بين العطش والتلوث: أهل غزة يضطرون لشرب مياه مجهولة السلامة

بين العطش والتلوث: أهل غزة يضطرون لشرب مياه مجهولة السلامة

بين العطش والتلوث: أهل غزة يضطرون لشرب مياه مجهولة السلامة


كاتب ومترجم فلسطيني‎
11/10/2026

يُعدّ نقل المياه بالشاحنات أحد أهم الوسائل المستخدمة لتوفير مياه الشرب للسكان حالياً، خصوصاً في المناطق التي تضررت فيها الشبكات، أو أصبحت مرافق المياه غير قادرة على العمل بصورة منتظمة.

ويعتمد جميع سكان قطاع غزة في الحصول على مياه الشرب من خلال الشاحنات التي تجوب المناطق وتنقل المياه للمواطنين، حيث ينقل بحسب جهات رسمية أكثر من 20 ألف متر مكعب من مياه الشرب يومياً إلى آلاف نقاط التوزيع في أنحاء القطاع.

ويفرض الاعتماد على هذه الشاحنات سلسلة من المتطلبات لضمان سلامة المياه، تبدأ من مصدر المياه ومحطة التعبئة، مروراً بالخزانات، وصولاً إلى المركبة المستخدمة في النقل والخزانات المنزلية التي تصل إليها المياه، وأيّ خلل في التعقيم أو نظافة الخزان أو عملية التعبئة والتفريغ، يمكن أن يؤدي إلى تلوث المياه، حتى إذا كان مصدرها الأصلي مطابقاً للمواصفات، لذلك فإنّ سلامة المياه لا تعتمد على مصدرها فقط، بل على كامل سلسلة الإمداد.

وتعاني منظومة المياه في القطاع من صعوبات كبيرة في التشغيل، وتشير منظمة  "اليونيسف" المسؤولة عن دعم مشاريع إيصال مياه الشرب للنازحين، إلى أنّ إنتاج مياه التحلية تراجع من نحو 20 ألف متر مكعب إلى 16 ألفاً، بسبب نقص المواد الكيميائية وقطع الغيار، وتؤدي صعوبات توفير الوقود والزيوت ومواد التشغيل  إلى تعطيل مرافق المياه بصورة متكررة.

وتقول منظمة "اليونيسف": إنّ المياه المتاحة في مناطق وسط وجنوب القطاع   شهدت انخفاضاً كبيراً، وإنّ الجزء الأكبر من المياه المتاحة كان يأتي من آبار جوفية ذات ملوحة مرتفعة، ممّا يجعلها غير صالحة للشرب من دون معالجة مناسبة، وهذا يوضح أنّ أزمة المياه في غزة ليست أزمة كمية فقط، فحتى عندما تتوفر المياه من الآبار أو عبر مصادر أخرى، تبقى الحاجة إلى المعالجة والتعقيم والفحص المستمر ضرورية لضمان صلاحيتها للشرب.

ولا تتوزع مشكلة المياه غير المطابقة للمعايير بالتساوي بين جميع مناطق القطاع، فقد أظهر تحليل عينات أنّ نسبة العينات غير الآمنة كانت مرتفعة بصورة خاصة في بعض المناطق، وبحسب بيانات منظمة الصحة العالمية، فقد بلغت نسبة العينات غير المطابقة للمعايير الصحية في مياه الشرب والمياه المنزلية نحو 83%.

بدوره يقول الخبير البيئي د. نزار الوحيدي: "الظروف البيئية في غزة شديدة الخطورة، وذلك مع تراكم النفايات في مناطق النزوح والملاجئ والمجتمعات المكتظة، إلى جانب محدودية مواقع التخلص من النفايات، ومشكلات انتشار القوارض والحشرات".

وبيّن في حديثه لـ "حفريات" أنّه في "مثل هذه الظروف يمكن لمياه الصرف أو الفضلات أن تصل إلى مصادر المياه أو خزانات التخزين أو المناطق المحيطة بنقاط التعبئة والتوزيع، ممّا يزيد احتمالات التلوث الميكروبي وبالتالي تأثر المواطنين بهذا التلوث".  

ولفت إلى أنّ "الأطفال من أكثر الفئات تأثراً بتدهور جودة المياه، فالإسهال والأمراض المرتبطة بالمياه، يمكن أن تكون أكثر خطورة بالنسبة إلى الأطفال الصغار، خصوصاً في ظل سوء التغذية وضعف الوصول إلى الرعاية الصحية". 

وأضاف: "تزداد حساسية الوضع عندما يضطر السكان إلى تقليل استهلاك المياه أو الاعتماد على مصادر غير موثوقة بسبب ندرة المياه، كما أنّ نقص المياه لا يؤثر على الشرب والطهو فقط، وإنّما يحدّ من القدرة على غسل الأيدي وتنظيف الأواني، والحفاظ على النظافة الشخصية، وهي إجراءات أساسية للحد من انتشار الأمراض".

ويشتكي نازحون في أحاديث لـ "حفريات" من "صعوبة الحصول على مياه نظيفة للشرب، وقد أجمع عدد منهم على أنّ المياه التي يحصلون عليها ليست دائماً نظيفة، وأنّهم يضطرون أحياناً لشربها، رغم عدم صلاحيتها بسبب غياب البدائل".

ويقول المواطن أحمد الكحلوت: "قبل الحرب كنا نشتري مياه الشرب من مصادر معروفة وآمنة وبأسعار مناسبة للجميع، لكن منذ أن بدأت الحرب أصبح الحصول على مياه الشرب أمراً صعباً، وبدأ المبادرون والمؤسسات يوزعون المياه، ولكنّ مصادرها مجهولة وطعمها غريب".  

أمّا المواطن منير صافي، فهو "يعاني منذ أشهر من التهابات حادة في الدم، وتزداد حالته صعوبة مع عدم توفر مياه شرب صالحة، حيث يعتمد على المياه المنقولة بالشاحنات، وصهاريج هذه الشاحنات غير آمنة وبدون أغطية، وهذا يزيد من فرص انتقال العديد من الأمراض الخطيرة للمواطنين".

ويقول أحد المشرفين على توصيل المياه إلى مخيمات النازحين في غرب مدينة غزة وسام بلح: "في ظل الاعتماد المتزايد على الآبار ومحطات التحلية ونقل المياه بالشاحنات، تصبح مراقبة جودة المياه في جميع مراحل السلسلة ضرورة أساسية، حيث تشمل الرقابة المطلوبة فحص المصدر، والتحقق من عمليات المعالجة والتعقيم، وفحص الخزانات والمركبات، وأخذ عينات دورية من نقاط التوزيع، إضافة إلى مراقبة المياه بعد وصولها إلى التجمعات السكانية".

وأشار في حديثه لـ "حفريات" إلى أنّ "هناك منظومة رقابة متعددة الأطراف، وليست جهة واحدة تضمن كل المياه؛ سلطة المياه الفلسطينية تشارك في الإدارة والإشراف على قطاع المياه، بينما تتولى جهات وبلديات ومنظمات إنسانية إنتاج المياه ومعالجتها ونقلها وتوزيعها. وهناك أشخاص مبادرون ينقلون المياه من مصادر مختلفة بعضها غير آمنة، وهنا تكمن المشكلة في تلوث المياه، كما أنّ توفير الوقود والمواد الكيميائية وقطع الغيار لا يمثل قضية تشغيلية فقط، بل يرتبط مباشرة بقدرة مرافق المياه على إنتاج مياه آمنة".

ولفت إلى أنّ "معالجة مشكلة المياه لا تتطلب زيادة كميات المياه وحدها، وإنّما تحتاج أيضاً إلى إعادة تأهيل شبكات المياه ومحطات التحلية والآبار، وضمان توفر الوقود والمواد اللازمة للمعالجة والتعقيم، وتحسين مرافق الصرف الصحي، وتعزيز فحوصات الجودة، وضمان سلامة نقل المياه وتخزينها".

وقد تحولت أزمة مياه الشرب في غزة إلى قضية صحية وبيئية وإنسانية متكاملة، تتطلب استجابة تتجاوز توفير المياه بكميات محدودة، إلى ضمان أن تكون المياه التي تصل إلى السكان آمنة وصالحة للشرب.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية