مؤتمر الإسكندرية يُعزز الهوية الوطنية ويُزعزع المشروع الإخواني البديل

مؤتمر الإسكندرية يُعزز الهوية الوطنية ويُزعزع المشروع الإخواني البديل

مؤتمر الإسكندرية يُعزز الهوية الوطنية ويُزعزع المشروع الإخواني البديل


27/09/2026

استضافت مكتبة الإسكندرية فعاليات المؤتمر الوطني "الهوية الوطنية... جذور راسخة ورؤية متجددة"، على مدار ثلاثة أيام خلال الفترة من 21 إلى 23 أيلول/سبتمبر 2026. وقد سلط المؤتمر الضوء على التهديدات الوجودية التي تشكلها جماعات الإسلام السياسي، وفي مقدمتها تنظيم الإخوان المسلمين الإرهابي، على الهوية الوطنية المصرية، مؤكداً أنّ العلاقة بين الطرفين هي "علاقة صفرية" لا تقبل التوفيق أو التعايش.

ومن خلال فعاليات المؤتمر يتضح أنّ أوّل أسباب تدشين هذا المؤتمر هو التهديد الواضح والصريح للهوية المصرية الذي تمثله جماعة الإخوان المسلمين، فالجماعة تضع الهوية المصرية في مقابل الدين، وتضع الاعتراف بالانتماء إلى الهوية المصرية موضع رفض الانتماء إلى الدين الإسلامي، وكأنّهما متعارضان، والهدف من ذلك التنصل من الوطن لتبني لأعضائها والمتعاطفين معها وطنًا بديلًا خياليًا، وهو الجماعة بطبيعة الحال، لتضمن بذلك ولاءهم المُطلق. 

وشهدت جلسات المؤتمر إجماعاً أشار فيه المشاركون والأكاديميون إلى أنّ خطورة تنظيم الإخوان لا تتوقف عند حدود إفراز مخاطر أو تداعيات سلبية جانبية، بل إنّ وجود التنظيم بحد ذاته يمثل الخطر الأكبر والمباشر على مقومات الهوية الوطنية التي تشكلت عبر آلاف السنين، لكونه يسعى لإحلال هويته التنظيمية المتطرفة بديلاً عن الدولة والمواطنة.

الهوية الإخوانية كهوية بديلة ومجاوزة للوطنية

في تاريخ نشأتها وبنيتها التنظيمية والفكرية تقوم جماعة الإخوان على الانشقاق الاجتماعي والسياسي الذي لا يقبل الآخر، ويضع نفسه في الجهة المُقابلة رافضًا الالتقاء. وتضع نفسها موضع تحديد القيم وبنائها، وتُعنف المجتمع لعدم الانتماء إليها، وتماهي بينها وبين الدين، ليكون لها هي الحق في الاعتراف بمن هو مؤمن، ومن هو غير ذلك.  

وتقوم سياستها على المُصادرة والسبق، وهي سياسة وضعها المُنظّر الرئيس للجماعات الإسلامية أبو الأعلى المودودي، حين قال إنّ الحياة ما هي إلا خاضع ومُسيطر، ولكي لا يكون المُسلمون هم الخاضعين، أو الذميين حسب ما يقول، فإنّ عليهم أن يكون لهم السبق والانتصار لتكون كلمتهم هي العُليا، على هذا الأساس يخرج الخطاب الإخواني مُحددًا ما يجب وما لا يجب، يتهم الجميع ويُحدد أهدافهم وقيمهم، ويضعهم في موضع الشك والاتهام، وكأنّ هذا هو الطبيعي ولا يقبل الشك فيه، فهو المرجعية ولا يُراجع. 

وعلى هذا الأساس تبني الجماعة تنظيمها وولاء أعضائها ليكون للجماعة فقط، ويكون مجاوزًا لإطار الدولة الجغرافية والسياسية، وذلك لأنّها تُمثل الدين، والدين قبل الوطن وأولى بالولاء منه، واضعين الدين ضد الوطن في ثنائية كأنّها بديهية، وذلك لأنّهم يعلنون أنفسهم المالكين الحصريين للدين، وحق التدين.

من ثنائية الولاء للدين أو للوطن كان الانتماء إلى الجماعة يُمثل عداءً للوطن، وهذا ما وضعته الجماعة في بنيتها، وأقامت الجماعة نظامًا دينيًا وسياسيًا وفكريًا واجتماعيًا خاصًا بها، وهذا ما يجعلها هوية موازية، ليس للهوية السياسية فحسب، بل للهوية الاجتماعية والثقافية، والدينية كذلك، فالنمط الديني لا يخرج عن بنية ثقافة المجتمع، ويتكون داخلها كي يكون له وجود فعال فيها، ولا يقتصر دوره على الحضور الشكلاني أو استغلاله سياسيًا كما هو الحال مع جماعة الإخوان المُسلمين.

جاءت بنية الجماعة الفكرية والتنظيمية دقيقة ومُرتبة بصورة كافية؛ إذ عملت على بناء هيكل تنظيمي اجتماعي مُختلف عن التنظيم الاجتماعي المعهود، وبنت نظامًا للأسُر خاصًا بالجماعة، ليُعزز الانتماء إليها ويبني هويتها الاجتماعية، لتكون بناءً اجتماعيًا مختلفًا عن النسيج العام، وخارج المعهود إنسانيًا من نظام الأسُر، وهذا يُهدد المجتمع وهويته بلا شك. 

وتبني خطابها الدعوي على الانتماء إلى الدين المُمثل في الجماعة، والتبرؤ من الهوية الوطنية، ومُبررها في ذلك أنّ هذه الانقسامات جاءت بوازع أوروبي استعماري، يهدف إلى هدم الهوية الإسلامية، ومن هذه الزاوية تضع الهوية الوطنية مقابلة للانتماء العقائدي. ولا تنتبه إلى أنّ هذه الانقسامات كانت قائمة بالفعل حتى في ظل الدولة الإسلامية، لأنّ هذه المجتمعات كان لها ثقافات مختلفة وتبنت الدين وفق ثقافتها، وظهر هذا في اختلاف الأئمة الذي كان للبُعد الجغرافي دور رئيسي فيه.

الهوية المصرية وفرعون مصر 

تبني الجماعات الإسلامية، ولا سيّما جماعة الإخوان المسلمين، خطابها وسرديتها حول رفض الهوية المصرية على قصة فرعون مصر ونبي الله موسى، ويرون أنّ هذه الهوية تُمثل هذه الحضارة الكافرة، لذلك تمثل الهوية المصرية خاصة تهديدًا واضحًا لها عن أيّ هوية وطنية أخرى، وهذا ما تقدمه وفق خطابها وأدواتها. 

كما أنّها تُقدم نفسها كنموذج للحضارة وبنائها، ولا يوجد أيّ نمط حضاري يُمكن أن يخرج عن إطارها، وإلّا كانت حضارة فاوستية باعت روحها للشيطان كالحضارة الأوروبية؛ أي حضارة لا تعرف الدين، وحضارة دنيا فقط تعيش في الجاهلية الثانية، كما قال أهمّ مُنظّر للجماعة الذي يُعدّ مُترجمًا لأفكار المودودي، وهو سيد قطب. 

وعلى ذلك تكون أيّ حضارة مُهددة لهذه الجماعة إذ أنّها تُعلن فراغ مشروعها من مضمونه، لتكون هناك مناهج وطرق لبناء الحضارات خلاف الطريقة والمنهج الإخواني، وتُناصب العداء لأيّ حضارة أخرى. وتقوم الجماعة على سردية أساسية وهي أنّ العالم يعيش حالة من الإفلاس القيمي تضعه في جاهلية تامة، رغم التقدم الحضاري الذي تسمّيه بالتقدم المادي. 

وهذه الجاهلية تقوم على أساس السطو على سلطان الله في أرضه من قبل البشر، وعلى الحاكمية التي يراها أخص خصائص الألوهية، فكل مجتمع يحكمه بشر هو جاهلي في نظر الجماعات الإسلامية. وهذا ما جاء صراحة على لسان عضو مكتب الإرشاد بجماعة الإخوان المسلمين محمود غزلان إذ يقول: "يا أهل مصر؛ لقد أتيناكم لننقذكم من الجاهلية والكفر وعصور الظلام التي كنتم تعيشون فيها".

وبموجب ذلك ترفض جماعة الإخوان الاعتراف بأيّ حضارة، وأيّ حضارة لا تكون هي قوامها تضعها في عداء معها، هذا من جانب، ومن جانب آخر تعدّ أيّ حضارة قامت أو قائمة لا تستطيع الجماعة بناءها تمثل دليلًا على عجزها عن قيادة الكون، وتمثل الضمير الكوني والحضارة الروحية والمادية معًا وفق ما تُقدم؛ لذا ترى فيها تهديدًا حقيقيًا. 


آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية