من الطين والخشب... فلسطينيون يبنون بدائل لبيوتهم المدمرة في غزة

من الطين والخشب... فلسطينيون يبنون بدائل لبيوتهم المدمرة في غزة

من الطين والخشب... فلسطينيون يبنون بدائل لبيوتهم المدمرة في غزة


15/10/2026

بعد تدمير منزلها في مخيم جباليا شمالي قطاع غزة، لجأت سماح شاهين (47 عاماً)، التي قتل زوجها خلال الحرب الإسرائيلية على غزة، إلى الخشب لبناء مأوى يحمي أسرتها من العراء، في ظل تراجع خيارات الإيواء واشتداد أزمة السكن.

وداخل بيتها الخشبي تواجه جدراناً هشة ومساحة ضيقة تفتقر إلى الخصوصية، وتحاول تعويض منزلها المدمر بملاذ مؤقت يقي أسرتها قسوة النزوح.

وقدّر التقييم النهائي للأضرار والاحتياجات في غزة، الصادر في 20 نيسان/أبريل 2026 عن الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي، عدد الوحدات السكنية المدمرة أو المتضررة بأكثر من 371888 وحدة.

ويشير التقييم الأممي نفسه إلى نزوح نحو 1.9 مليون شخص، كثير منهم نزحوا مرات متعددة، وإلى أنّ أكثر من 60% من السكان فقدوا منازلهم.

ووفق تقرير للمنظمة الدولية للهجرة، في تشرين الأول/أكتوبر 2026، فإنّ قرابة مليوني شخص يحتاجون إلى دعم الإيواء، وإنّ المساعدات المتاحة لم تغطِ سوى 17% من الاحتياجات المقدرة.

وأفادت المنظمة بأنّ أكثر من 3600 منشأة اعتُبرت غير آمنة إنشائياً حتى آب/أغسطس 2026، محذرة من مخاطر الفيضانات مع اقتراب الشتاء.

بيت من الخشب

تقول شاهين: "لم أتخيل أن أبني بيتاً من الخشب بعدما كان لي منزل يجمع أسرتي، فلم أفقد الجدران وحدها، بل فقدت ذكرياتنا وتفاصيل حياتنا التي لم أتصور أن يأتي يوم أحرم منها".

وتوضح: "خلال النزوح كان أكثر ما يؤلمني أنني لا أعرف أين سننام في الليلة التالية، ولا كيف سأحمي أطفالي من البرد والخوف، لذلك قررت بناء مأوى بسيط بعدما ضاقت أمامنا الخيارات".

وتتابع: "جمعت وأبنائي قطع الخشب والألواح المتاحة، وحاولت تثبيتها لتكوين مساحة تؤوينا، ولم أختر هذه المواد لأنّها الأنسب، بل لأنّها المتاحة، وكل ما أردته سقفاً يحمينا من العراء".

وتواصل شاهين: "أعيش بقلق كلما اشتدت الرياح أو تغير الطقس، وأخشى ألا تصمد الجدران والسقف، ولا أريد بيتاً فاخراً، بل أريد مأوى آمناً لا أبقى فيه خائفة على أطفالي".

وتبين: "الخشب وفر لنا مكاناً نلجأ إليه، لكنّه لم يوفر مقومات الحياة الكريمة، وما زلنا نواجه صعوبات في تأمين احتياجاتنا الأساسية، والحفاظ على النظافة والخصوصية داخل مساحة ضيقة".

وتشرح: "أكثر ما يؤلمني أن يكبر أبنائي وسط هذه الظروف من دون مكان آمن يمنحهم الراحة والاستقرار، فأحاول حمايتهم بما أملك، لكنني لا أستطيع تعويضهم عن المنزل الذي فقدناه".

وتضيف شاهين: إنّ "هذا المأوى ليس بيت أحلامي، ولا أريده أن يصبح واقعنا الدائم، وأتمنى العودة إلى منزل ثابت يوفر لنا الأمان، ولا أملك سوى التمسك بما استطعت توفيره".

وتؤكد شاهين: "نحن لا نطلب رفاهية، بل منزلاً يحمي أطفالنا ويصون كرامتنا، واستطعت أن أبني سقفاً من الخشب، لكنني لا أستطيع وحدي استعادة الأمان الذي فقدناه، نحتاج إلى مساكن آمنة ودعم يتيح لنا بدء الحياة من جديد".

مأوى من الطين

ويقول أحمد القيشاوي، من بلدة بيت لاهيا شمال قطاع غزة: "كنت أعيش في منزلي قبل أن تدمره الطائرات الإسرائيلية أثناء الهجوم الإسرائيلي على البلدة، ولم أتخيل أن أجد نفسي يوماً بلا مأوى، وبعد خسارة البيت، اضطررت إلى بناء مأوى من الطين، مستخدماً المواد المتاحة وإمكاناتي المحدودة".

ويضيف القيشاوي (44 عاماً): "لم يكن ذلك خياراً، بل محاولة لحماية أسرتي من حرارة الصيف والشتاء، بعدما فقدنا المكان الذي جمعنا لسنوات".

ويوضح: "بدأت تجهيز الطين وتشكيل الجدران بوسائل بسيطة، رغم صعوبة العمل ونقص المواد، وكنت أفكر في توفير سقف يحمينا، لا في بناء منزل متكامل، فإعادة الإعمار تحتاج إلى إمكانات لا أملكها، وكل ما أردته هو مكان أستطيع اللجوء إليه بدلاً من البقاء بلا مأوى".

ويتابع: "أكثر ما يقلقني هو الأمطار والرياح، فالمأوى الطيني يحتاج إلى تدعيم وحماية مناسبين، ولا أشعر بالأمان الكامل، وأخشى أن تتضرر الجدران مع تغير الطقس، وحاولت أن أجعل المكان صالحاً للعيش، لكنّ الإمكانات المتاحة لا تسمح لي بتوفير الحماية التي يوفرها المنزل الحقيقي".

ويضيف: "لم تنتهِ المعاناة ببناء المأوى، فما زلنا نواجه صعوبات في تلبية احتياجاتنا اليومية، وتأمين مساحة مناسبة للعيش بخصوصية وكرامة، فالطين وفر لنا جدراناً تؤوينا، لكنّه لم يعوضنا عن الخدمات الأساسية ولا عن الاستقرار الذي فقدناه بتدمير منزلنا".

ويواصل: "أشعر بالحزن كلما تذكرت منزلي السابق، وما احتضنه من ذكريات وتفاصيل حياتنا، فلم تكن خسارته فقداناً للمبنى وحده، بل بداية رحلة جديدة من المشقة ومحاولات تدبير أبسط احتياجاتنا، وأحاول التكيف مع الواقع، لكنني لا أريد أن يصبح هذا المأوى المؤقت مصيراً دائماً لأسرتي".

ويشرح القيشاوي: "لا أريد أكثر من منزل آمن يحمي أسرتي من البرد والمطر، ويمنحنا حياة كريمة، وقد بنيت مأوى من الطين لأنني لم أجد بديلاً، لكنني لا أستطيع إعادة بناء منزلي وحدي، ونحن بحاجة إلى دعم حقيقي ومواد بناء مناسبة، حتى لا يبقى الناجون من الحرب مضطرين إلى ابتكار ملاجئ بدائية لتعويض بيوتهم المدمرة".

بدائل لا تخلو من المخاطر

ويرى المهندس بشركة إعمار للاستشارات الهندسية أسامة الشرفا أنّ "بدائل بيوت أهل غزة في الوقت الحالي، وتحديداً البيوت الطينية، تعتمد متانتها على نوع التربة وطريقة البناء وجودة الأساسات والسقف، ورغم أنّ الطين يوفر عزلاً حرارياً جيداً، فإنّه يتأثر بالأمطار والرطوبة إذا لم تتم حماية الجدران بصورة مناسبة".

ويضيف الشرفا: "تتمثل مخاطر بيوت الطين والأخشاب في ضعف الأساسات، وتآكل الجدران بفعل المياه، وعدم استقرار الأسقف، واستخدام مواد غير ملائمة، ممّا قد يهدد سلامة السكان، خصوصاً في غياب الإشراف الهندسي".

ويتابع: "يمكن أن يصبح البناء بالطين بديلاً آمناً ومؤقتاً للمنازل المدمرة، بشروط هندسية تشمل إنشاء أساسات مستقرة، وحماية الجدران من الرطوبة، وتأمين سقف متين، لكنّ سلامة كل مأوى تتطلب تقييماً فنياً وفق ظروف الموقع والمواد المستخدمة".

ويوضح أنّه "يمكن إعادة استخدام بعض الأنقاض والمواد المحلية بعد فحصها والتأكد من صلاحيتها وخلوها من الملوثات والمخاطر لبناء منازل جديدة، ولا يجوز استخدام الأنقاض عشوائياً دون تقييم هندسي يضمن سلامة البناء".

ويؤكد الشرفا أنّ "البدائل الحالية تمثل حلاً اضطرارياً لتوفير مأوى مؤقت للأسر المتضررة، لكنّها لا تغني عن إعادة الإعمار، فالحل المستدام يتطلب مساكن آمنة ومواد بناء مناسبة وخدمات أساسية تحفظ كرامة السكان.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية