استراتيجية لم تكتمل بعد... قراءة قانونية في قرار البرلمان الأوروبي ضد التغلغل الإخواني

استراتيجية لم تكتمل بعد... قراءة قانونية في قرار البرلمان الأوروبي ضد التغلغل الإخواني

استراتيجية لم تكتمل بعد... قراءة قانونية في قرار البرلمان الأوروبي ضد التغلغل الإخواني


20/10/2026

تكتسب المراجعات الفكرية والقانونية التي تعقُب القرارات الكبرى في العواصم الغربية أهمية بالغة في تفكيك المضامين الحقيقية للنصوص السياسية؛ وفي هذا السياق تأتي القراءة التحليلية التي قدّمها الخبير القانوني في "المركز الأوروبي للبحث والمعلومات حول الأخونة" (CERIF)، الدكتور توماسو فيرجيلي، لتضع تصويت البرلمان الأوروبي في الثامن من تشرين الأول (أكتوبر) في ميزانه النقدي الدقيق.

فالقرار التاريخي الذي أقرته الأغلبية البرلمانية لمواجهة "التغلغل الإسلاموي ونفوذ شبكة الإخوان المسلمين"، بحصوله على 381 صوتاً، يمثل في تقدير المركز البحثي الأوروبي "انطلاقة قوية وشجاعة"، لكنّها تظل في الوقت ذاته "ورشة عمل تشريعية وسياسية ما زالت بحاجة ماسة إلى الاستكمال".

ينطلق فيرجيلي في مقاربته المنشورة عبر منصة المركز، الذي ترعاه علمياً الباحثة الفرنسية البارزة فلورنس بيرجو-بلاكير، من فحص المكتسبات التي حققها النص المعتمد، والتنبيه على الثغرات والتراجعات التسووية التي فُرضت خلال مفاوضات اللحظات الأخيرة بين الكتل الحزبية؛ ليرسم خريطة طريق للمسار القانوني والإجرائي الذي يتعين على الاتحاد الأوروبي خوضه لنقل هذه التوصيات من حيز الرمزية السياسية إلى دائرة الإلزام التشريعي الصارم.

تفكيك "الإيكوسيستم الإخواني"... تحرير المفهوم من الفخ الهرمي

تتمثل الفضيلة المعرفية الأولى للقرار الأوروبي، وفق قراءة فيرجيلي، في حسمه للجدل المزمن حول ماهية وطبيعة الحضور الإخواني في الغرب؛ فالنص استطاع تفنيد المفهوم الخاطئ والساذج الذي كان يختزل الإخوان في تنظيم قُطري أحادي أو فرع هرمي مغلق. وبدلاً من ذلك، تبنّى البرلمان التوصيف السوسيولوجي والقانوني الأدق، معرّفاً الجماعة في أوروبا بوصفها "إيكوسيستم واسعاً ومتشظياً" (Broad and fragmented ecosystem)، يتكون من شبكات رخوة ومنظمات مجتمع مدني وواجهات شبابية وتعليمية وجمعيات خيرية تتقاطع وظيفياً دون الحاجة إلى هيكل مركزي معلن.

كذلك يثمن التحليل نجاح الوثيقة البرلمانية في الفصل الحاسم والواعي بين "الإسلام كدين وحرية معتقد" من جهة، وبين "التغلغل الإسلاموي كمشروع إيديولوجي وسياسي" من جهة أخرى؛ وهو التمايز الذي أسقط محاولات الابتزاز التي لطالما وظفتها شبكات الإسلام الحركي لاتهام أيّ مسعى رقابي بأنّه ضرب من ضروب "الإسلاموفوبيا" أو التمييز ضد الأقليات. 

وقد أتاح هذا التأطير الدقيق توجيه سهام النقد مباشرة إلى الاستراتيجيات التسللية للجماعة، الرامية إلى بناء مجتمعات موازية واختطاف التمثيل الحصري للمواطنين المسلمين في الفضاء العام.

الحصانة والموارد... مكاسب النص في ميزان الشفافية

يرصد الخبير القانوني في مركز "سيريف" عدداً من النقاط المفصلية التي تمثل اختراقاً سياسياً في تعاطي المؤسسات الأوروبية مع الظاهرة؛ وفي مقدمتها نزع "شهادات الاحترام المؤسسي" التي منحتها البيروقراطية الأوروبية لعقود لمنظمات تتبع فضاء الإخوان، وفي طليعتها "المنتدى الأوروبي لمنظمات الشباب والطلاب المسلمين" (فيميسو). 

فالقرار نص صراحة على ضرورة حرمان هذه الكيانات من الولوج إلى أروقة البرلمان والمفوضية والمشاركة في الفعاليات الرسمية، وقطع دابر الاستقواء المؤسسي بالاتحاد الأوروبي ضد الحكومات الوطنية.

وعلى الصعيد المالي، يبرز التحليل أهمية مطالبة البرلمان بإنهاء العمل بآلية "التصريح الذاتي" السطحية، وفرض آليات رقابة قبلية واستباقية تكشف المستفيدين النهائيين من المنح العامة، لمنع تسرب أموال دافعي الضرائب الأوروبيين لجمعيات تروج لخطابات تخالف الحقوق الأساسية. 

وفوق ذلك، يمتدح فيرجيلي الربط الواضح في القرار بين تمدد الفكر الإسلاموي وتصاعد معاداة السامية، وتراجع حقوق النساء، مستنداً إلى معطيات استقصائية تكشف تنامي الأفكار المتطرفة في المدارس القرآنية والمحاضن التعليمية الخاضعة لتأثير شبكات الإسلام السياسي.

المآخذ والنواقص... ما الذي أغفله القرار وتراجع عنه التوافق؟

في مقابل الترحيب بالإشارات الإيجابية، يوجه توماسو فيرجيلي نقداً لاذعاً للمساحات التي تراجع فيها النص النهائي عن الصياغات الأصلية الأكثر حسماً؛ متفقاً مع الملاحظة المبدئية التي طرحتها فلورنس بيرجو-بلاكير، ومفادها أنّ القرار "أكد بإلحاح الحاجة إلى استراتيجية أوروبية، لكنّه لم يضع معالم هذه الاستراتيجية ولا خطتها التنفيذية بعد".

ويكشف التحليل عن حزمة من المسائل الجوهرية التي غابت عن القرار نتيجة المساومات الحزبية؛ إذ كان يُنتظر من النص أن يطالب صراحة بإلغاء ما تبقى من قوانين التجديف وحظر استحداث قوانين مماثلة تحاصر النقد الديني، إلى جانب الرفض القاطع للمحاكم الشرعية الموازية والاستثناءات الجنائية المستندة إلى حجج ثقافية. وكان يتعين على القرار منع أيّ مساومات تمسّ العلمانية في المرافق والخدمات العامة، ورفض الفصل بين الجنسين في الفضاءات المشتركة، وحث الإدارات المحلية على عدم خلق "غيتوهات" عازلة.

ويأسف فيرجيلي لحذف البند الجوهري الذي تقدمت به كتلة الشعب الأوروبي في مقترحها الأصلي، الذي كان يطالب بترتيب عواقب قانونية وإدارية حاسمة بحق المهاجرين الذين يثبت ترويجهم للأفكار الإسلاموية المتطرفة ومظاهر التحريض على قيم المجتمع المضيف.

ازدواجية اليسار... الانقسام السياسي ومعركة العلمانية

يخصص فيرجيلي جزءاً مهماً من دراسته لتحليل السلوك التصويتي داخل البرلمان الأوروبي، موجهاً انتقادات حادة لموقف غالبية أحزاب اليسار والخضر التي صوّتت ضد القرار، في مشهد يعكس تناقضاً أخلاقياً وسياسياً فادحاً في مقاربة مفهوم العلمانية؛ فهذه القوى ترفع راية الدفاع المستميت عن مدنية الدولة وعلمانيتها في مواجهة الكنائس والمؤسسات الدينية الغربية التقليدية، لكنّها تسارع إلى مهادنة قوى الإسلام السياسي وتغضّ الطرف عن ممارساتها الانفصالية بحجة حماية الأقليات ومناهضة التمييز.

ويشير التحليل إلى أنّ خروج القرار إلى النور رغم تصويت 167 نائباً ضده، يعود إلى تشكل ائتلاف واسع عابر لكتل اليمين والوسط، امتد من الليبراليين في كتلة "تجديد أوروبا" وصولاً إلى أحزاب الوسط المحافظ واليمين السيادي، ممّا يبرهن على أنّ خطر التغلغل الإخواني قد تحول أخيراً إلى قضية سياسية مركزية تفرض نفسها على جدول الأعمال الأوروبي متجاوزة الاستقطابات الحزبية التقليدية.

الآفاق القانونية... من التوصية السياسية إلى الإلزام التشريعي

يخلص الخبير القانوني في مركز "سيريف" إلى أنّ التحدي الحقيقي يبدأ بعد صدور هذا القرار؛ فالنص الصادر عن البرلمان يظل، في طبيعته الدستورية، إعلاناً سياسياً وتوجيهاً غير ملزم قانوناً للمفوضية أو المجلس الأوروبي. وعليه، فإنّ تحويل هذه المطالب إلى أدوات نافذة يقتضي مواصلة الضغط عبر مسارين متوازيين.

يتمثل المسار الأول في استخدام البرلمان لصلاحياته الرقابية الصارمة في إجراءات التدقيق المالي وإبراء الذمة لميزانية المفوضية؛ وهي مساحة يمتلك فيها النواب سلطة حقيقية لربط الموافقة على ميزانيات البرامج التمويلية بالتزام المفوضية بوقف تدفق المنح للشبكات الحركية. أمّا المسار الثاني، فيرتبط بقيام المفوضية والدول الأعضاء بصياغة تشريعات ملزمة، ولوائح إدارية واضحة، تتبنّى منهجية موحدة لتعقب التغلغل في المؤسسات، وفحص شروط استمرار الواجهات الأهلية، والتحقق الجنائي من انطباق معايير الحظر والإدراج على قوائم الإرهاب.

كسر حاجز الصمت والمسار المفتوح

يقدّم استعراض دراسة "سيريف" لقرار البرلمان الأوروبي الأخير صورة بالغة الوضوح للحظة التحول التي تعيشها أوروبا في مواجهة مشروع الإخوان؛ فالقرار يمثل انتصاراً فكرياً ومؤسسياً شجاعاً كسر سنوات من الصمت والتردد، ووضع أسس المواجهة على المستويات المفاهيمية والمالية.

غير أنّ الخلاصة الأبرز التي يضعها توماسو فيرجيلي أمام صانع القرار والرأي العام، تؤكد أنّ المعركة لم تُحسم بعد؛ إذ إنّ المكر الحركي للإسلام السياسي وقدرته الفائقة على التكيف والتمويه تفرضان الانتقال السريع من لغة الإدانات والتوصيات العامة إلى بناء ترسانة تشريعية وتنفيذية صلبة تسد كافة الثغرات القانونية، وبغير هذا الانتقال ستظل الاستراتيجية الأوروبية مجرد إعلان نوايا سياسي يستطيع الإيكوسيستم الإخواني الالتفاف عليه وتجاوزه، كما فعل في محطات سابقة.

رابط الدراسة للاطلاع:

https://cerif.eu/documents/reaction-virgili-pe- entrisme/index.html




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار


آخر التقارير

الصفحة الرئيسية