الإخوان المسلمون في صربيا... حضور عبر الشبكات لا عبر التنظيم

الإخوان المسلمون في صربيا... حضور عبر الشبكات لا عبر التنظيم

الإخوان المسلمون في صربيا... حضور عبر الشبكات لا عبر التنظيم


27/09/2026

تبدو خريطة حضور جماعة الإخوان المسلمين في صربيا أكثر التباساً وغموضاً مقارنةً بتموضعها في بلدان وسط أوروبا؛ إذ لا تسفر الشواهد الميدانية والوثائق المتاحة عن وجود فرع تنظيمي صلب للجماعة، ولا عن مؤسسات محلية يمكن تصنيفها على نحو قاطع كواجهات حركية مباشرة للتنظيم. غير أنّ هذا الغياب الهيكلي لا يعني انقطاع الخيوط بالكليّة؛ فقد تشكلت على مدار العقود الماضية شبكة رخوة ومعقدة من التقاطعات الشخصية والدينية والسياسية، ربطت نخب فاعلة من مسلمي إقليم "السنجق" (جنوب غربي صربيا) بكيانات في البوسنة وكوسوفو، وهي دوائر تتقاطع في الأدبيات البحثية مع الشبكات الأوروبية للإسلام السياسي.

وفي هذا السياق، تخلص دراسة مشتركة لمركز "غلوبسيك" (GLOBSEC) بالتعاون مع "مشروع مكافحة التطرف" (CEP) حول نشاط الإخوان في التشيك وبولندا وصربيا، إلى أنّ جُلّ مسارات البحث المتعلقة بوجود امتدادات إخوانية في صربيا تمرّ حتماً عبر بوابة البوسنة والهرسك، وتحديداً عبر القناة الوثيقة التي ربطت المفتي الراحل للمشيخة الإسلامية في صربيا، معمر زوكورليتش، برئيس العلماء السابق في البوسنة والهرسك، مصطفى سيريتش.

"السنجق"... جغرافيا الهوية واستقطاب المرجعية

لفهم ديناميات هذا الحضور الشبكي، ينبغي التوقف أوّلاً عند خصوصية إقليم "السنجق" الممتد بين صربيا والجبل الأسود، الذي يتركز فيه الثقل العددي لمسلمي البلاد من قومية "البوشناق". فعلى مدى عقود ارتبط الوعي الديني لقطاع عريض من مسلمي الإقليم برابطة بوشناقية عابرة للحدود، رأت في العاصمة البوسنية سراييفو مركز ثقلها الروحي والتاريخي.

ومع تفكك يوغوسلافيا السابقة، تجاوزت قضية المرجعية إطارها الفقهي لتتحول إلى ورقة سياسية تتصل بمحددات الهوية الوطنية للأقلية المسلمة وموقعها إزاء الدولة المركزية في بلغراد. وقد توّج هذا الاستقطاب عام 2007 بانقسام مؤسسي حاد ولّد مؤسستين متنافستين: "المشيخة الإسلامية في صربيا" (IZuS) ومقرها نوفي بازار، و"الاتحاد الإسلامي لصربيا" (IZS) ومقره بلغراد.

قاد الهيئة الأولى المفتي معمر زوكورليتش، متمسكاً بالتبعية التنظيمية والروحية للمشيخة الأم في سراييفو؛ في حين قاد الهيئة الثانية آدم زيليكيتش، متبنياً توجهاً يميل إلى توطين الإدارة الإسلامية وفصلها عن البوسنة. ولم يكن الخلاف صراعاً حول منصب المشيخة، بل تماهى مع التنافس الحزبي داخل السنجق، ومع معادلة الولاء والتمثيل: هل تظل سراييفو البوصلة الروحية، أم تُدار الشؤون الإسلامية عبر مؤسسة وطنية تخاطب بلغراد مباشرة؟

معمر زوكورليتش... قناة الاتصال مع سراييفو

مثّل زوكورليتش الرقم الأصعب في معادلة السنجق الدينية والسياسية؛ فمنذ توليه منصب الإفتاء في التسعينيات ثم رئاسته لمشيخة نوفي بازار عام 2007، جاهر الرجل بأنّ مؤسسته جزء لا يتجزأ من المظلة الإسلامية البوسنية.

وقد وفّرت علاقته الوطيدة بمصطفى سيريتش، رئيس العلماء البوسني آنذاك، غطاءً دينياً وسياسياً لمشروعه. غير أنّ هذه العلاقة تحديداً غدت المدخل الأبرز لتوجيه اتهامات الارتباط بالإخوان؛ إذ استندت دراسة "غلوبسيك" إلى تقارير تحدثت عن اتصالات جمعت سيريتش برموز تتبع التنظيم الدولي في أوروبا، ليجري سحب هذا التوصيف لاحقاً على زوكورليتش بحكم التنسيق المباشر بينهما.

إلا أنّ التدقيق البحثي يدعو إلى الحذر؛ فالشهادات الميدانية التي استقتها الدراسة داخل صربيا لم تعثر على أدلة صلبة تثبت خضوع زوكورليتش لأجندة حركية إخوانية، بل أكدت أنّ شبكة علاقات سيريتش المتشعبة مع مختلف المدارس الإسلامية لا تسوّغ تحويل كل تقاطع ظرفي معه إلى دليل انتماء تنظيمي.

مصطفى سيريتش ومشروع "المرجعية الأوروبية"

تنبع أهمية سيريتش من طموحه القديم لتأسيس "مرجعية إسلامية أوروبية موحدة". ففي طروحاته المنشورة منذ عام 2007، دعا الرجل إلى مأسسة سلطة دينية عابرة للقارة تشرف على التعليم والتأطير المدني للمسلمين، وهو ما تقاطع موضوعياً مع نزوع مؤسسات إسلامية موالية للإخوان كانت تطرح مشروعات مماثلة في الغرب.

