
في الندوة التثقيفية 44 للقوات المسلحة المصرية، التي أقيمت تحت عنوان "وطن الأبطال" بمناسبة الذكرى الـ53 لانتصارات "أكتوبر"، تناول الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي تجربة الرئيس محمد أنور السادات مع التيارات الدينية المتشددة قائلاً: "أحد السياسيين كان قد أشار على الرئيس الراحل أنور السادات بالإفراج عن عناصر التيار الديني من السجون لمواجهة تيار سياسي آخر كان فاعلاً على الساحة المصرية آنذاك، وهي الخطوة التي أفضت، في نهاية المطاف، إلى اغتيال الرئيس السادات". ما ذكره الرئيس السيسي صحيح في الإجمال، إلا أنّ تلك الخطوة ممتلئة بالتفاصيل المثيرة التي يجب سردها لبيان كشف كذب الإخوان الذين يصنعون تاريخاً مزيفاً، ونتعلم منها درساً مجتمعياً وسياسياً بعدم السماح لتلك التيارات بالعودة إلى المجتمع.
السادات رئيساً
بعد وفاة الرئيس جمال عبد الناصر واختيار محمد أنور السادات رئيساً لمصر، واجهه الكثير من التحديات؛ منها توغل التنظيم الطليعي وسيطرة الاتحاد الاشتراكي والفكر الاشتراكي على الفكر العام المصري وقتها، فقد كان المجتمع المصري اشتراكياً طوال أكثر مع عقد وفق "قوانين يوليو"، التي كانت تحولاً حاداً عن مجتمع ما قبل ثورة 1952، ثم جاءت هزيمة حزيران/يونيو 1967 لتحطّم المشروع القومي والحلم بعالم عربي موحد. ثم مثلت مظاهرات طلبة الجامعة 1968 تحدياً للنظام حتى بمركزية عبد الناصر نفسها، فقد بدت كأنّ قوة شبابية وليدة قادرة على تهديد أركان النظام الحاكم.
أسلمة الخطاب العام
تولى السادات، واجتاح أركان النظام مخاوف من تنامي الحركة الطلابية بعد تكوين "الحركة القومية العليا للطلاب" التي تبلور إطارها الحركي كما يؤكد أحد قادتها في عام 1972، ممّا دفعه للإسراع بالتخلص من ركائز الفكر السابق، فعمل على إشاعة فكرة أنّ الهزيمة لم تكن نتيجة لأخطاء القادة السياسيين، بل لأنّ الفكر السائد "الاشتراكي والشيوعي" ملحدان، وهو السبب في الهزيمة، وبدأ خطاب واسع الانتشار يربط بين تراجع الالتزام الديني وبين الهزيمة العسكرية، معتبرًا أنّ ابتعاد المجتمع عن القيم الإسلامية كان السبب المباشر والأساسي للهزيمة. منذ عام 1971 تبنّت الدولة المصرية خطاباً غير رسمي يحاكم التيار الفكري السابق الذي شكّل المرجعية الإيديولوجية للدولة في الستينيات، بوصفه أحد أسباب الهزيمة العسكرية، والمسؤول عن التفلّت الأخلاقي والاجتماعي؛ الأمر الذي مهّد لإعادة توجيه الوعي العام نحو مرجعية إسلامية بديلة، وشجّعت الدولة انتشار الدعوة إلى "تطبيق الشريعة الإسلامية في الحياة اليومية".
استدعاء الإسلام السياسي
قرر السادات تغيير الفكر الاشتراكي، ولم يكن هذا ممكناً دون قوة شعبية تمتلك خطاباً مختلفاً عن المؤسسة الدينية الرسمية، لذا حاول السادات الدفع بجماعة الإخوان المسلمين والجمعية الشرعية وجماعة التبليغ والدعوة، في بداية حكمه، ليسند إليهم مهمة نشر الفكر الإسلامي الجديد. ويزعم محمود جامع أنّ السادات قابل عدداً منهم في مصر، وفي السعودية، بوساطة شخصيات مشتركة، واتفق الطرفان آنذاك على عودة نشاطهم الديني بحرّية، والبُعد عن العمل السياسي لتوفير المناخ لنشوء تيار عام ديني إسلامي يمتص الطاقة الزائدة للمعارضة الناصرية، فأفرج عنهم، وسمح لهم بفتح مقراتهم من جديد، وتركهم يمارسون النشاط الدعوي والاجتماعي بحرّية، وقال عن ذلك المرشد الثالث لجماعة الإخوان، عمر التلمساني: "جاءني عام 1973 الشيخ سيد سابق، وأخبرني أنّ السيد أحمد طعيمة، وكان وزيراً في عهد السادات، أخبره بأنّ السادات على استعداد للقاء بعض الإخوان المعروفين لإزالة ما في النفوس والتعاون لخدمة الوطن". أخرج السادات الإخوان من المعتقلات، وترك لهم جانباً كبيراً من الحرية في التنقل وإقامة الاحتفالات في المناسبات الدينية، وقد استقبل الإخوان كل ذلك بالحمد والثناء". ويقول عبد المنعم أبو الفتوح: "بدأ الإخوان الذين أفلتوا من قبضة الأمن ولم يعتقلوا يتحدثون ويعلون صوتهم"، واعتلى شيوخ الإخوان منابر المساجد، وقام الإخوان غير المعروفين باصطياد الشباب لفخ التجنيد، وبعد عامين فقط استطاع الإخوان تكوين ما يمكن أن نطلق عليه التيار الإسلامي، لكن هل كانت قدرات الجماعة المنهكة والمفتتة المفاصل تستطيع تكوين تيار إسلامي جديد بدون معاونة ومساندة الدولة ومؤسساتها؟
رعاية الدولة للتيار الإسلامي الوليد
كان دور محمد عثمان إسماعيل محافظ أسيوط محورياً في صناعة ومساندة التيار الإسلامي الوليد، وهو السياسي الذي أشار على السادات باستخدام الإخوان والتيارات الدينية ضد الناصريين والاشتراكيين، وهو الذي ألمح له السيسي في خطابه، وقد اعترف هو بنفسه في مذكراته التي نشرت في "وكيبيديا" الإخوان، وفي دراسة للدكتور مدحت شلبي عن نشأة الجماعات الإسلامية في أسيوط يؤكد أنّ محمد عثمان إسماعيل قدّم الدعم المالي من الصندوق الاجتماعي للتنمية لشباب الجماعة الإسلامية، وهو ما يقوله صراحة اللواء فؤاد علام في كتابه الإخوان، ويؤكد أنّ ثمة أموالاً دفعت لإعضاء الجماعة الإسلامية للإنفاق على الأنشطة وتنظيم رحلات عمرة لهم.
في مذكراته يعترف محمد عثمان أنّ اقتراحه يعود لأنّه يعرف أنّ الإخوان أصحاب عقيدة ويمكنهم مواجهة التنظيم الطليعي والاشتراكيين وأيّ قوة تناهض حكم السادات، إضافة إلى أنّ المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية أيضاً كان يقدم شرعية دينية لتلك الجماعات. ففي مقال د. عبد المنعم النمر وزير الأوقاف وشؤون الأزهر بجريدة السياسي الأسبوعية المصرية في 22 كانون الثاني/يناير 1978 يؤكد أنّ الجماعات الإسلامية ظاهرة يجب دراستها والعناية بها.
وكذلك قامت وزارة الشباب برعاية معسكرات الجماعة الإسلامية، ويقول أبو الفتوح: "أذكر أنّ الدكتور أحمد كمال أبو المجد، وكان وزيراً للشباب والإعلام، حضر أول مخيم جامعي للجماعة الإسلامية على مستوى جامعة القاهرة عام 1973"، ولا يخفى دلالة حضور الوزير شخصياً معسكر الجماعة الإسلامية.
وأسهمت الحماية الأمنية للإخوان وللجماعات لانتشاء أعضاء تلك الجماعات، فقد أمنوا العقوبة. يقول أبو الفتوح: "لم نسمع أبداً في عهد السادات بالسبعينات أنّ أحداً أُعتقل منّا أو من الإخوان، أو حتى تم استدعاؤه أمنياً، ولم يمنعنا من توزيع كتاب أو مطبوعات من أيّ نوع، ولم نشاهد ضابط أمن دولة يدخل الجامعة ويعترض على أيّ عمل من أعمالنا، وأنّ هذا حدث فقط مع التنظيم الشيوعي وحركة الفنية العسكرية"، وهو ما يذهب إليه اللواء فؤاد علام بأنّ التعليمات صدرت إليهم بعدم متابعة الجماعة الإسلامية ولا عناصر الإخوان. ويحكي أبو الفتوح أنّه تشاجر مع ضابط تشكك في المنشورات التي يحملها في السيارة، وكانت تحمل هجوماً على النظام السياسي، واصطحبه إلى القسم، ثم تدخل المأمور وذهب إلى أبو الفتوح مطيباً له "يعني معتذراً"، وقال له تفضل اذهب إلى حيث تريد كأنّ شيئاً لم يكن، ورفض أبو الفتوح أن يذهب بدون المنشورات، وبالفعل سمح له المأمور بالذهاب ومعه المنشورات التي هي بالمناسبة تهاجم الرئيس والدولة! هذه الرعاية تتفق مع تصريح وزير الداخلية وقتها اللواء محمد نبوي إسماعيل يقدّر فيه الجماعات الإسلامية ويثمن جهودها، واصفاً إيّاها بأنّها واضحة وتكره العنف ولا تتعامل به وذلك في جريدة الجمهورية في 30 تشرين الثاني/نوفمبر 1978، وهو ذاته ما ألمح له فؤاد علام في كتابه أنّ ثمة إرادة سياسية بعدم التعرّض للإخوان.
نعم، هكذا أخرجهم السادات من السجون، وهكذا خرج الإخوان المختبئون من جحورهم، وهكذا تجهزت الأرض والفكر العام والرأي العام والإعلام ومؤسسات الدولة لغرس الفكر الماضوي الرجعي، الفكر الذي أفرج عنه السادات، فخرج من قمقمه ينتقم من الجميع، وأوّلهم السادات، وهذا ما سنتناوله في المقالة الثانية "هكذا اغتالوه".

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_57_3_0_0_0_4_12.jpg.webp?itok=tNCoiTb0)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86_90.jpg.webp?itok=ytL6U7PQ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%86%D8%AF%D9%86_15.jpg.webp?itok=9kXH8O3k)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_10.jpg.webp?itok=3HMNhHUB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B1%D8%BA%D9%84%D9%8A_3.jpg.webp?itok=v3-Jj5ND)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%861_0.jpg.webp?itok=aKF6K7yj)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%860_3.jpg.webp?itok=FeVkbJLh)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%865_3.jpg.webp?itok=JjKHUFRc)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%A7_76_1_5.jpg.webp?itok=7uGf2l1w)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B7%D9%88%D9%81%D8%A7%D9%86_2_2_1.jpg.webp?itok=zaxTGWW5)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B43.png.webp?itok=0k55cBuV)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A7%D8%AF%D8%A7%D8%AA_1.jpg.webp?itok=_8ByqYRl)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%A7%D9%83%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D9%86_22_0_4.jpg.webp?itok=T1yEzk0R)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_134.jpg.webp?itok=yj3tf4dU)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86-%D8%AC1_1_11.jpg.webp?itok=XKFZ_04A)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%860_3.jpg.webp?itok=nAqwYt3Q)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%86%D9%87%D8%B6%D8%A9_39.jpg.webp?itok=zUad_I_U)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D9%88%D8%B2%D9%8A_2.png.webp?itok=zIM7ZHbc)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%83%D8%A7%D8%A1_0.jpg.webp?itok=zmMt-g73)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86_21.jpg.webp?itok=7QoqemGI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%D9%8A_7.jpg.webp?itok=wRDX_4Wm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D9%84%D8%A7%D9%8A_0.jpg.webp?itok=SXMpXSdR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86_19.jpg.webp?itok=tsPUuxGM)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_57_3_0_0_0_4_9.jpg.webp?itok=iP0-4sjy)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_51.jpg.webp?itok=ismhmetI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)
