بعد صراع القيادة والمال.. الإخوان يتنازعون على مفاتيح الفتوى والمرجعية الدينية

بعد صراع القيادة والمال.. الإخوان يتنازعون على مفاتيح الفتوى والمرجعية الدينية

بعد صراع القيادة والمال.. الإخوان يتنازعون على مفاتيح الفتوى والمرجعية الدينية


28/09/2026

لم يعد الانقسام داخل جماعة الإخوان المسلمين مجرد خلاف على القيادة أو تنازع على المواقع التنظيمية، بعدما امتد الصراع إلى واحدة من أكثر المساحات حساسية في بنية الجماعة: المرجعية الدينية. 

هذا التنظيم الذي ارتبط تاريخيًا بتداخل الدعوة والعمل السياسي والتنظيم السري، يجد نفسه أمام واقع جديد تتعدد فيه مراكز القرار، وتتباين فيه الجهات التي تتحدث باسمه، ويظهر فيه خلاف متزايد حول الجهة التي تملك حق إصدار المواقف ذات الطابع الشرعي.

وتكشف التطورات الأخيرة أن الأزمة تجاوزت حدود المنافسة بين قيادات متخاصمة في الخارج، فهناك جبهات متنافسة تقدم نفسها بوصفها صاحبة الشرعية التنظيمية، وتصدر بيانات متعارضة، فيما بدأت مسألة المرجعية الدينية تظهر باعتبارها جزءًا من الصراع على تمثيل الجماعة نفسها. 

وفي آب / أغسطس 2026، أعلن موقع «إخوان أون لاين» أن التعبير عن مواقف الجماعة يتم حصريًا عبر شخصيات ومنافذ تعتمدها مؤسساتها، وسمّى محمود حسين قائمًا بأعمال المرشد العام، في موقف يعكس بوضوح محاولة تحديد جهة واحدة تملك حق الحديث باسم التنظيم.

في الجهة الأخرى، تصدر منصات مرتبطة بجبهة صلاح عبد الحق بيانات تقدمه بصفته قائمًا بأعمال المرشد العام. وفي سبتمبر 2026، واصلت هذه المنصات نشر مواقف سياسية وإقليمية باسمه بهذه الصفة، بما يؤكد أن أزمة التمثيل التنظيمي لم تُحسم.

عبد الرحمن البر.. حين صنعت التسمية الإعلامية «مفتيًا» للإخوان

يعود الجدل حول المرجعية الدينية داخل الإخوان إلى سنوات سابقة على الانقسام الحالي، فقد ارتبط اسم عبد الرحمن البر، عضو مكتب الإرشاد وأستاذ الحديث وعلومه بجامعة الأزهر، بصفة «مفتي الإخوان» في عدد كبير من وسائل الإعلام، خصوصًا خلال فترة حكم الجماعة في مصر وما أعقبها. وكانت تصريحاته الدينية والسياسية تحظى باهتمام واسع باعتباره واحدًا من أبرز الوجوه الشرعية داخل التنظيم.

غير أن المفارقة اللافتة أن البر نفسه رفض هذه الصفة، حيث أكد صراحة أنه، في أيار / مايو 2013، لا يوجد منصب يسمى «مفتي جماعة الإخوان المسلمين»، وقال إن وسائل الإعلام هي التي أطلقت عليه هذا الوصف. كما أوضح في مقال منشور على موسوعة الإخوان نفسها أنه لا يوجد في هياكل الجماعة منصب يحمل اسم «المفتي»، وأنه مجرد واحد من علماء التنظيم.

لكن غياب المسمى الرسمي لم يمنع الصفة من الانتشار، حيث قدمت الجزيرة البر في آب / أغسطس 2013 باعتباره «مفتي الجماعة»، ونقلت عنه مواقف ذات طبيعة سياسية وشرعية في خضم الصراع الذي أعقب عزل محمد مرسي. 

وهنا تظهر أهمية التفريق بين وجود منصب رسمي وبين وجود شخصية دينية تتحول عمليًا إلى مرجعية إعلامية وتنظيمية.

وتزداد دلالة الواقعة بالنظر إلى موقع البر داخل التنظيم نفسه. فقد كان عضوًا في مكتب الإرشاد، أي أن حضوره الديني لم يكن منفصلًا عن الموقع التنظيمي والسياسي، كما أن ترشحه لمنصب مفتي الجمهورية في 2013 أثار جدلًا واسعًا، قبل أن يختار الأزهر شوقي علام للمنصب.

وبذلك تكشف قصة البر مبكرًا عن إشكالية ستتضخم لاحقًا: الدين داخل الإخوان ليس مجرد مجال معرفي منفصل عن التنظيم، بل يمكن أن يتحول إلى مصدر للشرعية السياسية والتنظيمية.

 وعندما تتشظى القيادة، يصبح السؤال حول صاحب المرجعية الدينية أكثر خطورة؛ لأن امتلاك القدرة على تقديم موقف ما باعتباره «شرعيًا» يمكن أن يمنح إحدى الجبهات أداة إضافية في صراعها مع الجبهات الأخرى.

القرضاوي.. فراغ المرجعية بعد رحيل أحد أبرز الوجوه

إذا كان البر نموذجًا لمرجعية دينية مرتبطة مباشرة بالهيكل التنظيمي، فإن يوسف القرضاوي يمثل نموذجًا مختلفًا وأكثر اتساعًا. فقد تجاوز حضوره حدود جماعة الإخوان المصرية، وأصبح أحد أبرز الوجوه الدينية المرتبطة بالتيار الإسلامي السياسي على المستوى الدولي، كما ترأس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين والمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث.

ولهذا اكتسبت مواقفه وزنًا يتجاوز موقعه الشخصي، إذ لم تكن الفتوى بالنسبة إلى شبكة الإسلاميين المرتبطة به مجرد إجابة في مسألة دينية، بل كانت في أحيان كثيرة مرتبطة بقضايا سياسية عامة وبمواقف الجماعات والحركات الإسلامية من السلطة والصراع والمجتمع.

عندما توفي القرضاوي في أيلول / سبتمبر 2022، فقدت هذه الشبكة واحدًا من أكثر أصواتها حضورًا وتأثيرًا. لكن رحيله جاء في توقيت كانت فيه جماعة الإخوان قد قطعت شوطًا طويلًا في الانقسام التنظيمي، وهو ما جعل مسألة المرجعية أكثر تعقيدًا من مجرد اختيار شخصية تحل محل شخصية راحلة.

المشكلة أن القرضاوي لم يكن مجرد اسم يمكن استبداله إداريًا. فقد راكم خلال عقود حضورًا علميًا وإعلاميًا ومؤسساتيًا واسعًا، وهو ما يجعل الحديث عن «خليفة» مباشر له أمرًا يحتاج إلى تدقيق. لذلك فإن السؤال الحقيقي بعد وفاته لم يكن فقط من سيحمل اسمه أو موقعه، بل كيف يمكن لجماعة منقسمة أصلًا أن تتفق على مرجعية دينية واحدة.

ومع اتساع الخلاف بين مراكز الجماعة، تبدو هذه المعضلة أكثر وضوحًا، فغياب شخصية تحظى بمكانة مماثلة، بالتزامن مع تعدد الجبهات، يجعل المجال الديني نفسه قابلًا للاجتذاب في الصراع التنظيمي، وبذلك يتحول الفراغ الذي تركه القرضاوي من مسألة مرتبطة بشخص إلى مشكلة مرتبطة بالبنية كلها.

لندن وإسطنبول.. عندما يصبح الخلاف على القيادة خلافًا على الشرعية

لم يبدأ الصراع الحالي من المجال الديني، بل تعود جذوره إلى الانقسام التنظيمي الذي أنتج مراكز قيادة متنافسة، خصوصًا بين جبهتي لندن وإسطنبول. ومع مرور الوقت، لم يعد الخلاف مجرد اختلاف في التقدير السياسي أو أسلوب إدارة التنظيم، بل تحول إلى تنازع على من يمثل الجماعة ومن يملك حق إصدار البيانات والمواقف باسمها.

وتقدم بيانات الجماعة المنشورة عبر «إخوان أون لاين» مثالًا واضحًا على ذلك، ففي آب / أغسطس 2026، أعلنت المنصة أن مواقف الجماعة يتم التعبير عنها حصريًا عبر مؤسساتها وشخصياتها المعتمدة، وذكرت محمود حسين بوصفه القائم بأعمال المرشد العام، إضافة إلى متحدثين إعلاميين محددين.