وفي السنجق، تُرجمت هذه الرؤية عبر تكريس التبعية لسراييفو؛ غير أنّ انخراط سيريتش في فعاليات إسلامية إقليمية وأوروبية متعددة لا يجعله، من الناحية المنهجية، جزءاً عضوياً من جماعة الإخوان، ولا يحيل الهيئات المحلية التابعة له تلقائياً إلى واجهات للجماعة؛ وهو ما فرض على الدراسات الرصينة التمييز الصارم بين "التقارب الفكري العابر" و"الانخراط الحركي الفعلي".

مسار كوسوفو... جمعية "AKEA" وتقاطعات الدعاية

المسار الآخر الذي وُظّف لتأكيد الحضور الإخواني تمثّل في منظمة "AKEA" (رابطة الثقافة والتعليم في كوسوفو) التي أغلقتها السلطات في بريشتينا عام 2014 ضمن حملة استهدفت جمعيات ارتبطت بأنشطة مشبوهة وتلقت تمويلات تركية، مع شبهات قربها من فكر الإخوان وتيارات راديكالية بالمنطقة.

بيد أنّ خيوط الاتصال بين "AKEA" والداخل الصربي ظلت شديدة الهشاشة؛ إذ لم تتعدّ مشاركة زوكورليتش عام 2014 خبراً على صفحته الشخصية حول معرض كتاب للمنظمة في بريزرن تضمن سيرته الذاتية، إلى جانب تغطيات صحفية متفرقة لموقع "سنجق برس". وتُعدّ هذه الوقائع شواهد على تواصل إعلامي ودعائي متبادل، لكنّها تعجز عن إثبات وجود رابط هيكلي يجعل من مشيخة السنجق ذراعاً لحراك خارجي.

فك الاشتباك: الإخوان في مواجهة التيارات التكفيرية

أحد المزالق المنهجية التي تقع فيها بعض القراءات يكمن في الخلط بين الظاهرة الإخوانية وحالة التطرف العام؛ فالسنجق شهد خلال العقدين الماضيين نشاطاً لجماعات سلفية جهادية وتكفيرية تولت تسفير مقاتلين إلى سوريا والعراق.

هذه البيئات التكفيرية ناصبت المؤسسات الرسمية العداء، بل كفّرت شخصيات كـ "زوكورليتش وسيريتش"، وهاجمت مقار المشيخة. وهنا تُجمع التحليلات الأمنية، وفي مقدمتها تقرير "غلوبسيك"، على أنّ الاستقطاب الديني الراديكالي في صربيا ظل سلفياً ـ تكفيرياً في بنيته العامة، بينما اقتصر الحضور الإخواني على أفراد قلائل أو ناشطين مستقلين بلا أيّ حاضنة تنظيمية فاعلة.

مرحلة ما بعد زوكورليتش: ميثاق الوحدة (2026)

مع وفاة زوكورليتش في تشرين الثاني (نوفمبر) 2021، دخل السنجق طوراً جديداً؛ إذ صعد نجله أسامة زوكورليتش إلى المشهد السياسي متولياً حقيبة وزارية في الحكومة الصربية معنية بالمصالحة والاستقرار المجتمعي.

وشهد آب (أغسطس) 2026 محطة تاريخية بالغة الأهمية؛ حيث وقّعت قيادات "المشيخة الإسلامية" و"الاتحاد الإسلامي" في بلغراد "ميثاق الوحدة"، واضعةً حداً لانقسام استمر قرابة تسعة عشر عاماً. ونص الاتفاق على إعادة دمج المؤسسات التعليمية والأوقاف في هيكل موحد مقره نوفي بازار، مع صيانة الرابطة الروحية مع سراييفو واستقلال الإدارة الداخلية.

هذا التطور يؤكد بوضوح أنّ المحدد الأساسي للحقل الديني في صربيا كان وسيظل متمحوراً حول التوازنات بين "نوفي بازار، وسراييفو، وبلغراد"، وليس استجابةً لأجندات حركية مستوردة.

شبكة مصالح لا بنية تنظيمية

تكشف الحالة الصربية عن نموذج شديد الخصوصية مقارنةً بما رُصد في التشيك وبولندا؛ فبينما تحركت الجماعة في وسط أوروبا عبر مراكز ثقافية وواجهات واضحة، ظلت في صربيا مجرد "حضور شبكي عائم" يستند إلى علاقات رمزية وسياسية تتقاطع فيها الهوية البوشناقية وحسابات التمويل الإقليمي والنشاط المناطقي.

كما أنّ انخراط مسلمي الإقليم المتزايد في الفضاء الوطني، الذي تجلّى بوضوح في مشاركة طلاب نوفي بازار في الحراك الاحتجاجي والمدني العام بصربيا خلال عام 2026، يعكس انتقال الأقلية المسلمة من طور التمترس الهوياتي إلى فضاء المواطنة والمجال العام المشترك.

والخلاصة المركزية التي تؤكدها قراءة هذا المشهد تفيد بأنّ الفارق بين "الشبكة الفضفاضة" و"الهيكل التنظيمي الحركي" ليس ترفاً لغوياً؛ بل هو مفتاح تفكيك الإسلام السياسي في البلقان: قد تتقاطع المصالح وتتسع دوائر العلاقات العامة العابرة للحدود، غير أنّ هذا الامتداد يظل عاجزاً عن تخليق فرع تنظيمي للإخوان المسلمين في بيئة لم توفر للتنظيم سوى هوامش مناورة رخوة وغير مستقرة.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية