من يملك روح الناس؟.. الصراع على اختطاف التدين الشعبي في مصر (1)

من يملك روح الناس؟.. الصراع على اختطاف التدين الشعبي في مصر (1)

من يملك روح الناس؟.. الصراع على اختطاف التدين الشعبي في مصر (1)


14/10/2026

لا يعترف أصحاب التدين النصي الإيديولوجي بشيء اسمه "تدين العامة"، أو "التدين الشعبي" كما اصطلحنا على تسميته؛ بل ينكرون وجوده من الأساس. ففي إدراكهم المنهجي والإيديولوجي لا وجود لمساحة مستقلة أو لتعبير أصيل خارج أسوار المؤسسة الدينية الرسمية والنصية. إنّهم يتعاملون مع هذا الموروث الواسع باعتباره فراغاً إيديولوجياً دينياً، يجب السيطرة عليه وملؤه بالضرورة. ومن هنا بالضبط انطلق شعار "أسلمة المجتمع" كمهمة استراتيجية كبرى لجماعات هذا التيار الموقر والمعترف به إيديولوجياً، متجاوزاً كل الأشكال التلقائية التي عاش بها الناس عقوداً طويلة. ليس هناك، في رأيهم، إذن، إسلام في الشارع أو في الوجدان الجمعي البسيط، بل جموع من فاقدي الدين أو التائهين الذين يجب إخضاعهم لنسق معرفي وسلوكي صارم. والمفارقة أنّ الإسلام، حسب عقيدتهم ورؤيتهم، هو "دين الفطرة"، ومع ذلك، فإنّ ما فطر عليه هؤلاء العامة ومارسوه بالاعتياد والتوارث لا يُعدّ إسلاماً في نظرهم، بل يُنظر إليه بوصفه فراغاً وجهلاً، بافتراض حسن النية لدى العامة، أو أو بوصفه تديناً منحرفاً يجانب الجادة الصحيحة، بافتراض تعمد الانحراف الذي يستدعي التكفير.

إنّ استخدامنا لتعبيرات "أحسن" و"أسوأ" هنا لا يعبّر عن قيمة مطلقة، بل يترجم الكيفية التي ينظر بها هؤلاء "العالمون بالدين" إلى ممارسات العامة واعتقاداتهم. ففريق منهم يتعامل مع هذا "الفراغ الديني المزعوم" بمنهج إصلاحي أو تدريجي؛ إذ لا تخرج مهمتهم عن ملء هذا الفراغ بما يسمونه "صحيح الدين" عبر التوعية والخطاب الموجه. أمّا الفريق الآخر، الذي يرى في هذا التدين الشعبي "جاهلية" أو "انحرافاً جذرياً"، فتبدو مهمته ثقيلة، بل محملة بالرفض والقطيعة؛ إذ تقضي هذه المهمة بشن حرب فكرية وعملية على هذا التدين، وقمعه، وإبادة رموزه الثقافية والنفسية، تمهيداً لبناء "صحيح الدين" على أنقاض ذاكرة الناس وتاريخهم.

ساحة الصراع الرمزي 

إنّ التدين الشعبي، بخصائصه المتمثلة في المحلية والتلقائية والنزوع الروحي العاطفي الذي يتجلى في التوسل والتبرك والموالد والطقوس الاجتماعية اليومية، لم يكن يوماً مجرد ممارسات طقسية عابرة أو هيئة عبادة مجردة، بل شكّل على الدوام إطاراً اجتماعياً وحضارياً ضابطاً للعيش المشترك، ومحدداً أصيلاً لآليات التضامن والتكافل، وصمام أمان يمنح العامة قدرة مستمرة على إنتاج معانيهم الخاصة عن الدين والحياة بعيداً عن السلطة ونزعات الهيمنة.

من هنا، تُمثّل بنية التدين الشعبي في مصر مجالاً سوسيولوجياً وإيديولوجياً متنازعاً عليه، تشتبك فيه ثلاث قوى رئيسية تتصارع على امتلاك عالم الرمز والدلالة، واحتكار حق التحدث باسم المقدس وتوجيه السلوك الجمعي؛ إذ تتشكل القوة الأولى من جماعات الإسلام السياسي بأطيافها الإيديولوجية والسلفية، التي تنظر إلى هذا التدين بريبة وتعدّه انحرافاً عقائدياً أو جاهلية معاصرة يجب استئصالها وإعادة إخضاعها لأطر حركية وصارمة. بينما تتمثل القوة الثانية في المؤسسات الدينية الرسمية التابعة للدولة، التي تسعى دوماً لتدجين هذا الموروث وضبطه تحت مظلة شرعيتها الفقهية والتنظيمية للسيطرة على الشارع الديني وتحديد حدوده المسموح بها. أمّا القوة الثالثة والأعمق جذوراً، فهي البنية الفطرية العفوية للمجتمع، وهي الكتلة الحية الممتدة التي تشكلت عبر المتبقي الثقافي والخبرة التاريخية الضاربة في عمق الشارع المصري، وتستمد بقاءها من مرونتها وقدرتها على الاستمرار والتجدد خارج أطر التأطير والوصاية.

محاصرة التدين الشعبي

منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي، دشن التيار الإسلامي؛ برافديه المتنافسين على الهيمنة، السلفي والإخواني، مشروعاً ممنهجاً لاختراق بنية التدين الشعبي وإعادة صياغتها، بهدف تجريف طابعها العفوي المحلي، وإحلال تدين إيديولوجي مؤطر مكانه. وقد اختلف التجسيد السوسيولوجي لأساليب هذا الاختراق باختلاف الغايات التنظيمية والرؤية العقائدية لكل مكون. إذ اتخذ التيار السلفي من المنبر والمسجد والحقل الفقهي المباشر أداةً لعملية تطهير عقائدي، خاض من خلالها مواجهة صريحة مع المظهر الصوفي والموالد والطقوس الرمزية للعامة، مخترقاً الوجود الاجتماعي الشعبي عبر فرض ديكتاتورية التفاصيل السلوكية؛ حيث أُعيد تعريف الحياة اليومية وأبسط أفعالها العفوية عبر ثنائية صارمة من الحظر والإباحة، والتحريم والوجوب، ممّا أدى إلى خلخلة الشبكات الثقافية التقليدية للحارة والحي.

في المقابل، صمم تنظيم الإخوان المسلمين استراتيجية اختراق شبكية براغماتية، تتأسس على مفهوم العمل الشعبي الناعم، وتقديم البديل الوظيفي لمؤسسات الدولة العاجزة. وتجلى ذلك في التغلغل العميق داخل الجمعيات الأهلية، والمستوصفات الطبية، والنقابات المهنية، وسلاسل التكافل الخدمي؛ حيث جرت عملية تسليح وأدلجة ناعمة للخدمات الاجتماعية، لتتحول الأزمات المعيشية، والتعاطف الإنساني الطبيعي لدى الطبقات الشعبية تجاه مقدمي الخدمات البديلة، إلى ولاء تنظيمي ومخزون تعبوي للعملية السياسية والانتخابية. وقد تحاشى التنظيم الصدام العقائدي المباشر مع الطقوس الشعبية، مفضلاً احتواءها وتجييرها تدريجياً لصالح مشروعه التمكيني.

مسارات الاختراق والهيمنة

تكاملت هذه الخطوات عبر ثلاث مراحل متتالية أدت إلى تغيير كلي في طبيعة التدين؛ إذ اعتمدت المرحلة الأولى على الاستناد إلى وقائع حقيقية لإضعاف المرجعيات التقليدية وإسقاط هيبة رموز الدين المحلي، وذلك عبر هزّ ثقة الناس بعلماء الأزهر بتصويرهم كموظفين لدى السلطة، ومهاجمة مشايخ الطرق الصوفية بوصفهم حراساً "للبدع والخرافات"، ممّا أحدث فراغاً كبيراً في الأحياء والدروب الشعبية. ثم تجلت المرحلة الثانية في القضاء على العفوية والتلقائية في السلوك الديني، وربط تفاصيل الحياة اليومية بالفتوى المباشرة؛ حيث تحولت الأمور العادية، من المأكل والملبس والعلاقات الأسرية، من ممارسات بسيطة إلى حالة قلق دائم تتطلب رأي شيخ أو موجه لإجازتها. لتأتي المرحلة الثالثة متمثلة في تنظيم المشاعر الدينية واحتوائها؛ إذ أُعيدت صياغة أعمال الخير والتكافل، لتُنتزع من روحها الشعبية التلقائية وتتحول إلى أدوات تنظيمية لحشد الناس وكسب ولاءاتهم.

