
لم تكن المكتبات في غزة مجرد أماكن لتخزين الكتب، بل مستودعات للذاكرة وشواهد على تاريخ شعب وثقافته، غير أنّ الحرب حولت كثيراً منها إلى ركام، ودفنت تحت الأنقاض آلاف الصفحات التي حملت المعرفة والحكايات والتجارب الإنسانية.
وبين جدران مهدمة وكتب ممزقة ومحترقة يجد أصحاب المكتبات أنفسهم أمام خسارة تتجاوز قيمة الممتلكات إلى ضياع أجزاء من الذاكرة الثقافية الفلسطينية، وبينما تنشغل العائلات بتأمين احتياجاتها الأساسية وسط النزوح والدمار، تتراجع فرص استعادة المكتبات لدورها، ويصبح العثور على كتاب أو مرجع ثقافي تحدياً إضافياً.
ووثق تقرير منظمة القلم الأمريكية (PEN America) تدمير 11 مكتبة كليّاً أو جزئيّاً، ضمن تقريره عن الخسائر الثقافية في غزة الصادر في 18 أيلول/سبتمبر 2025.
ويشير التقرير إلى أنّ مكتبة غزة العامة دُمّرت، وكانت تضم نحو 10 آلاف كتاب باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية، وهو ما يمثل خسارة مباشرة لمصدر عام للمعرفة.
وأورد التقرير أنّ مكتبة الجامعة الإسلامية في غزة كانت تضم نحو 130 ألف مجلد، واحتوت مكتبة جواهر لال نهرو في جامعة الأزهر على أكثر من 70 ألف كتاب، وقد لحقت أضرار جسيمة بالمكتبتين.
ووثقت وزارة الثقافة الفلسطينية تضرر المكتبات العامة ودور النشر والمطابع والمواقع التراثية، وفي تقريرها عن خسائر عام 2024 ذكرت أنّ المكتبات العامة البالغ عددها 87 مكتبة تعرضت للتدمير الكلي أو الجزئي.
ذاكرة بين الركام
يقول سليمان الحلو صاحب مكتبة "فلسطين" التي دمرها الاحتلال الإسرائيلي خلال الحرب على غزة: "لم أتخيل يوماً أن يأتي وقت أقف فيه أمام مكتبتي فلا أجد سوى الركام، فقد كانت الكتب جزءاً من حياتي، وكنت أرى في كل عنوان حكاية تستحق أن تبقى، وفي كل رفٍّ مساحة تفتح أمام القراء أبواب المعرفة، لكنّ الحرب دمرت المكان الذي قضيت سنوات في تأسيسه، وحولت جهد العمر إلى خسارة يصعب وصفها بالكلمات".
ويضيف الحلو: "لم تكن خسارتي مادية فحسب، بل كانت ثقافية وإنسانية أيضاً، فبعض الكتب يصعب تعويضها، بسبب ندرتها وقيمتها التاريخية والمعرفية، وشعرت بأنني لا أفقد أوراقاً مطبوعة، بل أفقد جزءاً من الذاكرة التي حاولت الحفاظ عليها، ومن العلاقة التي بنيتها مع القراء على مدار سنوات".
ويتابع: "عندما رأيت المكتبة مدمرة، كان المشهد أقسى من قدرتي على الاحتمال، فالكتب التي اعتنيت بها طويلاً تناثرت بين الحجارة والغبار، وتحولت أرففها إلى حطام، وكان مؤلماً أن أرى المكان الذي جمع القراء والباحثين والمهتمين بالثقافة عاجزاً عن أداء أبسط أدواره، بعدما كان مساحة للحياة والتعلم وسط واقع صعب".
ويواصل: "أكثر ما يؤلمني أنّ خسارة المكتبة لا تخصني وحدي، فالطلاب والباحثون والقراء فقدوا مكاناً كانوا يجدون فيه ما يحتاجون إليه من معرفة ومراجع، وفي ظل الظروف القاسية التي يعيشها الناس في غزة، يصبح غياب المكتبات عبئاً إضافياً على التعليم والثقافة، ويحرم الأجيال الجديدة من مصادر كان يمكن أن تساعدهم على الفهم والتعلم وبناء المستقبل".
ويوضح الحلو أنّ "تدمير المكتبات يترك أثراً يتجاوز اللحظة الراهنة، فالكتاب الذي يختفي قد يحمل تاريخاً وشهادة ومعرفة لا يمكن استعادتها بسهولة، وحين تضيع الكتب، تتضرر قدرة المجتمع على حفظ تجاربه ونقلها إلى الأجيال المقبلة، ولذلك فإنّ حماية المكتبات ليست ترفاً في زمن الحرب، بل ضرورة لصون الهوية والذاكرة الفلسطينية".
ويتمنى الحلو أن يتمكن يوماً من إعادة بنائها، وجمع الكتب من جديد، وفتح أبوابها أمام القراء، لأنّ غزة تحتاج إلى المعرفة بقدر حاجتها إلى مقومات الحياة، فقد تدمر الجدران وتفقد الكتب، لكنّ الرغبة في القراءة والتعلم تظل قادرة على منح الناس أملاً في النهوض من بين الركام.
كتب تقاوم المحو من تحت الركام
ولا يختلف المشهد لدى الأكاديمي تحسين الشريف، الذي ما يزال ينبش ركام منزله بحثاً عمّا تبقى من كتب مكتبته التي ابتلعها القصف خلال الحرب، ويقول بمرارة: "لم أتخيل يوماً أن أبحث عن كتبي بين الأنقاض، بعدما كانت تصطف على رفوف المكتبة، تنبض بالحياة والمعرفة".
ويتابع الشريف (56 عاماً): "حين رأيت الكتب مدفونة تحت الركام، أدركت أنّ الحرب لا تدمر المباني وحدها، بل تطال ذاكرة غزة الثقافية، وتترك تاريخاً من المعرفة مهدداً بالضياع".
ويواصل: "بدأت بانتشال الكتب من بين الحجارة والغبار، محاولاً إنقاذ ما تبقى منها قبل أن يبتلعه الركام، وكانت صفحات ممزقة وأغلفة محترقة، لكنني تمسكت بأمل استعادة كل كتاب يمكن إنقاذه، وكأنني أحاول حماية ما تبقى من ذاكرة المكان".
ويشرح: "كانت المهمة شاقة في ظل حجم الدمار وصعوبة الوصول إلى الكتب، وبعضها لم يعد صالحاً للقراءة، ومع كل كتاب أخرجه من تحت الأنقاض كنت أشعر بأنني أنقذ جزءاً من حكاية، وأمنح معرفة مهددة بالاختفاء فرصة أخرى للبقاء".
ويضيف الشريف: "ما يؤلمني أنّ هذه الكتب لم تكن مجرد أوراق، بل كانت مراجع للطلاب والباحثين، وكنوزاً معرفية وثقافية يصعب تعويض بعضها، فتدمير المكتبات يحرم الأجيال من مصادر المعرفة، ويترك فراغاً يتجاوز المكان ليطال التعليم والهوية والذاكرة الجماعية".
ويبين: "أخشى أن تضيع كتب نادرة ووثائق مهمة إلى الأبد، خصوصاً مع محدودية إمكانات الترميم وصعوبة توفير البدائل، فإعادة بناء المكتبات قد تكون ممكنة، لكنّ استعادة كتاب فقد أو مخطوط دمر ليست دائماً أمراً متاحاً، وهذا ما يجعل إنقاذ الكتب مسؤولية ثقافية لا تحتمل التأجيل".
ويوضح الشريف: "رغم قسوة المشهد سأواصل إنقاذ ما أستطيع من الكتب، فكل صفحة تنجو من الركام تمثل مقاومة للنسيان، وكل كتاب يستعاد هو فرصة لحماية جزء من تاريخ غزة، فقد تهدم الحرب الجدران، لكنّها ينبغي ألّا تمحو الذاكرة ما دام هناك من يتمسك بإنقاذها".
الذاكرة الثقافية في مهب الركام
بدوره، يرى الروائي سمير شاهين أنّ "تدمير المكتبات لا يستهدف المباني وحدها، بل يهدد الذاكرة الثقافية التي تحفظ تاريخ المجتمع وتجربته الإنسانية، فالكتب أوعية للهوية والمعرفة، وفقدانها يعني ضياع أجزاء من الحكاية الفلسطينية التي تنتقل من جيل إلى آخر".
ويضيف شاهين: "يشكّل فقدان الكتب النادرة والمراجع والمخطوطات خسارة قد يتعذر تعويضها، خصوصاً عندما تتضمن وثائق وشهادات تاريخية، ومع تدمير المكتبات، تتراجع فرص الوصول إلى مصادر أساسية لفهم تاريخ غزة وتوثيق تحولات مجتمعها".
ويتابع: "تدمير المكتبات يحرم الكتّاب من مصادر الإلهام والبحث والتوثيق، ويضعف البيئة الثقافية التي تغذي الإبداع، ويزيد صعوبة الوصول إلى المراجع، في وقت يحتاج فيه الأدب الفلسطيني إلى توثيق التجربة الإنسانية في غزة وحفظ تفاصيلها من النسيان".
ويواصل شاهين: "غياب المكتبات يحدّ من فرص الأطفال والشباب في القراءة والتعلم وتوسيع مداركهم، ويعمق الفجوة المعرفية التي خلفتها الحرب، فالكتاب ليس وسيلة للترفيه فقط، بل أداة لبناء الوعي وتنمية التفكير وحماية حق الأجيال في المعرفة".
ويضيف: "يمكن ترميم جانب من هذه الذاكرة عبر إنقاذ الكتب المتبقية، ورقمنة الوثائق، وإعادة بناء المكتبات، لكنّ التحدي الأكبر يكمن في استعادة المواد النادرة التي دمّرت نهائياً، وتتطلب هذه العملية تمويلاً متخصصاً وجهوداً ثقافية ومؤسسية متواصلة".
ويؤكد شاهين أنّه "لا بدّ من توثيق الخسائر وإنقاذ الكتب والمخطوطات المتضررة، ثم رقمنتها وتوفير أماكن آمنة لحفظها، ويتطلب إحياء المشهد الثقافي دعم المكتبات والكتاب، وإعادة فتح فضاءات القراءة أمام الأطفال والشباب، باعتبار الثقافة ركيزة أساسية للتعافي المجتمعي".

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A7%D8%AD%D9%840_0.jpg.webp?itok=ovRuuW49)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%863.jpg.webp?itok=a2IwPya7)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4_133_0_1_0_7.jpg.webp?itok=xWRPK8Lj)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D8%A7%D8%A7%D9%86_1.jpg.webp?itok=WkkaD5mr)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B3%D9%8A%D9%86_6_4_0_5.jpg.webp?itok=4eEKPT-3)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86_91.jpg.webp?itok=gYyEdaiC)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%88%D9%86-1_0_4_2_0_2.png.webp?itok=ikUUCgsC)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_57_3_0_0_0_4_13.jpg.webp?itok=ETymazjZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%8A%D9%86_7.jpg.webp?itok=mFrEBuTB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D8%A7_13_0_1_1_9.jpg.webp?itok=WyIdO961)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%83%D8%B1%D8%A7%D8%AF_14.jpg.webp?itok=81HI4KZy)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B4%D8%A7%D9%84_3.jpg.webp?itok=aKcww81v)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D8%B2%D8%A910%20%D8%B3.jpg.webp?itok=Hi99sLo0)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%8600_2.png.webp?itok=F3fyxXXC)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A7%D8%AF%D8%A7%D8%AA_2.jpg.webp?itok=sHPL2DbK)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D9%88%D8%B2%D9%8A_2.png.webp?itok=zIM7ZHbc)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86-%D8%AC1_1_11.jpg.webp?itok=XKFZ_04A)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%D9%8A_7.jpg.webp?itok=wRDX_4Wm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%860_3.jpg.webp?itok=nAqwYt3Q)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86_21.jpg.webp?itok=7QoqemGI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D9%84%D8%A7%D9%8A_0.jpg.webp?itok=SXMpXSdR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_57_3_0_0_0_4_9.jpg.webp?itok=iP0-4sjy)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_51.jpg.webp?itok=ismhmetI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)
