو ياسين أنّ "استهداف المسارح في غزة امتداد لسياسة طالت المؤسسات الثقافية والمبدعين والمكتبات خلال الحروب السابقة، معتبراً أنّ ذلك يهدد الذاكرة الوطنية والرواية الفلسطينية".

ويؤكد أبو ياسين أنّ "المسرح لا يرتبط بمبنى أو خشبة محددة، بل يمكن أن يولد في الشوارع والغرف وأيّ مساحة متاحة، فالكلمة والممثل قادران على إبقاء الفن حاضراً رغم الدمار وشح الإمكانات".

ويشير إلى أنّ "غياب الأماكن الآمنة يمثل أبرز العقبات أمام التدريبات والعروض، إذ يعيش الفنانون ظروف الخطر والنزوح نفسها التي يواجهها السكان، ممّا يجعل كل عرض مسرحي رسالة صمود تأكيداً على استمرار الحياة".

ويوضح أنّ "التحدي لا يقتصر على استئناف العروض المتوقفة، بل يشمل إنتاج أعمال جديدة تعكس واقع أهل غزة وتلامس معاناتهم، في ظل حاجة الفنانين والجمهور إلى الأمان والاستقرار النفسي".

ويشدد أبو ياسين على أنّ "استمرار تفاعل الجمهور يؤكد حاجة المجتمع إلى الفن حتى في أحلك الظروف، فالمسرح ليس ترفاً، بل مساحة للتعبير واستعادة التوازن الإنساني والتمسك بالحياة".

ويختتم أبو ياسين بالتأكيد أنّ "نهضة المسرح تتطلب بيئة ثقافية متكاملة تشمل المسارح ودور السينما ومعاهد التمثيل، إلى جانب عودة المؤسسات التعليمية والثقافية، بما يضمن تجاوز الجهود الفردية وبناء حركة فنية مستدامة".




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار


آخر التقارير

الصفحة الرئيسية