وقد اعتمد نجاح هذا التغلغل على النفوذ إلى مناطق هشة في التدين الشعبي نفسه؛ حيث جرى استغلال الحس الذكوري الموروث لتعميق تهميش المرأة وتحجيم دورها، وتمّ استغلال الانتماء الديني الوجداني للولوج منه وتحويل العاطفة الشعبية إلى حالة من الشحن والتوجس تجاه الأقباط وإضعاف روابط الجوار التاريخية. وقد أدت هذه المسارات المتتابعة إلى تجريف قيم "التدين الفطري" البسيط القائم على التسامح، والستر، والشهامة، والعيش المشترك، وإحلال "تدين مظهري" محله، يقوم على الالتزام الصارم بالشكل واستعراض الشعارات والأفكار.

وعلى الضفة المقابلة، لم تكن مؤسسات الدولة الدينية، ممثلةً في الأزهر الشريف، ووزارة الأوقاف، ودار الإفتاء، مجرد مراقب لهذه التحولات، بل خاضت، بالتوازي مع الأجهزة التنفيذية والأمنية، محاولات حثيثة لبسط السيطرة على الحيز الديني وضبط التدين الشعبي؛ بغرض توظيفه لخدمة الاستقرار الاجتماعي والشرعية السياسية. واستندت الدولة في هذا المسار إلى آليات مؤسسية وبيروقراطية، كان في صدارتها تأميم المساجد والزوايا الأهلية، وتحويل الإمام من شخصية محلية متداخلة مع وجدان مجتمعه إلى موظف ملتزم بخطبة موحدة وموجهة. وسعت إلى احتكار الفتوى وتنظيم الطرق الصوفية عبر مجلسها الأعلى، ورعاية الموالد الكبرى لاستثمار حضورها الجماهيري سلاحاً في مواجهة مد التنظيمات الراديكالية.

غير أنّ هذه المحاولات الرسمية ظلت تصطدم بعوائق عملية؛ أبرزها توجس الشارع من الخطاب المؤسسي المرتبط بالسياسات الحكومية، مقارنة بالخطاب العاطفي والدعوي للشبكات المستقلة، فضلاً عن مرونة التدين الشعبي وتمنّعه التاريخي على الضبط الإداري والتحجيم البيروقراطي. وهكذا، وقع التدين الشعبي في مساحة احتكاك واختراق مزدوجة: تقاذفته مساعي الإيديولوجيا الحركية لإعادة تشكيله من جهة، ورغبة الهيمنة البيروقراطية في ضبطه واحتوائه من جهة أخرى. وهو ما أحدث بالفعل تأثيرات ملموسة وضغوطاً على بعض جوانبه ومظاهره، دون أن يفلح في تفكيك جوهره أو خلخلة تكوينه الأصيل العصي على المحو.

إنّ فهم حدود التأثير الذي أحدثته هذه القوى لا يتوقف عند كفاءة الاستراتيجيات والآليات الخارجية وحدها، بل يتطلب غوصاً تحليلياً في المكونات الداخلية للتدين الشعبي ذاته. فبالرغم من القوة الرمزية والمرونة التاريخية التي تميز بها هذا الموروث السلوكي والفطري، إلا أنّه لم يكن قلعة حصينة بالكامل؛ إذ اختبأت في صميمه مجموعة من الثغرات المنهجية والمفاهيمية التي شكلت "منافذ رخوة" سهلت مهمة الاختراق الإيديولوجي. فقد أُعيد توظيف بعض الخصائص الأصيلة للتدين الشعبي، كالاعتماد على الثقافة الشفاهية، والنزعة التسليمية العفوية، والتعلق العاطفي الصادق بالرموز، وتفضيل البساطة الفطرية على التعقيد الفقهي التوثيقي؛ حيث جرى استغلال هذه السمات، التي كانت مصدر مرونة وتعايش مجتمعي، وتحويلها إلى ثغرات نفذ منها الخطاب النصي المباشر، لإضعاف قيم التسامح والعيش المشترك، وإحلال نسق جاف محلها يُقيّد العاطفة الفطرية ويشترط الانضباط المظهري الصارم للإيمان. وهو ما يدعونا في الجزء الثاني من هذا المقال إلى الغوص تفصيلياً في تلك المناطق الرخوة، وكيفية تغلغل الخطاب النصي من خلالها للتأثير في أركان هذا التدين وإعادة صياغته من الداخل.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية