إخوان سوريا وبيان البقاء: مناورة "الاستقلال الوطني" ومأزق الاندماج في المشهد الجديد

إخوان سوريا وبيان البقاء: مناورة "الاستقلال الوطني" ومأزق الاندماج في المشهد الجديد

إخوان سوريا وبيان البقاء: مناورة "الاستقلال الوطني" ومأزق الاندماج في المشهد الجديد


30/09/2026

جاء البيان الصادر عن مجلس شورى جماعة الإخوان المسلمين في سوريا في ختام دورته العادية الخامسة، في السابع والعشرين من أيلول (سبتمبر) الجاري، ليضع حداً فاصلاً للجدل المتصاعد حول مصير التنظيم ومستقبله السياسي؛ فالوثيقة التي صاغها المجلس في ستة عشر بنداً لم تكن مجرد جردة حساب سياسية لمواقف الجماعة من تطورات الداخل والمحيط الإقليمي، بل مثلت في جوهرها "مانيفستو بقاء" حسمت من خلاله الجماعة تمسكها بوجودها التنظيمي، رافضةً بشكل قاطع الدعوات المتتالية التي طالبتها بحل نفسها والتحول إلى جمعيات مدنية أو الاندماج في أحزاب وطنية غير مؤدلجة.

ويكتسب هذا الموقف دلالات بالغة الحساسية في اللحظة الراهنة؛ إذ يتزامن مع التحولات الكبرى التي تعيشها الدولة السورية في ظل ترتيبات المرحلة الانتقالية بقيادة أحمد الشرع، وسعي المؤسسات المركزية الناشئة لإعادة ضبط المجال العام واحتكار التمثيل السياسي والتشريعي. ومن هنا، فإنّ محاولة الجماعة ترسيم حدود حضورها كـ "جماعة وطنية مستقلة القرار" تستدعي تفكيكاً عميقاً لمضامين هذا الخطاب، واستجلاء ما يكتنفه من مناورات براغماتية وأزمات بنيوية تهدد شرعية تموضعها في سوريا الجديدة.

عقدة التنظيم... رفض الحل ومحاولة احتكار "الشرعية التاريخية"

يتمثل المحور الأكثر إثارة للاهتمام في بيان مجلس الشورى في إصرار الجماعة على استمرار كيانها التاريخي، متجاهلةً مروحة واسعة من الضغوط الداخلية والخارجية التي رأت في استمرار اسم "الإخوان المسلمين" عبئاً ثقيلاً على مسار المصالحة الوطنية والاندماج السياسي. ولم تنبع هذه الضغوط من الخصوم التقليديين فحسب، بل تصاعدت من داخل البيت الإخواني ذاته؛ حيث شهدت الجماعة استقالات واعتراضات لقيادات بارزة، على غرار ملهم الدروبي في آب (أغسطس)، الذين جادلوا صراحة بانتفاء المبرر الوجودي لبقاء الجماعة بصيغتها التنظيمية الحالية، داعين إلى الفصل الحاسم بين العمل الدعوي العام وبين النشاط السياسي المؤطر حزبياً تحت سقف القانون.

غير أنّ قيادة الإخوان، بنزوعها المحافظ، رأت في التخلي عن "العلامة التجارية" للتنظيم انتحاراً سياسياً وتفريغاً لرصيدها الرمزي؛ فالجماعة تخشى من أن يؤدي حل التنظيم إلى ذوبان قواعدها وتشتت نفوذها داخل الفسيفساء السياسية السورية الصاعدة، وتفضل الرهان على تراثها القديم منذ عهد مصطفى السباعي لفرض نفسها شريكاً إجبارياً في معادلة الحكم. وهكذا اختارت القيادة الهروب إلى الأمام عبر التأكيد على استمرار الجماعة المستقلة، معتبرة أنّ وجودها حق طبيعي لا يقبل الإلغاء، وهو ما يكشف عن عجز العقل الإخواني عن التخلي عن فكرة "الجماعة الشاملة" التي تدمج الدعوي بالسياسي والتربوي بالمصلحي في قالب واحد.

هندسة التكيف... مهادنة السلطة ومغازلة الإقليم

يكشف التدقيق في لغة البيان عن تبنّي الجماعة تكتيكاً بالغ الحذر في التعامل مع السلطة الانتقالية برئاسة أحمد الشرع؛ فبدلاً من إبداء أيّ نزوع معارض أو الدخول في صدام حول تقاسم السلطة، أغدقت الجماعة الثناء على الخطوات الرسمية، مرحبةً بانطلاق أعمال مجلس الشعب، ومشيدةً بالتحركات الدبلوماسية التي قادتها الحكومة السورية وأثمرت عن رفع العقوبات الاقتصادية وشطب اسم البلاد من قائمة الدول الراعية للإرهاب.

هذا التناغم الظاهري لا يُعبّر بالضرورة عن تطابق في الرؤى، بل يجسد ما وصفه المراقب العام للإخوان، عامر البوسلامة، بـ "التسليم المبصر والواعي"، الذي يرتدي ثوب النصح الودود تجنباً لإثارة ريبة السلطة المركزية الصاعدة؛ فالجماعة تدرك أنّ مسار أحمد الشرع يتجه نحو بناء دولة مركزية تستند إلى سيادة القانون وتخضع الجميع لإطارها الدستوري دون استثناءات حزبية أو إعطاء امتيازات لأيّ فصيل إيديولوجي. ومن هنا تحاول الجماعة امتصاص أيّ توجه رسمي لحظرها، عبر إظهار أقصى درجات الإيجابية والمهادنة، وتقديم نفسها كحزام أمان وطني يسند استقرار الدولة في مواجهة مشاريع التقسيم والانفلات الأمني.

ولا ينفصل هذا السلوك الداخلي عن التموضع الإقليمي للجماعة؛ إذ حرص البيان على توجيه رسائل غزل واضحة للمحيط العربي، والتأكيد على صيانة سيادة دول الجوار، وتحديداً لبنان، بالتوازي مع اتخاذ موقف حاد ورافض للنفوذ الإيراني ومحاولات طهران إعادة إنتاج ميليشياتها المسلحة داخل الأراضي السورية. هذا التمايز الصارم ضد طهران يهدف بوضوح إلى تلميع صورة الإخوان وتسويقهم كطرف يتقاطع مع المصالح القومية العربية، في محاولة يائسة للإفلات من العزلة الدبلوماسية الإقليمية التي طوقت الجماعة وفروعها خلال العقد الأخير.

مفارقة "الوطنية المستقلة"... هروب لغوي من عبء الأممية

تتوقف القراءة النقدية طويلاً عند العبارة المركزية التي كررها البيان: "جماعة وطنية مستقلة القرار"؛ وهي صياغة تتضمن مفارقة إبستمولوجية وسياسية فاضحة في سياق الفكر الإخواني التقليدي. فالأدبيات التأسيسية للجماعة ترتكز بنيوياً على مفهوم "أستاذية العالم" وأممية الدعوة وعالمية الخلافة، في حين تُعدّ "الوطنية" في مرجعيات قطب والبنّا مجرد محطة ظرفية أو رابطة ثانوية لا تعلو على رابطة العقيدة والجماعة الأم.

إنّ لجوء إخوان سوريا إلى التشديد المفرط على "وطنية القرار" يمثل في حقيقته مناورة لغوية تمليها اشتراطات البقاء؛ فالجماعة تسعى للتبرؤ الضمني من الروابط العابرة للحدود مع التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، وتفادي الفواتير السياسية والتبعات القانونية لارتباطات الجماعات الإخوانية في المنطقة. كما يهدف هذا التشديد إلى نفي تهمة التبعية للقوى الإقليمية، لا سيّما تركيا، التي احتضنت قيادات الجماعة لعشرات السنين وكانت المنطلق الأساسي لغالبية تحركاتها ومواقفها إبّان سنوات الصراع.

غير أنّ هذا الادعاء يظل مفتقراً للمصداقية العملية ما لم يقترن بمراجعات فكرية منشورة تنقض المفاهيم الحركية القديمة؛ فالوطنية الحقيقية ليست مجرد ديباجة إنشائية في بيان سياسي، بل هي التزام كامل بالدستور، وتفكيك للولاءات التنظيمية المغلقة، والتخلي عن أوهام التمثيل الحصري للمكوّن السنّي، وهو ما لم يقدم البيان أيّ شواهد ملموسة على تحققه.

ديمقراطية الاستحقاق... التعددية كأداة للمحاصصة لا كقيمة

عند فحص مطالبة البيان بإرساء "التعددية السياسية المنظمة" وإعداد دستور دائم يطرح للاستفتاء الشعبي ويضمن حقوق المواطنة المتساوية، يتبدى بوضوح البُعد النفعي للخطاب الديمقراطي الإخواني؛ فالجماعة التي تراجعت شعبيتها الميدانية لا تطالب بالتعددية كقيمة دستورية تحمي حق الاختلاف، بل كمدخل إجرائي يضمن لها مقاعد وحصصاً داخل بنية الدولة الجديدة، ويحمي وجودها القانوني من قرارات الحظر أو التهميش الإداري.

إنّ رهان الإخوان على "تنظيم العمل الحزبي" و"العدالة الانتقالية" يعكس رغبة مكشوفة في القفز من موقع الإدانة التاريخية، بحكم مشاركتهم في تأزيم المشهد المعارض وتغذية الانقسامات طوال سنوات الثورة، إلى موقع الضحية المستحقة للتعويض والتمثيل؛ فالحديث عن كشف الحقيقة وإنصاف الضحايا يُراد منه تحويل المظلومية التاريخية للإخوان منذ أحداث ثمانينيات القرن الماضي حتى اللحظة الراهنة، إلى رأسمال رمزي يُصرف في بورصة الاستحقاقات السياسية القادمة.

ومع ذلك، تصطدم هذه الطموحات بحقيقة الواقع الاجتماعي والسياسي في الداخل السوري؛ فالجيل الصاعد الذي عايش ويلات الحرب لم يعد يكترث بالخطابات الوعظية والشعارات المستهلكة، وبات ينظر بريبة عميقة إلى نخبة سياسية كهلة ظلت لعقود تدير شؤونها من فنادق العواصم الغربية والإقليمية، دون أن تمتلك أدنى تماس حقيقي مع المعاناة اليومية في الداخل.

مآلات الحضور الإخواني: العزلة خلف الكلمات الرنانة

يضع البيان الصادر عن مجلس شورى إخوان سوريا الجماعة في مواجهة مأزق تاريخي لا فكاك منه؛ فبينما أرادت القيادة تصدير صورة الفصيل القوي المتمسك بوجوده والمتعالي على دعوات الحل، كشفت الردود الساخطة والباردة على السواء أنّ الجماعة باتت أسيرة عزلة هيكلية خانقة.

فمن جهة، تقف السلطة الانتقالية في دمشق بحذر بالغ أمام طموحات الجماعة، مفضلة التعامل معها وفق معادلة الاحتواء المشروط والتقييد الصامت، بما يمنعها من بناء قواعد ارتكاز حركية تهدد مدنية الدولة وتعددها. ومن جهة أخرى، يبدو المشهد المدني والسياسي السوري قد تجاوز حقبة الهيمنة الإيديولوجية؛ حيث تتكاثف المبادرات الوطنية الصاعدة لرفض إعادة إنتاج تجارب الإسلام السياسي التي قادت المنطقة إلى كوارث بنيوية ما تزال آثارها ماثلة للعيان.

إنّ الإخوان المسلمين في سوريا يكررون في بيانهم الأخير الخطأ التاريخي نفسه الذي وقعت فيه فروع الجماعة في مصر وتونس؛ فبدلاً من ممارسة نقد ذاتي شجاع وتفكيك البنية التنظيمية المتكلسة لصالح مشروع وطني جامع، يستمر التنظيم في المراوغة، والتمسك بالاسم والشكل، وتقديم التنازلات اللفظية المؤقتة بانتظار تبدل موازين القوى. وستظل مقولة "جماعة وطنية مستقلة" مجرد ستار شفاف لا يخفي حقيقة الأزمة: تنظيم عاجز عن التجديد، يقتات على وهم الماضي، ويرفض الاعتراف بأنّ قطار سوريا الجديدة قد انطلق بالفعل، تاركاً التنظيم على رصيف الإيديولوجيا المستهلكة.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار


آخر التقارير

الصفحة الرئيسية