
تمارس التنظيمات الدينية العديد من الآليات التي تساعدها على الاستمرار والبقاء، وتمنحها القدرة على ترسيخ شرعيتها وكسب المزيد من الأنصار وتحقيق قدر أكبر من التعاطف الشعبي. بعض هذه الآليات يمكن إدراجه تحت ما يُعرف بـ "الحيل الدفاعية" التي من خلالها تعمل التنظيمات على تطهير ذاتها من أيّ خطأ أو عيب، ونفي أيّ مسؤولية عن نفسها فيما يحدث لها من إخفاقات أو أزمات وفيما تدخل فيه من صراعات، وإرجاع ذلك إلى أسباب وعوامل خارجية، وتعمل من خلالها على إسكات المعارضين لها والمنتقدين لممارساتها حتى وإن كانوا من داخلها، ومن هذه الحيل الدفاعية تلك القاعدة الشهيرة التي تستخدمها عدة تنظيمات، والتي تقول إنّه "لا يُفتي قاعدٌ لمجاهد". فما حقيقة هذه القاعدة، وهل لها أصل فقهي أو أصولي، وكيف توظفها التنظيمات في إلقاء مسؤولية إخفاقها على أسباب خارجية، وكيف يتم من خلالها قمع الرأي الآخر؟
أصل القاعدة ومعناها
تعني هذه المقولة، وفق الاستخدام الشائع لها لدى التنظيمات الدينية، أنّه لا ينبغي لمن يتخلف عن الجهاد ولا يقوم بواجبه تجاهه كفريضة دينية أن يقول رأياً شرعياً فيما يتعلق بأعمال الجهاد التي تمارسها التنظيمات، سواء كان ما تقوم به التنظيمات يدخل في إطار الجهاد المشروع، كما هو الحال في فعل المقاومة التي يدافع من خلالها تنظيم أو تيار ما عن أرضه حال احتلاله، مثلما يحدث في فلسطين، أو كان لا يدخل في إطار الجهاد المشروع كتلك الأعمال التي تقوم بها التنظيمات وتوجهها إلى الأنظمة الحاكمة في بلادها أو إلى المختلفين معها من أصحاب الاتجاهات والأفكار المخالفة.
وينفي العديد من الباحثين في علوم الشريعة وجود أصل شرعي لهذه القاعدة في كتب الفقه أو أصوله، حيث لم يشر إليها أيّ من الفقهاء ولا وجود لها في كتب التراث المعروفة، لكنّها مقولة بدأت في الظهور خلال النصف الثاني من القرن العشرين مع تزايد ما أطلق عليه ظاهرة "الصحوة الإسلامية"، حيث استخدمتها بعض التنظيمات الراديكالية التي ترى أنّها تقوم بواجب الجهاد وترى في أيّ حركة أو تنظيم آخر لا يتخذ المسار نفسه أنّه لا يفهم الإسلام على الوجه الصحيح ولا يطبقه وفق النموذج المفروض، ومن هؤلاء الباحثين من ينتمون إلى التيار الديني مثل الدكتور وصفي أبو زيد عضو جماعة الإخوان المسلمين، على اعتبار أنّها تُستخدم، في الغالب، من جانب الجماعات الجهادية في إطار رفضها لأيّ تعليق أو تدخل من التنظيمات الدينية الأخرى في نشاطها أو منهجها، ويرى أنّ هذه المقولة لا تُعدّ قاعدة شرعية، فيقول في إحدى مقالاته: "وقد بحثت كثيرًا في كتب القواعد بأنواعها ومذاهبها قديمًا وحديثًا فلم أجد لها أيَّ أثر في أيّ من كتب القواعد الفقهية المعروفة، ولا في الكتب التي تحدثت عن الجهاد سواء ضمن كتب السياسة الشرعية عامة أو تلك التي تناولت فقه الجهاد باستقلال...، وإنّما يستخدمها بعض الساسة أو قيادات الحركات الإسلامية والجهادية والمتعصبة لهم لفسح الطريق أمامهم ليختاروا ما يريدون ولكي يقرروا ما يشاؤون دون رقابة علمية أو حسبة فقهية حتى لو صدرت من أهل الذكر المختصين، وقد يستخدم هذه المقولة أهل الغلو من الدواعش وغيرهم لإسقاط مرجعيات العلماء في الأمة، وإطلاق يدهم في الميادين ليفعلوا ما يشاؤون".
توظيفها كحيلة دفاعية
على الرغم من أنّ المعنى الظاهر لهذه المقولة يفيد بأنّه لا يجوز لمن يتخلف عن فعل "الجهاد" أن يقدّم الفتوى الشرعية لمن يقوم به، فإنّ التطبيق العملي للمقولة يتسع ليشمل إبداء الرأي في كل ما يتعلق بالتنظيمات التي ترى نفسها تمارس الجهاد ضد أعداء الإسلام، فواقع هذه التنظيمات يقول إنّها ترفض أن يوجه لها أحد، سواء كان من داخل دائرة التيار الإسلامي الواسع أو من خارجه، أيّ نصائح أو تقييمات أو نقد لممارساتها وسياساتها، سواء كانت هذه الآراء فقهية أو سياسية أو تنظيمية... إلخ، كما أنّ هذا المعنى يتسع ليشمل كل التنظيمات، حيث كلّ منها يرى أنّه هو الذي يمثل الإسلام وأنّ منهج التغيير الذي يتبعه هو الذي يتوافق مع الفهم الصحيح للدين؛ وبالتالي يرى كل تنظيم أنّ ما يقوم به، سواء كان عملًا سياسيًا أو دعويًا أو عنيفًا مسلحًا، إنّما هو بهدف إقامة الدولة الإسلامية وتطبيق الشريعة، وبالتالي فهو يمارس الجهاد وفق الصورة الممكنة في ظل السياق والظروف القائمة، ومن ثم يصبح كل تنظيم، وفق هذا الفهم، لا يسمح لأحد أن يتدخل في شؤونه ولا أن يوجه له نقدًا أو تقييمًا أو نصيحة، لأنّه لا يجوز أن يفتي قاعد، لا يمارس الجهاد وفق النموذج المتخيل لدى التنظيم، لمجاهد يقوم بعبء الجهاد ويتحمله دونًا عن الأمة كلها!
وتعكس هذه المقولة العديد من الدلالات، منها قيمة العلم والفكر في نظر التنظيمات الدينية، حيث يرون أنّ أصحابها غير جديرين بالاحترام أو التقدير، فهم ينظرون إليهم على أنّهم يقومون بأعمال نظرية لا وزن ولا تأثير لها، لكنّ العمل الحقيقي هو الذي يتم ممارسته على أرض الواقع أيًا كان شكله وطبيعته، وهذا يدل على أنّ التنظيمات لا تدرك أهمية الفكر الذي يمثل أساسًا لأيّ عمل، الذي بدونه يفقد العمل بوصلته ويتحول إلى جهد بدني لا يؤدي إلى نتائج إيجابية، بل يؤدي، في كثير من الأحيان، إلى مشكلات وأزمات كبيرة وسلسلة من الإخفاقات والصراعات.
ويترتب على ذلك استمرار هذه التنظيمات في الدوران داخل دائرة من العشوائية والعمل غير المنظم والمنضبط، ولا يسمح لها بالاستفادة من العديد من الآراء التي يتم طرحها في إطار النقد والتقييم لممارساتها وسياساتها، وهو ما ينتج عنه مزيد من الأخطاء ومزيد من الأزمات التي تطال المجتمعات كلها لا التنظيمات فحسب، كما ينتج عنه تحول هذه التنظيمات إلى كيانات استبدادية تمارس الاستبداد وتغلفه بغلاف ديني وباستخدام مبررات مصبوغة بصبغة شرعية لا أصل لها.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D8%A7_13_0_1_1_7.jpg.webp?itok=C3_-cDzL)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_200_0_0_6.jpg.webp?itok=sfXiAAhI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86-%D8%AC1_1_9.jpg.webp?itok=Hcb3diFf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%862_1.jpg.webp?itok=NbYf02g7)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86_17.jpg.webp?itok=GjcpY4Fo)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%85%D9%88%D8%A7%D9%84_6.jpg.webp?itok=Dxmr0F8p)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_1_0_11.jpeg.webp?itok=0Rx6X1YL)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D9%88%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4_3.jpg.webp?itok=xYnwoZOt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%84%D8%AC%D9%8A%D9%83%D8%A7.png.webp?itok=6YN5feSB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D8%B2%D8%A97.png.webp?itok=zXaGxkqX)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%D9%8A_5.jpg.webp?itok=gkINRwYB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86_18.jpg.webp?itok=vI_zXC6Y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%88%D9%83%D8%B3%D9%84.jpeg.webp?itok=GEMUsrl5)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%D9%8A_4.jpg.webp?itok=Gl7LLx_y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B41_0.png.webp?itok=l1o-Vngl)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D8%B2%D8%A96.jpg.webp?itok=CMePW5Ll)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%88%D9%86-1_0_4_2_0_0.png.webp?itok=w3xvpROk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%A7%D9%83%D9%85%D9%8A%D8%A9_1.jpg.webp?itok=8TNniebr)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132.jpg.webp?itok=XtB3llMF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86_14.jpg.webp?itok=aSKivHsG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%85%D9%88%D9%8A%D9%84%200.jpg.webp?itok=wkrtYvi9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86-%D8%AC1_1_7.jpg.webp?itok=I6xdJcur)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_129.jpg.webp?itok=aju99hfl)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_57_3_0_0_0_4_9.jpg.webp?itok=iP0-4sjy)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_51.jpg.webp?itok=ismhmetI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)
