
في البداية يجب أن نقر أنّ تصويت البرلمان الأوروبي لصالح تبنّي استراتيجية فعالة لمواجهة نفوذ شبكات الإسلام السياسي في أوروبا، وعلى رأسها الشبكات المرتبطة بجماعة الإخوان، يُعدّ خطوة كبيرة وواسعة في مواجهة تنظيم الإخوان المصنف إرهابيًا في مصر وعدد من الدول العربية والغربية.
فالتصويت، بصرف النظر عن نتائجه المستقبلية، يمثل تحولًا مهمًا في نظرة المؤسسات الأوروبية إلى جماعة الإخوان المسلمين، وانتقالًا تدريجيًا من التعامل معها باعتبارها جزءًا من المشهد الديني والاجتماعي للمسلمين في أوروبا، إلى النظر إليها باعتبارها شبكة إيديولوجية وتنظيمية يمكن أن تشكل تهديدًا طويل المدى لطبيعة المجتمعات الأوروبية وقيمها السياسية والثقافية والاجتماعية.
ولكن ينبغي ألّا نعول كثيرًا على التصويت رغم أهميته، لأنّ الجهة المعنية باتخاذ قرار ملزم بإدراج جماعة أو أفراد أو كيانات في قائمة الاتحاد الأوروبي للإرهاب هي مجلس الاتحاد الأوروبي، وهذا وفق إجراءات قانونية لم تُتخذ بعد، لهذا اعتبر بعض الباحثين أنّ التصويت "مجرد جرس إنذار" بأنّ خطورة الإخوان تتجاوز العمليات الإرهابية المباشرة، إلى ما هو أكثر تعقيدًا وتأثيرًا في بنية المجتمعات الأوروبية نفسها.
فتنظيم الإخوان تحول من مجرد ورقة تستخدمها بعض الدول الأوروبية لتسكين وتهدئة قطاعات من الجاليات المسلمة، أو الحديث نيابة عنها فيما يخص احتياجاتها الدينية والاجتماعية، إلى نسج شبكة واسعة النفوذ داخل المجتمعات العربية والإسلامية المقيمة في أوروبا، وهو ما يمثل محاولة لتكوين شكل من أشكال جماعات الضغط، أو ما يمكن تسميته باللوبي الإخواني، وهو خروج عن الدور الذي سمحت به بعض السياسات الأوروبية، ويمثل خطرًا بدأت أوروبا تدرك أبعاده.
ولفهم هذا التحول ينبغي العودة إلى طبيعة الوجود الإخواني في أوروبا، الذي لم ينشأ باعتباره وجودًا تنظيميًا مباشرًا فحسب، وإنّما تشكل عبر عقود طويلة من خلال الجمعيات الدينية، والمؤسسات التعليمية، والمراكز الإسلامية، والأنشطة الخيرية والثقافية، إلى جانب شبكات العلاقات الشخصية وحركة التنظيم العالمي "الدولي للإخوان"، وقد استفادت تيارات الإسلام السياسي من مناخ الحريات الأوروبية، ومن حاجة الحكومات إلى وجود مخاطبين منظمين داخل الجاليات المسلمة، خاصة مع تزايد أعداد المهاجرين المسلمين منذ النصف الثاني من القرن العشرين.
وهنا ظهرت المفارقة الأساسية؛ فبينما كانت بعض الحكومات الأوروبية تبحث عن مؤسسات تساعدها على إدارة العلاقة مع المسلمين، كانت الشبكات الإخوانية تسعى إلى توظيف هذه العلاقة لتعزيز حضورها المؤسسي والاجتماعي، واكتساب قدر من الشرعية السياسية والشعبية وسط الجاليات، ولم يكن الأمر مجرد بناء مسجد أو إدارة مركز إسلامي أو تقديم خدمات دينية، وهي أنشطة مشروعة بطبيعتها، وإنّما امتد إلى محاولة التأثير في الخطاب الديني، وتوجيه قطاعات من الشباب، والتدخل في قضايا الهوية والتعليم والأسرة، والسعي إلى احتكار الحديث باسم المسلمين أمام الحكومات والمؤسسات الرسمية.
