تونس... هل تستغل حركة النهضة حراك 17 أكتوبر لاستعادة نفوذها؟

تونس... هل تستغل حركة النهضة حراك 17 أكتوبر لاستعادة نفوذها؟

تونس... هل تستغل حركة النهضة حراك 17 أكتوبر لاستعادة نفوذها؟


18/10/2026

تجمع عدد من التونسيين صباح السبت، 17 تشرين الأول/أكتوبر الجاري، في ساحة محمد علي بالعاصمة تونس، للمشاركة في مسيرة سلمية دعا إلى تنظيمها الإطار التنسيقي للمنظمات الوطنية، تحت شعار "تونس أولًا... والشعب فوق كل اعتبار".

وقال الإطار التنسيقي للمنظمات الوطنية ومكونات المجتمع المدني إنّ المسيرة تأتي دفاعًا عن "تونس الحرية والكرامة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية".

وفي موازاة هذه التحركات، اتجهت الأنظار إلى موقف حركة النهضة والتنظيمات المتحالفة معها، وفي مقدمتها جبهة الخلاص الوطني، وسط تساؤلات بشأن مدى انخراطها في الحراك وإمكانية استثماره لتعزيز حضورها السياسي والتأثير في المشهد الداخلي التونسي.

وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع تحركات أوروبية تستهدف تشديد الرقابة على شبكات مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين؛ إذ أقرّ البرلمان الأوروبي، في 8 أكتوبر الجاري، قرارًا يدعو إلى تبنّي استراتيجية أوروبية لمواجهة نفوذ هذه الشبكات وتعزيز الرقابة على التمويلات، مع طرح مسألة إدراج أشخاص وتنظيمات مرتبطة بها في قوائم الإرهاب.

وتفتح هذه التطورات الباب أمام تساؤلات بشأن انعكاساتها المحتملة على حركة النهضة، وقدرتها على الحفاظ على حضورها السياسي والتنظيمي، في ظل تغير المواقف الأوروبية تجاه الجماعة وشبكاتها.

حركة النهضة بين الخصوصية التونسية والارتباط بالإخوان

قال الخبير الأمني التونسي علي الزرمديني، في تصريحات خاصة لـ "حفريات": إنّ حركة النهضة تتمتع بخصوصية سياسية تميزها عن بقية فروع جماعة الإخوان المسلمين، رغم ارتباطها بها، بحسب تقديره، على مستوى الفكر والعقيدة والمنهج التنظيمي.

وأوضح الزرمديني أنّ الحركة تتبنّى نهجًا يركز على مقتضيات الواقع السياسي الداخلي، وتسعى إلى إبعاد نفسها، ولو ظاهريًا، عن التجاذبات الخارجية المرتبطة بالتنظيم الدولي للإخوان المسلمين، رغم استمرار ارتباطها الفكري والتنظيمي بهذا التيار.

ولفت إلى أنّ التنظيمات المرتبطة بالإخوان تواجه تحديات وتحولات في عدد من الدول الغربية، من بينها الولايات المتحدة وبريطانيا، فضلًا عن دول أوروبية، خصوصًا ألمانيا والنمسا، مشيرًا إلى أنّ تباين السياسات تجاه هذه التنظيمات يفرض عليها التعامل مع بيئة سياسية متغيرة.

وأضاف أنّ حركة النهضة تحاول تكريس ما تصفه بـ "الخصوصية التونسية"، وقد عبّرت قياداتها مرارًا عن هذا التوجه بهدف تقديمها باعتبارها تنظيمًا له جذور محلية ومنهج سياسي مستقل. غير أنّه رأى أنّ هذا الخطاب لا يعكس، من وجهة نظره، حقيقة ارتباطاتها الفكرية والتنظيمية بجماعة الإخوان المسلمين.

وتابع الزرمديني أنّ وجود عدد من قيادات الحركة خارج تونس، إلى جانب ما وصفه بتمركز جانب من مواردها المالية في الخارج، يدفعها إلى تبنّي مقاربة براغماتية في التعامل مع الأوضاع الداخلية، ومحاولة الاستفادة من الظروف الاقتصادية والاجتماعية في تحركاتها السياسية والتنظيمية.

أزمة القيادة والموارد المالية

وشدد الخبير الأمني على أنّ حركة النهضة تمر، بحسب تقديره، بحالة من الوهن السياسي، عازيًا ذلك إلى وجود عدد من قياداتها المؤثرة في السجون، ومعتبرًا أنّ هذه القيادات كانت تضطلع بأدوار رئيسية في صياغة الخطاب السياسي وتحديد مسارات الحركة وإدارة تحركاتها.

وأضاف أنّ الجانب المالي يمثل عنصرًا مهمًا في بنية الحركة، مشيرًا إلى الدور الذي ينسبه إلى رئيسها راشد الغنوشي في إدارة مواردها المالية. ولفت إلى دور نجله معاذ الغنوشي، الموجود خارج تونس، الذي شغل سابقًا منصب رئيس ديوان والده، معتبرًا أنّ وجوده في الخارج قد يتيح له دورًا في إدارة بعض الملفات المالية والتنظيمية المرتبطة بالحركة.

ورأى الزرمديني أنّ تراجع الحضور الاجتماعي والشعبي لحركة النهضة يدفعها إلى محاولة الانخراط في التحركات الداخلية وإبراز عناصرها ضمنها، بهدف تأكيد استمرار حضورها وتأثيرها في الشارع التونسي.

وحذّر من احتمال لجوء الحركة إلى التحرك بعيدًا عن الأضواء، معتبرًا أنّ نشاطها غير المعلن قد يكون، من وجهة نظره، أكثر حضورًا من تحركاتها العلنية.

وفي ما يتعلق بانعكاسات التحركات الأوروبية ضد جماعة الإخوان المسلمين على حركة النهضة، قال الزرمديني: إنّ هذه التحركات قد تؤثر فيها بدرجة نسبية، لكنّه استبعد أن يكون تأثيرها مماثلًا بالضرورة لما قد تتعرض له تنظيمات أخرى مرتبطة بالجماعة، لا سيّما التيار الإخواني المصري، الذي وصف حضوره في أوروبا بأنّه متجذر.

وأوضح أنّ حركة النهضة استفادت، وفق تقديره، من تقديم نفسها في الأوساط الغربية باعتبارها نموذجًا لما يُعرف بـ "الإسلام المعتدل" أو "الإسلام الديمقراطي". وأشار إلى أنّ هذا الخطاب حظي بقبول لدى بعض الأوساط السياسية الأوروبية التي تعاملت مع الحركة باعتبارها نموذجًا للتوفيق بين المرجعية الإسلامية والممارسة السياسية الديمقراطية.

واختتم الزرمديني تصريحاته بالإشارة إلى أنّ التحولات في المواقف الأوروبية تجاه جماعة الإخوان المسلمين قد تضع هذا النموذج أمام اختبارات جديدة، وتثير تساؤلات بشأن قدرة حركة النهضة على الحفاظ على صورتها الخارجية ومواصلة توظيف خطابها السياسي في ظل تصاعد التدقيق الأوروبي في أنشطة التنظيمات والشبكات المرتبطة بالجماعة.

مسيرة 17 أكتوبر... خلفيات نقابية وحسابات سياسية

من جانبه، دعا الكاتب التونسي المتخصص في العلوم السياسية منذر ثابت، في تصريحات خاصة لـ "حفريات"، إلى التمييز بين الخلفيات التنظيمية لتحرك 17 أكتوبر الجاري وأبعاده السياسية، موضحًا أنّ المسيرة تأتي، في الأساس، بمبادرة من الاتحاد العام التونسي للشغل، بدعم من الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان والهيئة الوطنية للمحامين بتونس.

وأوضح ثابت أنّ التحرك يأتي على خلفية الضغوط التي يواجهها الاتحاد من جانب السلطة، ولا سيّما إلغاء الاقتطاع الآلي لاشتراكات المنخرطين وإنهاء التفرغ النقابي لعدد من الكوادر. وقال إنّ هذه الإجراءات انعكست، بحسب تقديره، على الأوضاع المالية للمنظمة وقدرتها على إدارة شؤونها الداخلية، بما في ذلك الوفاء بالتزاماتها تجاه العاملين والمنتسبين إلى هياكلها ومواصلة تسويغ مقراتها.

وأضاف أنّ هذه العوامل تمهد لعودة التصعيد في العلاقة بين الاتحاد والسلطة، بالتزامن مع انتخاب صلاح الدين السالمي أمينًا عامًا جديدًا للمنظمة النقابية. واعتبر أنّ التحرك يتجاوز المطالب المهنية والاجتماعية، ليشكل اختبارًا جديدًا للعلاقة بين الطرفين في ظل تعقيدات المشهد السياسي التونسي وتباين مواقف القوى الفاعلة فيه.

ولفت ثابت إلى أنّ مسيرة 17 أكتوبر قد تمثل أيضًا فرصة لإذابة الجليد بين الاتحاد العام التونسي للشغل والرئيس قيس سعيّد، بعدما ساند الاتحاد إجراءات 25 يوليو 2021، قبل أن تشهد العلاقة بين الطرفين تباينات بشأن موقع المنظمة النقابية ودورها في المشهد السياسي.

وأشار إلى أنّ الاتحاد اصطفّ، خلال مرحلة سابقة، إلى جانب مسار سعيّد في مواجهة الإسلام السياسي، انطلاقًا من تقييم سلبي لأداء القوى التي شاركت في إدارة البلاد خلال العقد الذي أعقب الثورة، وهي المرحلة التي وصفها خصوم تلك القوى بـ "العشرية السوداء".

جبهة الخلاص ومحاولة استثمار الحراك

وفي ما يتعلق بموقف المعارضة، قال ثابت إنّ جبهة الخلاص الوطني قد تنظر إلى التحرك باعتباره فرصة لمحاولة استعادة زخمها في الشارع، مستفيدة من الثقل الاجتماعي والرمزية التاريخية للاتحاد العام التونسي للشغل، وما يمثله من قدرة على التعبئة والتأثير في قطاعات واسعة من المجتمع.

وأضاف أنّ الرئيس قيس سعيّد لم يمنح الاتحاد الدور السياسي الذي اضطلع به في مراحل سابقة منذ عام 2011، الأمر الذي أتاح للمعارضة، بحسب قراءته، النظر إلى مسيرة 17 أكتوبر باعتبارها فرصة للعودة إلى الساحة الاجتماعية، التي ظل الاتحاد أحد أبرز الفاعلين فيها.

الحزب الدستوري الحر ومراجعة التحالفات

وفي سياق متصل، أشار ثابت إلى أنّ الحزب الدستوري الحر، بقيادة عبير موسي، يشهد تحولات سياسية لافتة خلال الفترة الأخيرة، في ضوء تحركات تستهدف البحث عن حد أدنى مشترك بين الأحزاب وتجاوز بعض الخلافات والخصومات السابقة.

ولفت إلى أنّ هذه التحولات قد تمهد، بحسب تقديره، لمشاركة الحزب بصورة أكثر انفتاحًا في التحركات المعارضة للسلطة، والبحث عن موقع ضمن طيف سياسي سبق أن اتخذ الحزب مواقف رافضة من بعض مكوناته، على خلفية ارتباطها بمسار الربيع العربي والثورة التونسية.

وأضاف أنّ هذا التوجه قد يعكس مراجعة لبعض الخيارات السياسية السابقة للحزب، لا سيّما موقفه من المسار الذي انتهى بحل البرلمان الذي كان راشد الغنوشي يرأسه، والإجراءات التي اتخذها الرئيس قيس سعيّد في 25 يوليو 2021، وأعادت تشكيل موازين السلطة ورسخت تركّز الصلاحيات في مؤسسة الرئاسة.

وشدد ثابت على أنّ النقاش بشأن العلاقة مع الإسلام السياسي لا يقتصر على مواقف شخصيات بعينها داخل الحزب الدستوري الحر، بل قد يمتد إلى توجهات الحزب ككل. واعتبر أنّ المرحلة الراهنة تطرح احتمال الانتقال من منطق القطيعة إلى مقاربة أكثر براغماتية، تقوم على تنسيق المواقف المناهضة للرئيس قيس سعيّد، مع تأجيل الخلافات الإيديولوجية إلى مرحلة لاحقة.

وأوضح أنّ التحالفات العابرة للإيديولوجيات ليست جديدة في المنطقة، مستشهدًا بتجارب مصرية وتونسية شهدت تقاطعات بين قوى سياسية مختلفة في مواجهة أنظمة الحكم. وأشار إلى تجربة حركة "كفاية" في مصر، وما شهدته الساحة السياسية المصرية من تقاطعات بين أطراف إسلامية وقوى وشخصيات ليبرالية، فضلًا عن التحركات التي سبقت الإطاحة بالرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي عام 2011.

ورأى أنّ بعض ملامح هذه التجارب قد تتكرر في المشهد التونسي، في إطار محاولات تشكيل تحالفات سياسية واسعة لمواجهة السلطة والدفع نحو مسار سياسي جديد قد يُقدَّم باعتباره نسخة ثانية من الربيع التونسي.

الضغوط الأوروبية وتحديات الإسلام السياسي

وفي معرض حديثه عن التطورات الإقليمية والدولية، لفت ثابت إلى أنّ التحركات والإجراءات التي تستهدف فروع جماعة الإخوان المسلمين وشبكاتها في عدد من الدول الغربية قد تفرض ضغوطًاً متزايدة على التنظيمات المرتبطة بها في المنطقة العربية، لا سيّما في ظل توجهات أمريكية وأوروبية نحو تشديد الرقابة على أنشطتها ومصادر تمويلها وعلاقاتها التنظيمية.

وأشار إلى أنّ الإجراءات والتصنيفات الأمريكية المتعلقة بجهات وفروع مرتبطة بالإخوان المسلمين في عدد من الدول، من بينها الأردن ومصر والسودان ولبنان واليمن، تمثل، بحسب تقديره، عامل ضغط إضافيًا على هذه الشبكات، بالتزامن مع التحركات الأوروبية الرامية إلى تعزيز الرقابة على التمويل والأنشطة المرتبطة بها.

وأضاف أنّ هذه التطورات قد تحد من قدرة الشبكات المرتبطة بالتنظيم على الربط بين الجهات الممولة والهياكل التنظيمية والأنشطة الدعائية التي تستهدف دعم الفروع المحلية في المنطقة العربية، ولا سيّما في شمال أفريقيا.

وأكد ثابت أنّ تيارات الإسلام السياسي قد تجد نفسها، في ظل هذه المعطيات، أمام ضرورة إعادة ترتيب أولوياتها والبحث عن مساحات جديدة للحركة، بما يشمل الانخراط في تحركات ذات مطالب نقابية أو اقتصادية أو بيئية أو غيرها من القضايا المحلية.

وتابع أنّ التنظيمات المحسوبة على الإسلام السياسي قد تسعى إلى المشاركة في التحركات الاجتماعية المعارضة للسلطات، حتى عندما تكون مطالبها جزئية أو محلية، بهدف توسيع نطاق حضورها والتأثير في موازين القوى على المدى الطويل، وفق ما وصفه بمنطق تراكمي يقوم على تحقيق مكاسب تدريجية.

وأشار ثابت إلى أنّ خسارة المساحات المتاحة أمام الإسلام السياسي في أوروبا قد تمثل تحديًا استراتيجيًا لهذه التنظيمات، معتبرًا أنّ الفضاء الأوروبي لم يكن مجرد ساحة للنشاط السياسي، بل شكّل أيضًا منصة للتواصل والدعاية، ومجالًا للتحرك المالي والتنظيمي، ونافذة للتفاعل مع المؤسسات والهيئات المعنية بحقوق الإنسان.

وأوضح أنّ تراجع هذه المساحات، إذا اقترن بإجراءات فعلية تحد من التمويل والتحركات التنظيمية، قد يؤثر في قدرة هذه التيارات على الحفاظ على شبكاتها الخارجية والاستفادة منها في دعم أنشطتها داخل المنطقة العربية.

وأضاف أنّ أهمية هذه التطورات تكمن، من وجهة نظره، في أنّها قد تستهدف بعض الأدوات التي ساعدت التنظيمات المرتبطة بالإسلام السياسي على توسيع حضورها خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، ثم استثمار التحولات السياسية التي شهدتها المنطقة العربية لاحقًا لتعزيز نفوذها والعودة إلى صدارة المشهد في عدد من الدول.

وفي ضوء هذه المعطيات، تظل مسيرة 17 أكتوبر اختبارًا لمواقف القوى السياسية والنقابية في تونس، وتبقى قدرة حركة النهضة على الاستفادة من الحراك، ومدى تأثرها بالتحولات الأوروبية، مسألتين ترتبطان بتطورات المشهد الداخلي ومآلات الضغوط السياسية والتنظيمية في المرحلة المقبلة.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية