زمنية المفهوم في سياق التجارب التاريخية العربية الإسلامية

زمنية المفهوم في سياق التجارب التاريخية العربية الإسلامية

زمنية المفهوم في سياق التجارب التاريخية العربية الإسلامية


11/10/2026

إنّ إثارة زمنية المفاهيم، خصوصاً في السياق العربي الإسلامي، تعني الكثير، فهي تشخّص الوضع المعرفي وتطرح في الآن نفسه منهجية عملية لتحقيق ذاك المبتغى الذي قد يسهم في  تحريك عجلة المسار التاريخي العربي  الراهن نحو عتبة تاريخية جديدة؛ وهو ما يجعل عامل الزمن أو زمنية المفهوم مهمّاً، لأنّه يعكس الأثر والصدى الوجودي في ترادف المفهوم مع وقع التجربة التاريخية، فيحمل هذا الأخير أثراً زمنياً في رسم عتبة تاريخية.

التاريخ المفهومي:

كل طبقة زمنية تستدعي، بالضرورة، ضبط مقاربات منهجية مختلفة، وقد ارتأينا في هذا التناول التركيز على هندسة المفاهيم من ناحية الانعكاس المعجمي والدلالي للمفاهيم، مع حيثيات تناولها وتشكلها تاريخياً؛ أي وضع نظرية مفهومية في التاريخ باعتماد تصور فلسفي للزمن، على أساسه تتم دراسة تاريخ المفاهيم المشكلة أو المعبّرة عن هذا التاريخ العاكس لتجربة زمنية بصمت بأثرها، أو أحدثت بصمة تاريخية ممّا جعلها مقياس التعبير عن العتبات التاريخية الراصدة لمسار تاريخي ما. إذن، يعتبر مبحث التاريخ المفاهيمي مبحثاً مهماً لرصد المسار التاريخي لمختلف المجتمعات. فالمفهوم ليس مجرد مؤشر على السياقات التي أدركها، بل هو عامل فيها كذلك. فمع كل مفهوم تنفتح آفاق محددة، وتتضح بالمقابل قيود على التجربة الممكنة وعلى النظريات المتاحة أمام الفكر. وهذا هو السبب الذي يمكّن تاريخ المفاهيم من أن يصل إلى معارف لا ننتبه إليها، وهو ما يصل إلى عمق تعاطينا مع الزمن المعبّر عن حيثيات إنتاج قوالب تجاربنا البشرية. وإذا كانت كل قراءة للتاريخ هي بالضرورة قراءة من داخل التاريخ، فمعنى ذلك أنّ قراءة التاريخ تتم دوماً من موقع الفاعل والوقت الراهن، ومن خلال تملك الماضي وترقب المستقبل الهادف لتجاوز الراهن. وهنا يحظى الماضي والمستقبل في كل لحظة بتنظيم جديد بناء على قوانين الترابط في تيار الوعي الإدراكي الذي يشهد تعاقب لحظات الحاضر التي تسير وفق السقف المستقبلي الذي تضمنه مأمول الراهن.

 ومن هنا فإنّ المفاهيم الدالة على الفعل تعمل على تزمين المنظور التاريخي وعلى صبه في مقولات تشكله، مثل: مفهوم الدولة، الثورة، الحداثة، الأنوار، النهضة، الثورة الفرنسية، المواطن، الذاكرة، ... فهذا المنظور المفاهيمي يؤسس صورة وقالباً هوياتياً تتداخل في ثناياه كل أنواع العلاقات الممكنة من الانفصال والمواجهة والإقصاء والضم...، وكلّ العوامل المهيكلة والمشكلة للهوية الثقافية، أي كل ما يخدم القالب المفهومي المحدد لهذه الهوية المجتمعية. إنّ عملية إلقاء نظرة على الماضي بوصفه ماضياً أو عصراً متجاوزاً كان موجوداً من قبل، لكنّ عملية التاريخ المفاهيمي لم تقع إلا خلال النصف الثاني من القرن السابع عشر. ومنذئذٍ بدأنا نعيش زمناً جديداً، ونعلم أننا نعيش في زمن جديد لا ينفك يشير إلى نفسه ليتميز عن العصور السابقة. وهنا تتم عملية تثمين الراهن أو الحاضر وربطه بفعاليته الزمنية؛ وبالتالي فإنّ التجربة الزمنية هاته انعكست على العدة المفهومية المعبرة عنه، نموذج تجربة الحداثة، الأنوار، النهضة، الثورة الفرنسية، حضور الحاضر وسطوة هاجس المستقبل، حيث صارا سمت  التاريخ المفهومي؛ وهو أمر يرتبط بالدرجة الأولى بنمط استحضار حسّ التخطيط أو هندسة التجارب الزمنية التي صارت تخضع لمنطق مردوديتها وفاعليتها في تحريك الراهن نحو المستقبل الذي يجب أن يتوافق والمتوقع أو المنتظر. فانتقلنا من واقع الانبهار بسحر الوجود إلى هندسة وجود ساحر يتجدد سحره بتجدد تجاربه الراهنة وآفاقه المستقبلية المنفتحة على حصد المزيد من الممكنات وتقليص ما أمكن دائرة المستحيل.

هندسة المفاهيم وزمنية المفهوم؛ إلى أيّ مدى يُمكن لهذه المفاهيم المحددة أن تزودنا بوصف جيد للتاريخ؟

إنّ مصطلح "هندسة" هنا يعكس نوعاً من التخطيط المنضبط لصيغة مفهومية معينة تتخلص قدر الإمكان من طابع العبثية والغموض والارتباك، أو الركون لذهنية القدر والقضاء والحتمية أو حتى التبعية تحت ظرف ذاتي أو خارجي؛ وهو ما يسقطنا في توجه أو منهج رياضي يسعى إلى تحقيق توافق بين التجارب الزمنية، وتحقيق الأفق المأمول منها مستقبلاً، قصد تحريك عجلة الراهن نحو مستقبل لا ينفك يتحرك باستمرار ما دامت أهدافنا وأنماط وجودنا تتجدد ويتجدد سقفها المستقبلي. ومن خلال هذا الأمر يُلاحظ أنّ هندسة المفهوم زمنياً تجمع ما بين المفهوم كصيغة وأداة وصفية أو إجرائية أو حتى تأويلية، والنمط أو القالب المؤسس أو المشكل لبنية المفهوم نفسه. لهذا يمكن القول إنّ ربط هندسة المفهوم بزمنيته التاريخية كإمكان لتطبيق منطق أو عقلنة رياضية ذات طابع هندسي على المعجم الزمني للمفهوم، يمكن أن يغربل نوعاً ما نمط تعاطينا مع تجاربنا الراهنة، وكيفية بلورة السقف المستقبلي الممكن التحقق.

 كأننا أمام محاولة لإعادة تأويل مجال التجربة المعاشة مفهومياً وأفق الانتظار الخاص بها، في إطار تحقيق التجاوز المفروض/المأمول انطلاقاً من راهن يسعى لخلق نافذة مستقبلية للانفلات ممّا هو مفروض أو غير مرغوب؛ أي التركيز على المعجم الدلالي للمفاهيم المركزية التي تحكمت في تجاربنا الزمنية. وهو ما يرادف  استدعاء البُعد التاريخي الأنثروبولوجي من قلب المعجم الدلالي للمفاهيم، أي البُعد الذي يسكن كل البنيات المفهومية والأفعال اللغوية المشكّلة لتجاربنا التاريخية. لهذا يمكننا القول إنّ تاريخية المفاهيم لا تقوم هنا على دلالة تتناول التجارب التاريخية خارج التاريخ نفسه، أي لا تقوم أو تتبنّى تقطيع الأزمنة إلى عصور وحقب بعيداً عن استحضار المفاهيم التاريخية والمصطلحات المنحوتة لهذا الغرض، بل تقوم من داخل بنيتنا الدلالية والمعجمية التي تشكل نمط هندستنا لتجاربنا التاريخية. زمنية المفهوم أي البُعد الزمني الذي يعكسه المفهوم ذاته؛ هنا نثير المفهوم وكيف يحمل عدة أبعاد منها البُعد الزمني. فنكون أمام عملية تشخيص لطبيعة العلاقة ما بين المفردات والمعاني المشكلة لمخزون الذاكرة التاريخية الجماعية، قصد استثمار المعجم الدلالي التاريخي الذي يشكل الهوية المفهومية العربية لإمكان تحقيق هندسة مفهومية ذات طابع إجرائي واقعي يبلور راهناً يتوافق ومأموله الانتظاري، كأننا أمام محاولة لهدم الفجوة أو الفراغ الذي يسكن ثنايا نمط استيعابنا للزمن أو كيفية بناء الفواصل الزمنية المؤسسة لحركية تجاربنا الراهنة والمستقبلية.

نحو مشروع معجم المفاهيم التاريخية الدالة على مسار تجارب المجتمع  العربي.

كيف نخلق أرضية ممتدة ومنفلتة في الآن نفسه من الماضي والراهن؟ أو لنقل بصيغة أنثروبولوجية: كيف يمكن أن نوازن ما بين حقل التجربة وأفق الانتظار؟ 

 نثير هنا بالأساس شحنة  كل من الحاضر والمستقبل في مخزون التجارب الذاتية للمجتمعات. فكلما كان ثقل المستقبل حاضراً في هندسة المخزون الخاص بتجاربنا التاريخية راهناً، سمح بتحريك المسار التاريخي نحو عتبات أو فواصل زمنية جديدة. إنّ الطموح إلى تأسيس معجم  ينهل من مشروع هندسة المفاهيم هو طموح ممكن وواعد. خصوصاً أنّ السياق العربي تختلط في جوفه ضبابية ومزيج من المقاربات المختلفة في تناول العدة المفهومية التراثية والعدة المفهومية الحداثية. ففعل التثاقف بقدر ما أسهم في إغناء الشبكة المفهومية لتجاربنا، بقدر ما خلق غموضاً وارتباكاً يغفل في كثير من الأحيان البُعد المعجمي للمفهوم ذاته؛ هذا الغموض انعكس على طبيعة تناولنا لتجاربنا التاريخية وأفقنا المأمول، وهو ما خلط الحابل بالنابل فيما يخص هندسة أفقنا المستقبلي، وأوقعنا في راهن ضبابي وماضٍ يسكن مخيلتنا بشكل طوباوي؛ فصرنا أمام راهن يستبطن الماضي وفق رؤية معيارية ترفع هذا الأخير إلى مستوى لازمني يبطل أيّ رؤية واقعية لراهننا ومستقبلنا. 

 لهذا، وقصد تحليل مسارنا التاريخي، يجب أن نمرّ عبر المفهوم ذاته المعبّر عن هذا المسار، فالمفهوم قد يحمل تغييراً ضمنياً ويشير إلى عتبات زمنية تناسب حقل التجارب المولدة له، لكنّ جعله مقياساً زمنياً وتاريخياً هو ما يتم، في الغالب، إهماله. وقد يسري هذا الأمر على مفاهيم مثل الإصلاح الديني، والجهاد، والاستشهاد، والاجتهاد... وغيرها. 

بما أنّ الجدلية التي تنتجها التجارب الإنسانية تُعبّر عنها في مختلف أوجهها التحولات الاجتماعية وعملية تسجيلها داخل المخزون اللغوي والمفاهيمي، فهي التي ترسم عتباتنا الزمنية. إنّ هذا لا يعني أبداً أننا نجد تزامناً بين التغيرات الاجتماعية والتعبير المفهومي عنها في شتى أنواع التحولات التاريخية. فقد يخلق ذلك توتراً أو تفاوتاً ما بين هذه التحولات وعملية استيعابها وتخزينها في الذاكرة المفهومية لمجتمع معين. لكنّ الثابت هو أنّ هذه العملية ونمط استيعابها هما المسؤولان عن تسريع أو خلخلة أو بعثرة هندسة المفاهيم المؤسسة لتحقيق انتظاراتنا المستقبلية.

الراهن العربي ومعجمه الدلالي- نموذج الحقل السياسي: 

تاريخياً كانت الحسابات السياسية فناً صعباً في أوروبا خلال القرنين 15-16، ثم بلغ هذا الفن بعد ذلك أعلى مستويات التطور في مكاتب البلاطات الأوروبية في القرنين 17-18. كما أنّ الحداثة السياسية أسهمت في تهييئ الأرضية لعقلنة الحقل السياسي وفق نمط حسابي دقيق؛ إذ تم النظر إلى المستقبل بوصفه مجالاً لإمكانات محدودة رتبت على درجات احتمال متفاوتة في الإمكان. لم تعد الحسابات السياسية مجرد فن، بل أصبحنا أمام علم مؤسس ومهيكل وفق عدة مسارات ومقاربات. فرادف مفهوم المستقبل الأفق المفتوح على كل الإمكانات، ومنها الطارئ أو غير المتوقع. وهنا يبدو أنّ هذه النظرة استطاعت أن تتخلص أو تهمش التصور الثيولوجي للمستقبل بوصفه نهاية حتمية ومنتظرة. وحل محلها فنّ التوقع العقلاني للمستقبل وفق رؤية تسحب التسقيف الزمني الديني عن المستقبل وتجعله بالمقابل منفتحاً على الإمكانات البشرية اللّامحدودة. 

يكتسب إذن الصراع من أجل تسييج المفاهيم التي توافق الحركية التقدمية راهنية سياسية واجتماعية كبيرة. وقد يؤرخ لهذا الصراع بالثورة الفرنسية، حيث ازداد الصراع حدة منذ الثورة الفرنسية وتغيّر في بنيته الكثير من الأمور. فصارت المفاهيم لا ترصد مسار تشكلها وواقع تجربتها فحسب، بل تؤسس الأس والمأمول منها مستقبلاً. ومن هنا تمّت إضافة وظيفة جديدة للمفاهيم: البُعد الزمني الممتد من "هنا" إلى "أبعد من هنا والآن". فالمفاهيم لا ترمي إلى إدراك المعطيات الموجودة على هذا النحو أو ذاك فحسب، بل تمتد إلى المستقبل. هذا المستقبل الكائن في تخطيطات الراهن والممتد في ذاكرة الماضي، ممّا عمل على تزايد نحت مفاهيم مستقبلية، إذ أصبح من الواجب أن نقوم بصياغة لغوية قبلية للمواقع التي لا يمكن احتلالها إلا في المستقبل كإمكان، لكنّ تواجدها يظل كائناً نصب أعيننا كأفق يجب الوصول إليه بناء على إمكانات ورهانات الراهن. لهذا فإنّ مفاهيم مثل: السلطة، الدولة، الثورة، الاحتجاج، الديمقراطية، المواطنة، التاريخ، المفهوم، السلطة... كلها مفاهيم تشير في ثناياها إلى قالب تاريخي حي يُعبّر بالدرجة الأولى عن تجاربنا ونمط وعينا للزمن وللعملية السياسية برمتها وفق سياق وشروط تناولنا لها. لهذا فإنّ ضبط هذه المفاهيم والتأسيس لها وفق منهج إجرائي ومعجمي سيعمل، بمعنى ما، على التقليل من ضبابيتها وقابليتها للحشو والاستغلال السلطوي.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية