"الجماعة الإسلامية" في لبنان... مأزق الخيارات الإقليمية

"الجماعة الإسلامية" في لبنان... مأزق الخيارات الإقليمية

"الجماعة الإسلامية" في لبنان... مأزق الخيارات الإقليمية


26/09/2026

لم تتشكل "الجماعة الإسلامية" في لبنان بوصفها تنظيماً سياسياً أو عسكرياً منذ بداياتها، بل انبثقت من بيئة دعوية وإصلاحية تحوّلت تدريجياً نحو العمل الإسلامي المنظم، قبل أن تجد نفسها أمام أسئلة السياسة والعمل البرلماني والمقاومة المسلحة. وعلى امتداد أكثر من سبعة عقود، تنقّلت الجماعة بين هذه المسارات من دون أن تستقر بصورة نهائية في أحدها، أو تتحول إلى القوة السُّنية الرئيسية في البلاد، أو إلى تنظيم مقاوم يماثل "حزب الله" في الحجم والدور.

وفي دراسة بعنوان "الجماعة الإسلامية في لبنان: من الجذور الفكرية إلى مقصلة التصنيف الأمريكي"، نشرها "معهد السياسة والمجتمع"، تقدم الباحثة ميرا مشعل قراءة مركزة لهذا المسار من الجذور الفكرية وصولاً إلى موقع الجماعة الحالي في المشهدين؛ اللبناني والإقليمي.

وترى مشعل أنّ تجربة "الجماعة" قامت على التنقُّل بدرجات متفاوتة بين ثلاثة أدوار رئيسية: الدعوة والعمل السياسي والمقاومة، وظلت علاقتها بكل دور منها مرهونة بتحوّلات البيئة المحيطة. وتشير الدراسة إلى أنّ "الجماعة" دخلت اليوم مرحلة "إعادة تعريف" لدورها، لا سيّما بعد استئناف "قوات الفجر" نشاطها على الجبهة الجنوبية عقب حرب غزة، وما رافق ذلك من إعادة طرح لموقعها في معادلة المقاومة وعلاقتها بـ "حزب الله"، وانتهاء بالتطور المتمثل بالتصنيف الأمريكي الأخير.

من "عباد الرحمن" إلى "الجماعة الإسلامية"

تعود جذور الجماعة، بحسب الدراسة، إلى جماعة "عباد الرحمن" التي تأسست في بيروت عام 1950 على يد الداعية محمد عمر الداعوق، وأسهمت مجلة "الدعوة" في نقل أفكار جماعة الإخوان المسلمين إلى المجال اللبناني، وبرز فتحي يكن لاحقاً بوصفه الشخصية الأبرز في انتقال هذا النشاط نحو صيغة أكثر تنظيماً.

وفي عام 1959 انفصلت مجموعة طرابلسية يقودها يكن عن "عباد الرحمن" في بيروت، وتقرأ الباحثة هذه الخطوة باعتبارها تعبيراً مبكراً عن اختلاف في تصور العمل الإسلامي؛ بين نموذج دعوي وإصلاحي ذي طابع خيري، ونموذج آخر أكثر شمولاً في العمل والتنظيم، تأثر بأدبيات الإخوان المسلمين، ولا سيّما أفكار سيد قطب ومصطفى السباعي.

وظهر الاختلاف أيضاً في التعامل مع أحداث لبنان؛ ففي أزمة عام 1958 حافظت قيادة بيروت على موقف أقرب إلى الحياد، بينما اتجهت المجموعة في طرابلس إلى نشاط أكثر حركية، فأنشأت إذاعة "صوت لبنان الحر" وشكلت كوادر ميدانية.

وتشير الدراسة إلى زيارة المرشد العام للإخوان المسلمين حسن الهضيبي إلى لبنان عام 1954 باعتبارها إحدى المحطات التي عزّزت الصلة الفكرية والتنظيمية بين النشاط الإسلامي اللبناني والحركة الأم.

وفي عام 1964 أخذت الجماعة الإسلامية شكلها التنظيمي بصورة أوضح، مع افتتاح مركز لها في بيروت، وتولّي فتحي يكن أمانتها العامة الأولى، إلى جانب شخصيات من بينها؛ فايز عيالي ومحمد كريمة ومحمد دريدي وإبراهيم المصري، وأصدرت الجماعة وثيقة بعنوان "الجماعة الإسلامية: المبادئ والأهداف"، عكست توجّهاً نحو العمل الإسلامي المنظم الذي يتجاوز حدود الوعظ الفردي.

من العمل الدعوي إلى السلاح

لم يبقِ اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 الجماعة خارج التحوُّلات الأمنية والعسكرية، وتذكر الدراسة أنّ الجماعة اتّجهت إلى تشكيل "المجاهدين" في الشمال بوصفهم قوة ذات طابع دفاعي، ضمّت عناصر من خارج التنظيم أيضاً، قبل أن يجري حلّها بعد التدخّل السوري عام 1976.

ثم جاء الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 ليفتح مرحلة مختلفة؛ ففي صيدا أُعيد تفعيل "قوات الفجر" بوصفها التشكيل العسكري المرتبط بالجماعة، وانتقل نشاطها، وفق الدراسة، من إطار الدفاع المحلي إلى تصور أوسع للمقاومة ضد إسرائيل.

غير أنّ الانتقال إلى العمل العسكري لم يكن خالياً من التوتر داخل التنظيم؛ فبحسب ما أوردته الباحثة، برزت مسافة بين قيادة سياسية أكثر حذراً وقيادات ميدانية دفعت نحو نشاط عسكري أوسع، ووصلت بعض العمليات إلى التنفيذ قبل الحصول على موافقة تنظيمية واضحة، وقبل أن تخضع البنية العسكرية لاحقاً لضوابط تنظيمية أكثر سرّية.

ومع انتهاء الحرب الأهلية، وإقرار اتفاق الطائف، ثم صعود "حزب الله" بوصفه القوة العسكرية الرئيسية في مواجهة إسرائيل، تقلّص المجال المتاح أمام "قوات الفجر"، فلم تتحوّل الجماعة إلى قوة مقاومة موازية، وظل حضورها العسكري محدوداً مقارنة بـ "حزب الله".

وهنا تتبلور إحدى السمات التي تراها الدراسة أساسية في مسار الجماعة؛ فهي لم تتخلَّ تماماً عن خيار المقاومة، لكنّها في الوقت نفسه لم تتحول إلى تنظيم عسكري مركزي، وظلت تتحرك بين النشاط الدعوي والسياسي وبين حضور عسكري محدود.

السياسة والبرلمان: حضور متقطّع من دون تمثيل سُنّي واسع

دخلت الجماعة الانتخابات النيابية منذ عام 1972، إلا أنّ حضورها السياسي ظل متفاوتاً تبعاً للتحوُّلات التي شهدها لبنان، وتضع الدراسة انتخابات 1992 في موقع بارز من تجربتها السياسية؛ إذ ارتفع حضور الجماعة في البرلمان في مرحلة إعادة بناء النظام السياسي بعد "الطائف"، وفي ظل فراغ سياسي سُنّي أعقب انتهاء الحرب.

وترجع الباحثة هذا الصعود إلى الفراغ السياسي الذي أعقب الحرب، لا إلى كونه تعبيراً عن تحوّل الجماعة إلى قوة شعبية سُنّية واسعة، غير أنّ هذا الحضور سرعان ما تراجع بعد عام 1996، في ظل مرحلة النفوذ السوري، قبل أن يتغيّر المشهد السُّني مجدداً بعد عام 2005 مع صعود "تيار المستقبل" بوصفه القوة السياسية السُّنية الأبرز؛ حيث اتجهت الجماعة إلى التعاون معه بدل خوض منافسة مفتوحة على تمثيل الطائفة، وكان عماد الحوت أحد أبرز وجوهها البرلمانية، ودخل مجلس النواب عام 2009.

لكنّ نتائج انتخابات 2018 و2022، بحسب الدراسة، أظهرت صعوبة تحويل الحضور التنظيمي والاجتماعي للجماعة إلى كتلة نيابية سُنّية واسعة، وبذلك بقيت الجماعة فاعلاً سياسياً له حضور انتخابي وبرلماني، من دون أن تصبح القوة الرئيسية التي تمثل السُّنة في النظام اللبناني.

علاقة "الجماعة" بـ "حزب الله" بين التعاون والتباعد

تعود العلاقة بين "الجماعة الإسلامية" و"حزب الله" إلى مراحل مبكرة من العمل المقاوم، وتشير الدراسة إلى تعاون عسكري بين الطرفين، وإلى استخدام "حزب الله" معسكرات تدريب تابعة للجماعة في صيدا والبقاع الغربي ومناطق حدودية.

لكنّ التعاون العسكري، وفق الدراسة، لم يتحوّل إلى تحالف سياسي دائم؛ إذ احتفظت "الجماعة" بموقعها كتنظيم سُنّي لبناني مستقل، بينما كان "حزب الله" يتقدم بوصفه القوة الرئيسية في مشروع المقاومة المسلح وفي النظام السياسي اللبناني في آن واحد.

ولم تلبث الخلافات أن تعمّقت بعد عام 2005، ثم ظهرت بصورة أوضح خلال أحداث 7 أيار (مايو) 2008، ولاحقاً مع اندلاع الأزمة السورية؛ فقد وقفت "الجماعة" إلى جانب الثورة السورية، بينما تدخّل "حزب الله" عسكرياً لصالح النظام، وهو ما أحدث مسافة سياسية واضحة بين الطرفين.

غير أنّ هذه المسافة لم تؤدِّ إلى قطيعة تامة؛ وتشير الدراسة إلى أنّ  الاتصالات بدأت بين الجانبين تستعيد زخمها تدريجياً، وأثمرت وساطة قادها رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" آنذاك، إسماعيل هنية، عن تسهيل لقاءات جمعت الأمين العام السابق للجماعة عزام الأيوبي وحسن نصر الله عام 2016.

وترصد الباحثة تحوّلاً جديداً في طبيعة العلاقة مع انتخاب محمد طقوش أميناً عاماً للجماعة عام 2022، ففي هذه المرحلة اتجهت الجماعة إلى مستوى أعلى من التنسيق السياسي والإعلامي والأمني مع "حزب الله"، شمل تقاطعات انتخابية في بعض الدوائر، قبل أن يتعمق هذا التنسيق بصورة أوسع عقب اندلاع الحرب في غزة.

غير أنّ الدراسة لا تقدّم هذه العلاقة بوصفها تحالفاً سياسياً شاملاً، بل تراها تقاطع مصالح في ملف المقاومة وفلسطين، تتخلله تباينات ترتبط بالهوية السياسية لكل طرف وموقعه داخل النظام اللبناني.

غزة تعيد "قوات الفجر" إلى الجنوب

ومع اندلاع الحرب في غزة بعد 7 أكتوبر 2023، عادت مسألة المقاومة إلى صدارة نشاط "الجماعة"؛ حيث أعادت ذراعها العسكرية "قوات الفجر" تفعيل عملياتها من جنوب لبنان ضمن جبهة الإسناد.

ولا ترى الباحثة في هذا النشاط تحولاً عقائدياً كاملاً داخل "الجماعة"، وإنّما مناورة وإعادة تموضع فرضتها المستجدات الإقليمية؛ وبالرغم من أنّ "الجماعة" تلتقي فكرياً وتنظيمياً مع حركة "حماس"، إلا أنّ انخراطها العسكري بقي محدوداً قياساً إلى الدور الذي يؤديه "حزب الله" على الجبهة.

وتكتسب هذه العودة، وفق الباحثة، أهمية سياسية إلى جانب بعدها العسكري؛ إذ وجدت "الجماعة" نفسها أمام تراجع دور "تيار المستقبل" في الحياة السياسية السُّنية، في وقت أعاد فيه خطاب المقاومة إتاحة مساحة تسمح لقوة سُنّية محدودة الحجم باستعادة حضورها السياسي والرمزي.

لكنّ هذه المساحة لم تكن بمعزل عن ميزان القوى في الجنوب؛ حيث يُعدّ "حزب الله" القوة العسكرية المهيمنة هناك، ولذلك تتحدث الدراسة عن مستويات من التنسيق والتسهيل الميداني بين الطرفين، من دون وضع ذلك في إطار تحالف سياسي شامل أو اندماج تنظيمي.

بين الهوية السُّنية وخيار المقاومة

تضع الدراسة هذه العلاقة ضمن سؤال أوسع يتعلق بهوية "الجماعة"؛ فكلما اقتربت من ملف المقاومة والتقاطعات مع "حزب الله"، وجدت نفسها أمام معادلة دقيقة: كيف تحافظ على موقعها كتنظيم سُنّي لبناني، وفي الوقت نفسه تشارك في مشروع مقاومة تتداخل فيه قوى شيعية وإسلامية عابرة للحدود؟

وفي هذا السياق، تفسر الباحثة التباينات القيادية الحالية بوصفها اختلافاً في ترتيب الأولويات؛ إذ ترى في أداء الأمين العام محمد طقوش انفتاحاً أوسع نحو التنسيق الميداني والسياسي مع "حزب الله" و"حماس"، مقابل خط أكثر حذراً يمثله النائب عماد الحوت بالتركيز على خصوصية البيئة السُّنية واستقرار القرار الوطني.

وتشير الباحثة إلى أنّ هذا التوصيف يندرج ضمن القراءة التحليلية للاتجاهات، وليس حسماً بوجود صراع جناحين داخل التنظيم؛ وتسلط الدراسة الضوء على الدور الذي لعبته قيادات تاريخية كإبراهيم المصري وعزام الأيوبي في الحفاظ على توازنات الجماعة خلال مراحل سابقة، وسط ظروف إقليمية تتطلب اليوم مراجعة دائمة لموقعها على خط التماس بين السياسة والمقاومة.

التصنيف الأمريكي: اختبار جديد للموازنات الصعبة

وسط هذه الموازنات الصعبة، تتوقف الدراسة عند القرار الأمريكي القاضي بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين في مصر والأردن ولبنان بأنّها تنظيمات إرهابية؛ الأمر الذي يشكل عامل ضغط جديداً قد يعيد صياغة هامش الحركة المتاح لـ "الجماعة الإسلامية".

وعلى الرّغم من نقل الدراسة عن بسام حمود، نائب رئيس المكتب السياسي للجماعة، تقليله من تأثير الإجراء مستنداً إلى استقلالية تنظيمهم واعتمادهم على الموارد الذاتية، إلا أنّ الباحثة تذهب إلى أنّ الآثار المحتملة تتجاوز الجانب المالي المباشر؛ إذ قد تضيّق مساحة الحركة أمام الجماعة في علاقتها بالدولة اللبنانية والجهات الدولية، وتضعها أمام خيارات حاسمة بشأن حدود انخراطها العسكري وعلاقتها بـ "حزب الله"، ومدى قدرتها على الاستمرار في هذا المسار تحت ضغوط خارجية متزايدة.

وتربط الباحثة ذلك بخصوصية موقع "الجماعة" داخل المشهد اللبناني؛ فهي، وفق قولها، ليست تنظيماً دعوياً فحسب، ولا حزباً سياسياً سنياً واسع التمثيل، ولا قوة عسكرية موازية لـ "حزب الله"، وإنّما تنظيم تحرك تاريخياً عند تقاطع هذه المجالات، من دون أن يحسم موقعه بصورة نهائية في أيّ منها.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية