
كشفت ردود الفعل المتشنجة التي اجتاحت منصات جماعة الإخوان المسلمين ولجانها الرقمية، عقب وفاة المستشار أحمد الزند، وزير العدل المصري ورئيس نادي القضاة السابق، قبل أيام، عن تجدد ظاهرة متأصلة في السلوك الجمعي لتيار الإسلام الحركي، تتمثل في استدعاء ثقافة التشفي في الموت، وإعادة تدوير مشاعر الضغينة والانتقام المؤجل في مواجهة الخصوم السياسيين حتى بعد ارتحالهم عن عالم الأحياء.
ولم تكد تُعلن وفاة القاضي الذي ملأ المشهد العام صخباً إبّان قيادته لحراك القضاة ضد محاولات الجماعة للهيمنة على مفاصل الدولة، حتى تحولت الفضاءات الافتراضية التابعة للتنظيم إلى منصات للنحيب الحزبي المغلف بمسوح دينية، مستدعية مقولات العقاب الإلهي والهلاك المزعوم؛ في مشهد يتجاوز البُعد الشخصي للراحل، ليعرّي مجدداً أزمة العقل الحركي الذي يقف عاجزاً عن ممارسة الفعل السياسي الراشد، فيهرب إلى الاحتفال البيولوجي بانقضاء آجال خصومه التاريخيين.
ذاكرة الصدام المبكر... لماذا ظل الزند كابوساً لمشروع الجماعة؟
لا يمكن تفكيك هذا الطوفان من الشماتة بمعزل عن الرمزية التي مثلها أحمد الزند في مسار الصراع بين الجماعة ومؤسسات الدولة الوطنية؛ فالرجل لم يكن مجرد مسؤول تنفيذي سابق، بل شكّل رأس الحربة في المقاومة المؤسسية التي خاضها نادي القضاة ضد مخطط الأخونة في ذروة تمدده بين عامي ألفين واثني عشر وألفين وثلاثة عشر، حين استشعر القضاة مساعي التنظيم الحثيثة لمصادرة استقلال منصة العدالة وإخضاعها لمرشد المقطم.
وقد استقر اسم الزند في الوعي الإخواني بوصفه العقدة التي حالت دون اكتمال مشروع التمكين؛ إذ وقف في قلب المعارك المفصلية التي خاضتها الجماعة ضد القضاء. وتجلى ذلك بوضوح حين قاد القضاة لتعليق العمل بالمحاكم رداً على الإعلان الدستوري المكبل للقضاء في تشرين الثاني/نوفمبر من عام ألفين واثني عشر، وتصدى لواقعة محاصرة المحكمة الدستورية العليا وترهيب مستشاريها، وصولاً إلى إحباط المخطط التشريعي الذي استهدف خفض سن تقاعد القضاة لعزل أكثر من ثلاثة آلاف قاضٍ وإحلال عناصر موالية للتنظيم مكانهم.
لقد كسر الزند حينها تقاليد الصمت والتحفظ، وواجه استعلاء الجماعة بلغة حاسمة وجريئة أفقدتها توازنها السياسي وعجلت برحيلها، وهو ما يفسر بقاء اسمه غصة دائمة في حلق التنظيم حتى بعد وفاته.
تناقض المرجعية... حين تصبح العدالة الإلهية أداة كيد حزبي
تعتمد منصات الإخوان في تسويق الشماتة على تشييد سردية دينية متهافتة تقوم على تأميم فكرة العدالة الإلهية وتطويعها لخدمة الصراع الحزبي؛ إذ يتم تصوير الوفاة الطبيعية لأيّ خصم سياسي على أنّها اقتصاص إلهي لصالح الجماعة، في مقابل تصوير رحيل قادتها وكوادرها، مهما كانت أسبابه وسياقاته، بوصفه ابتلاءً ربانياً وشهادة ومنازل عليا في الجنة.
ويكشف هذا التوظيف الانتقائي عن مأزق معرفي وأخلاقي عميق في فهم ناموس الموت بوصفه نهاية حتمية لكل نفس بشرية؛ فالرحيل في سن متقدمة بعد حياة مديدة لا يمتّ بصلة لمعايير الغضب أو الرضا في مقاييس العقل، بل هو قدر وجودي عام لا يستثني أحداً. وإنّ ادعاء النطق باسم المشيئة الإلهية وجعلها تابعة للحسابات التنظيمية الضيقة يمثل نسفاً لمفاهيم العقيدة ذاتها، وانحداراً بالدين من مرتبة الهداية والتسامي إلى أداة ابتزاز وتصفية حسابات شخصية تفتقر إلى أدنى درجات النزاهة الفكرية.
ويتصادم هذا السلوك الصاخب تصادماً صارخاً مع التعاليم الإسلامية الأصيلة التي لطالما ادّعت الجماعة تمثيلها؛ فالقيم النبوية أرست أدباً رفيعاً في التعامل مع جلال الموت، مستحضرة الموقف النبوي الراسخ بالوقوف لجنازة غير مسلم انطلاقاً من مبدأ "أليست نفساً"، إلى جانب النهي القاطع عن سبّ الأموات لأنّهم أفضوا إلى ما قدموا، وأصبح حسابهم موكولاً إلى خالقهم وحده. إنّ تغييب هذه المبادئ لحساب ثقافة التشفي يفضح زيف التدين الحركي حين يوضع أمام اختبار الأخلاق الإنسانية المجردة.
سيكولوجيا العجز... الموت بوصفه انتصاراً تعويضياً في الفضاء الافتراضي
في التحليل النفسي لسلوك التنظيمات العقائدية التي منيت بهزائم كبرى، تبرز الشماتة في موت الخصوم كإحدى أبرز آليات التعويض النفسي عن العجز الميداني؛ فالجماعة التي تعيش حالة من التفكك والانقسام الداخلي الممتد بين عواصم الشتات، وفقدت حضورها الشعبي والتنظيمي داخل مصر، باتت عاجزة عن خلق أيّ تأثير سياسي ملموس، ممّا يدفع كوادرها إلى البحث عن انتصارات رمزية سهلة ومجانية خلف شاشات الحواسيب.
ويتحول موت الرموز السياسية أو القضائية في هذا السياق إلى مادة دسمة لإنتاج وهم الغلبة؛ إذ تفرغ اللجان الإلكترونية طاقات الإحباط المكبوتة عبر كتابة التدوينات الشامتة، وإيهام القواعد التنظيمية المحبطة بأنّ الصراع لم يُحسم بعد، وأنّ السماء ما تزال تنتقم لهم من خصومهم. وهذا السلوك يعكس حالة هروب كاملة من مواجهة استحقاقات الواقع، وتفادياً لمراجعة الأسباب الذاتية التي أدت إلى سقوط مشروع الجماعة ولفظ المجتمع لها، عبر الاستعاضة عن الفعل السياسي الحقيقي بهستيريا النبش في القبور.
تآكل المعيار الأخلاقي... سقوط شرف الخصومة في العقل الحركي
إنّ المعضلة الأكثر خطورة في نهج الإخوان المتكرر إزاء رحيل الشخصيات العامة، تكمن في تدمير المشتركات القيمية وتلويث الفضاء العام بثقافة الفجور في الخصومة؛ فالموت في الضمير الإنساني السوي وفي صلب الثقافة العربية والإسلامية كان على الدوام فاصلاً أخلاقياً حاسماً يسقط عنده النزاع وتهدأ عنده السجالات الحزبية احتراماً لرهبة النهاية وحرمة الفناء.
غير أنّ التنظيم الذي أنفق عقوداً في الترويج لشعارات التربية والسمو الروحي، يثبت عند كل منعطف أنّ الإيديولوجيا السياسية جرفت لديه حتى بديهيات الشهامة والمروءة التي عرفها العرب قبل الإسلام؛ فإصرار كوادره على تحويل الجنائز إلى محاكم تفتيش حزبية، والتنابز بالألقاب حول جثمان يوارى الثرى، يُعبّر عن خواء وجداني وإفلاس تام لم يترك للجماعة رصيداً سوى مراكمة الأحقاد وإشاعة ثقافة الكراهية.
لقد مضى أحمد الزند إلى ذمة التاريخ مسجلاً سيرة قاضٍ وقف بشجاعة لحماية استقلال محراب العدالة والدفاع عن هوية دولته في أحلك لحظات التهديد؛ بينما بقي الشامتون يمارسون رقصتهم البائسة على هوامش الأحداث، مبرهنين للعالم بأسره أنّ الفصيل الذي عجز عن قيادة الدولة حين كان حياً، لم يتعلم كيف يحفظ كرامة الإنسانية حين يموت خصومه.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D8%A7_13_0_1_1_4.jpg.webp?itok=1MF1PT54)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%D9%8A_0.jpg.webp?itok=L7ChV0Yq)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%8611_0.jpg.webp?itok=rKR18f3Z)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%AF%D8%B3_8_0_3.jpg.webp?itok=7SaZ6gk3)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D9%86%D9%88%D8%B4%D9%8A_27.jpg.webp?itok=_ocAvSsS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_7.jpg.webp?itok=k-oSOrYJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_128.jpg.webp?itok=fDrYEUqG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D9%88%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4_1.jpg.webp?itok=rOHFaiJh)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4_133_0_1_0_4.jpg.webp?itok=Esh5pYaZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%861_1.jpg.webp?itok=lknizKOA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8_29.jpg.webp?itok=8UXP-Yn-)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4_5.jpg.webp?itok=ay3bIxpD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%B1%D8%B6%D8%A7%D9%88%D9%8A_15_0_0_4.jpg.webp?itok=6X3JWcbO)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B2%D9%86%D8%AF.png.webp?itok=pxUkFuXY)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%860_0.jpg.webp?itok=fJUvVYE5)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D8%B0%D8%A7%D8%A1.png.webp?itok=9xetE5LR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%88%D9%86%D8%B3_193_2.jpg.webp?itok=vYjEA8ir)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A7_4.jpg.webp?itok=hVI6UEOO)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1%D9%8A%D9%88%D9%86.jpg.webp?itok=6NR9l7ZM)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_20.png.webp?itok=1CULT9B4)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D9%88%D9%8A%D8%A9_6.jpg.webp?itok=W3HmVWTo)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D8%A7%D8%B5%D9%85%D8%AA%D8%A7%D9%86.jpg.webp?itok=Kmx-TQ6p)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D9%88%D9%84%D9%86%D8%AF%D8%A71.jpg.webp?itok=uIWaxHOJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D8%A7_13_0_1_1_3.jpg.webp?itok=zyIAiQBd)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_51.jpg.webp?itok=ismhmetI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)