مشكلة أوروبا والإخوان
وهنا تحديدًا تكمن المشكلة الأوروبية مع الإخوان؛ فالدولة الأوروبية لا تخشى وجود المسلمين أو ممارسة شعائرهم الدينية، وإنّما تخشى تحول الدين إلى أداة لبناء ولاءات سياسية وإيديولوجية موازية للولاء الوطني، أو إلى وسيلة لتكوين جماعات مغلقة تعيش داخل المجتمع دون أن تندمج فيه، وقد تبين بشكل واضح أنّ الدور الإيديولوجي للإخوان أخطر على المدى البعيد ممّا كان يتوقعه بعض الساسة الأوروبيين؛ لأنّه يعمق الانفصال عن المجتمع، ويضع عراقيل أمام الاندماج، ويغذي خطابًا يرفض العلمانية والليبرالية وبعض الحريات العامة بزعم تعارضها مع الدين.
ولعل التجربة الفرنسية تمثل أحد أبرز النماذج على تصاعد هذا القلق، خاصة بعد التقرير الحكومي الصادر في أيار/مايو 2025 بشأن جماعة الإخوان المسلمين والإسلام السياسي في فرنسا، الذي تناول مخاطر ما وصفه بالتغلغل الإيديولوجي والمؤسسي داخل بعض القطاعات الاجتماعية والدينية.
ويمكن النظر إلى هذا التقرير باعتباره تعبيرًا عن انتقال الاهتمام الأوروبي من مراقبة التطرف العنيف وحده إلى الاهتمام بالتطرف غير العنيف، الذي قد لا يستخدم السلاح، لكنّه يسعى إلى التأثير التدريجي في المجتمع ومؤسساته وقيمه.
كما أنّ ألمانيا والنمسا شهدتا خلال السنوات الماضية نقاشات أمنية وسياسية بشأن بعض المؤسسات والشبكات المرتبطة بإيديولوجيا الإخوان، مع اختلاف طبيعة الإجراءات والتقييمات القانونية من دولة إلى أخرى، وإنّ أخطر ما يقلق الأوروبيين ليس مجرد وجود تنظيم إخواني داخل حدودهم، وإنّما احتمالات تحوله إلى شبكة مصالح وضغط سياسي "لوبي إخواني"، تمتلك مؤسسات تعليمية ودينية واجتماعية، وتستطيع التأثير في اتجاهات قطاعات من الجاليات المسلمة، ثم توظيف هذا التأثير في التفاوض مع الحكومات الأوروبية.
ورغم هذا كله، لا يمكن اعتبار التصويت الأوروبي الذي جرى يوم الخميس 8 تشرين الأول/أكتوبر 2026، في حد ذاته، تهديدًا وجوديًا مباشرًا للجماعة، ما لم يتحول إلى قرار من الاتحاد الأوروبي، وهو أقرب إلى رسالة تحذير وتنبيه، تستهدف إعادة ضبط سياسات الجماعة وتحجيم نفوذها، وربما دفع المؤسسات المرتبطة بها إلى العودة إلى حدود الدور الوظيفي الذي قامت به في مراحل سابقة، دون تجاوز الخطوط الحمراء.
صعوبة تصنيف جماعة الإخوان في أوروبا منظمة إرهابية
الدول الأوروبية التي تعاملت لعقود مع شخصيات ومؤسسات محسوبة على الإسلام السياسي وقادة في التنظيم العالمي للإخوان، لا تستطيع بسهولة تفكيك هذه العلاقات دفعة واحدة، كما أنّ وجود تنظيم الإخوان في أوروبا لا يرتبط بالمؤسسات الدينية وحدها، وإنّما يمتد إلى علاقات سياسية وإعلامية واقتصادية وشبكات اجتماعية نشأت عبر سنوات طويلة، وهو ما يجعل التعامل معها أكثر تعقيدًا من مجرد إصدار قرار بالحظر.
وهنا يبرز موقف إنجلترا بوصفه أحد العناصر المهمة في رسم مستقبل التنظيم الدولي للإخوان، فقد مثلت على مدار عقود إحدى الساحات التي راعت نشاط جماعة الإخوان، واستضافت شخصيات قيادية في التنظيم الدولي، وأصبحت لندن إحدى العواصم المؤثرة في علاقات الجماعة الخارجية.
ورغم أنّ المراجعة الإنجليزية الرسمية لجماعة الإخوان، التي نُشرت خلاصاتها عام 2015، تضمنت انتقادات وتحذيرات بشأن بعض جوانب إيديولوجيا الجماعة وعلاقاتها بالتطرف، فإنّ إنجلترا لم تتخذ قرارًا شاملًا بحظر التنظيم، ومن غير المتوقع أن تتجه إنجلترا حاليًا إلى تصنيف شامل للجماعة منظمة إرهابية، ورغم خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ممّا يجعل موقفها منفصلًا من الناحية القانونية عن أيّ قرار أوروبي محتمل، لكنّ تأثيرها السياسي والأمني سيظل حاضراً في أيّ قرار يخص مستقبل الإخوان.
تأثير القرار الأوروبي على التنظيم الإرهابي
الأخطر على الجماعة أنّ هذه التحولات تأتي في وقت تعاني فيه أصلًا من أزمة تنظيمية داخلية، وانقسامات في القيادة، وتراجع في قدرتها على تقديم نفسها باعتبارها تنظيمًا دوليًا موحدًا يمتلك مشروعًا سياسيًا قابلًا للحياة، فالتنظيم الذي فقد السلطة في مصر عام 2013، ودخل في صراعات قيادية ممتدة، واعتمد بصورة متزايدة على مساحات الحركة الخارجية، سوف يجد نفسه أمام تحديات إضافية إذا بدأت الدول الأوروبية في مراجعة علاقتها بمؤسساته وشبكاته، وقد يؤدي ذلك إلى تعميق الانقسامات الداخلية، خاصة إذا تراجعت الموارد المالية أو تقلصت قدرة القيادات على إدارة العلاقات الخارجية، أو فقدت المؤسسات المرتبطة بالتنظيم جانبًا من الغطاء السياسي والاجتماعي الذي تمتعت به.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%862_3.jpg.webp?itok=opQermQV)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%86%D8%AF%D9%86_14.jpg.webp?itok=vgB4JcVD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_57_3_0_0_0_4_11.jpg.webp?itok=qqW2naoC)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A7%D8%AD%D9%84_1.jpg.webp?itok=L5MvItPT)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86_20.jpg.webp?itok=5U9Or6Fg)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%88%D8%AF%D9%83%D8%A7%D8%B3%D8%AA_2.jpg.webp?itok=IoLg994Y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B4%D8%A7%D9%84_2.jpg.webp?itok=hpAzwAb7)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_200_0_0_7.jpg.webp?itok=KK4RQPr-)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B1%D8%A3%D8%A9_9.jpg.webp?itok=8NUWg0Cf)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%86%D9%87%D8%B6%D8%A9_39.jpg.webp?itok=zUad_I_U)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86_21.jpg.webp?itok=7QoqemGI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%D9%8A_7.jpg.webp?itok=wRDX_4Wm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D8%B4_4.jpg.webp?itok=PL5imNTA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86-%D8%AC1_1_11.jpg.webp?itok=XKFZ_04A)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D8%B2%D8%A99.png.webp?itok=Pr0UJDCb)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%860_3.jpg.webp?itok=nAqwYt3Q)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D9%88%D8%B2%D9%8A_2.png.webp?itok=zIM7ZHbc)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%83%D8%A7%D8%A1_0.jpg.webp?itok=zmMt-g73)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86_19.jpg.webp?itok=tsPUuxGM)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%88%D9%83%D8%B3%D9%84.jpeg.webp?itok=GEMUsrl5)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_57_3_0_0_0_4_9.jpg.webp?itok=iP0-4sjy)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_51.jpg.webp?itok=ismhmetI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)