في المقابل، تستمر منصة مرتبطة بجبهة أخرى في نشر بيانات باسم صلاح عبد الحق باعتباره القائم بأعمال المرشد العام. وفي أيلول / سبتمبر 2026، ظهر اسمه بهذه الصفة في بيانات تناولت قضايا إقليمية، بما يعكس استمرار التنافس على الموقع القيادي والتمثيل التنظيمي.

هذا التناقض لا يتعلق بالمسميات وحدها. عندما تقول جهة إن بياناتها وحدها هي المعتمدة، بينما تقدم جهة أخرى نفسها باعتبارها القيادة الشرعية، فإن كل طرف يحاول عمليًا احتكار تعريف «الجماعة» نفسها. ومن هنا يصبح انتقال الصراع إلى المجال الديني نتيجة طبيعية، إذ تصبح الجهة التي تملك الشرعية التنظيمية تسعى إلى تثبيت شرعيتها الدينية، والجهة المنافسة تبحث بدورها عن أدوات تمنحها القدرة على تحدي خصمها.

لهذا السبب تبدو معركة المرجعية أخطر من خلاف عابر حول فتوى. إنها جزء من معركة أوسع على مصدر الشرعية داخل تنظيم فقد وحدته القيادية. وكلما اتسعت الهوة بين الجبهات، أصبح امتلاك هيئة دينية أو علماء أو منابر شرعية وسيلة أخرى لتثبيت النفوذ وإظهار أن الجبهة المعنية ليست مجرد مجموعة منشقة، وإنما تمثل الامتداد «الصحيح» للتنظيم.

«هيئة علماء الإخوان».. الفتوى تدخل ميدان الصراع

في الأيام الأخيرة، ظهرت تقارير تتحدث عن انتقال هذا الصراع بصورة أوضح إلى المجال الشرعي، من خلال الحديث عن إعادة تشكيل ما يسمى «هيئة علماء الإخوان» في جبهة محمود حسين، مع الإشارة إلى دور همام علي يوسف وعدد من الشخصيات المحسوبة على هذا التيار. كما تحدثت التقارير عن خلافات مقابلة داخل الدوائر الشرعية المرتبطة بجبهة لندن.

هذه التفاصيل ينبغي التعامل معها بحذر، لأن جانبًا منها قائم على معلومات منسوبة إلى مصادر مطلعة على التنظيم، وليس على بيانات تنظيمية منشورة تكشف بصورة كاملة أسماء أعضاء الهيئة واختصاصاتها وآلية اتخاذ قراراتها. 

لكن مجرد ظهور هذه الرواية في أكثر من تغطية حديثة يكشف أن المرجعية الدينية أصبحت بالفعل موضوعًا حاضرًا في متابعة الانقسام الداخلي.

وتزداد أهمية القضية عندما تدخل الفتوى نفسها في الخلاف بين الشخصيات المحسوبة على الجبهات المختلفة. ومن الأمثلة التي أوردتها تقارير حديثة الجدل حول فتوى محمد الحسن الددو المتعلقة بالحج دون تصريح، وما قيل عن معارضة خالد حمدي لها ثم تبني جبهة لندن للرأي الآخر.

لكن الدلالة الأوسع لا تتوقف على مضمون فتوى بعينها، فالمشكلة تبدأ عندما تصبح الفتوى جزءًا من المنافسة على السلطة داخل التنظيم. عندها لا يعود السؤال متعلقًا فقط بما إذا كان الرأي الفقهي صحيحًا أو مختلفًا عليه، بل بمن يملك الحق في تقديمه باسم جماعة تعاني أصلًا من تعدد مراكز القيادة.

وهنا تظهر هشاشة البناء التنظيمي بوضوح أكبر، جيث تجد الجماعة التي كانت تتحدث تاريخيًا عن وحدة الصف والانضباط التنظيمي نفسها أمام مشهد تتنافس فيه الجبهات على القيادة، ثم على المنابر، ثم على المرجعية الدينية. وكلما زادت هذه المراكز، أصبح من الصعب الحديث عن خطاب شرعي واحد يمثل جميع أعضائها.

من «من يقود؟» إلى «من يتحدث باسم الدين؟»

تكشف هذه التطورات أن أزمة الإخوان لم تعد قابلة للاختزال في خلاف شخصي بين قيادات أو صراع على منصب المرشد. فالمشهد الحالي يجمع بين تعدد في مراكز القرار، وتضارب في تعريف القيادة، ومحاولات لتحديد القنوات الرسمية التي يحق لها إصدار المواقف، بالتزامن مع حديث متزايد عن هيئات وشخصيات تتولى أدوارًا شرعية داخل الجبهات المختلفة.

واللافت أن الجماعة نفسها تؤكد في بياناتها الحديثة أهمية المؤسسات والجهات المعتمدة في التعبير عن مواقفها. هذه اللغة تكشف حجم المشكلة؛ إذ إن مجرد الحاجة إلى تحديد «المنافذ المعتمدة» يدل على وجود مساحة واسعة من الخطاب المنافس الذي يحتاج التنظيم إلى نفي صفته الرسمية.

وعندما تنتقل الحاجة إلى تحديد الجهة الرسمية من البيانات السياسية إلى المجال الديني، يصبح الانقسام أكثر تعقيدًا، إذ يمكن لوجود أكثر من قيادة أن ينتج أكثر من موقف سياسي، لكن وجود أكثر من مرجعية شرعية يمكن أن ينتج شيئًا أعمق: أكثر من تفسير لموقف التنظيم نفسه، وأكثر من جهة تدعي امتلاك الحق في منح قراراته غطاءً دينيًا.

هذه النقطة تعيدنا إلى قصة عبد الرحمن البر. فالرجل نفسه قال بوضوح إن «مفتي الإخوان» ليس منصبًا قائمًا في هيكل الجماعة، لكن ما كان في السابق لقبًا إعلاميًا يطلق على أحد أبرز العلماء المرتبطين بالتنظيم أصبح اليوم سؤالًا تنظيميًا أكبر: إذا لم يوجد «مفتٍ» رسمي، فمن يحدد الموقف الشرعي عندما تتعدد الجبهات؟

الإجابة عن هذا السؤال تبدو أكثر صعوبة في ظل استمرار الانقسام. فالمشكلة ليست غياب اسم جديد يحمل لقب «المفتي»، وإنما غياب مركز واحد يستطيع أن يفرض نفسه باعتباره المرجعية التي تقبل بها مختلف الأجنحة. ومن هذه الزاوية، فإن صراع الفتوى ليس أزمة منفصلة عن صراع القيادة، بل إحدى أكثر علاماته وضوحًا.

المرجعية الدينية في مواجهة اختبار الانقسام

لطالما قدمت جماعة الإخوان نفسها باعتبارها تنظيمًا يجمع بين العمل الدعوي والتنظيم السياسي، ولذلك فإن العلاقة بين الخطاب الديني والقرار التنظيمي ظلت جزءًا أساسيًا من تجربتها. ومع ذلك، فإن الانقسامات المتلاحقة تضع هذه العلاقة أمام اختبار لم يعد بالإمكان تجاهله.

فالجبهة التي تستطيع تقديم نفسها باعتبارها صاحبة المرجعية التنظيمية تحتاج أيضًا إلى إثبات أن مؤسساتها الدينية قادرة على تمثيل الأعضاء. والجبهة المنافسة تحتاج إلى الوسيلة ذاتها كي لا تبدو مجرد طرف خارج القيادة المعترف بها. من هنا يمكن فهم الاهتمام المتزايد بتشكيل الهيئات الشرعية واستدعاء العلماء وإبراز الفتاوى في لحظة تتنافس فيها الجبهات على إثبات وجودها.

ولا يتعلق الأمر إذن بعودة النقاش حول شخصية دينية بعينها. القرضاوي رحل، والبر نفسه نفى وجود منصب «مفتي الجماعة»، لكن الأزمة بقيت. ما تغير هو أن الانقسام التنظيمي بات أكثر وضوحًا، وأصبح المجال الديني أحد الميادين التي يمكن أن يظهر فيها هذا الانقسام.

هذا وتحمل المعركة الحالية على الفتوى دلالة تتجاوز الأشخاص، وتكشف أن الخلاف الذي بدأ على مراكز القيادة والنفوذ أخذ يبحث عن شرعية أعمق، شرعية يمكن أن تمنح كل طرف قدرة أكبر على تقديم نفسه باعتباره الامتداد الحقيقي للجماعة.

 وفي هذه النقطة تحديدًا تتكشف إحدى أخطر نتائج الانقسام: حين يتشظى التنظيم سياسيًا، تبدأ المرجعية الدينية نفسها في التحول إلى ساحة صراع على الشرعية.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار


آخر التقارير

الصفحة الرئيسية