بين عاصمتين: منتدى "تريندز" السنوي في مواجهة الإخوان

بين عاصمتين: منتدى "تريندز" السنوي في مواجهة الإخوان

بين عاصمتين: منتدى "تريندز" السنوي في مواجهة الإخوان


23/09/2026

في نسخته السادسة، انتقل المنتدى السنوي الذي ينظمه مركز "تريندز" حول الإسلام السياسي من لندن إلى باريس، موسعًا نطاق نقاشه من دراسة الفكر والبنية التنظيمية لجماعة الإخوان وشبكات نفوذها إلى بحث سبل ترجمة هذه القضايا إلى إجراءات تشريعية وأمنية ومؤسسية أكثر تنسيقًا على مستوى أوروبا.

وحمل المنتدى عنوان: "استجابة أوروبية موحدة لمواجهة تهديد الإخوان"، وبدأت أعماله في لندن يوم 8 أيلول/سبتمبر 2026، قبل أن تستكمل في باريس يوم 10 سبتمبر داخل قصر لوكسمبورغ، مقر مجلس الشيوخ الفرنسي.

وشهدت الفعاليات في المحطتين مشاركة برلمانيين ودبلوماسيين وباحثين وأكاديميين ومتخصصين في قضايا التطرف والإرهاب والسياسات العامة، وتركزت المناقشات بصورة خاصة على مصادر تمويل الجماعة، وحضورها في قطاعي التعليم والمجتمع المدني، إلى جانب انتقال أنشطة الإسلام السياسي إلى الفضاء الرقمي.

بين عاصمتين

بحسب "تريندز"، فإنّ الانتقال بين العاصمتين عكس انتقالًا من دراسة البنية الفكرية والتنظيمية للتطرف إلى البحث في آليات العمل والأمن والتشريع. أمّا المشاركون في جلسات باريس فقد دعوا إلى مزيد من التنسيق الأوروبي في مواجهة شبكات الإخوان، بما يشمل التمويل الأجنبي، والتدفقات المالية، والرصد الرقمي، وتبادل البيانات البحثية. وبدأ المنتدى أعماله في 8 أيلول/سبتمبر داخل مجلس اللوردات البريطاني، حيث ركزت الجلسات على طبيعة نشاط الإخوان المسلمين في أوروبا، ومصادر تمويلهم، وما وصفه المشاركون بأدوات "القوة الناعمة" في مجالات التعليم والعمل المدني والفضاء الرقمي.

وقال منظمو المنتدى إنّ النقاش تجاوز المقاربة الأمنية التقليدية التي تركز على الأفراد والعمليات، إلى محاولة تحليل الإيديولوجيا والبنية الاجتماعية والمؤسساتية التي يرون أنّها تسمح بنمو نفوذ الإسلام السياسي. وقد تناول المنتدى الجماعة من أربعة أبعاد رئيسية: الفكري، والرقمي، والمالي، والسياسي، مع تركيز خاص على ما وصفه منظموه بتغلغل مؤسسات أو أفكار مرتبطة بالإخوان في قطاعات التعليم والثقافة والمجتمع المدني.

وطرح المنتدى فرضية أساسية في تفسيره لنشاط الجماعة، مفادها أنّ الإخوان لم يعودوا تنظيمًا مركزيًا موحد القيادة بالمعنى التقليدي، وإنّما شبكة أو إيديولوجيا قادرة على التكيف مع البيئات الاجتماعية والسياسية المختلفة. ولهذا، كان من المحاور التي برزت في جلسات لندن الانتقال من التركيز على النشاط العنيف إلى ما وصفه المشاركون بأشكال أكثر تدريجية من التأثير الإيديولوجي. وفي ما يتصل بالبُعد الرقمي، فهذه النقطة لها أهمية خاصة في النقاش الأوروبي الحالي، لأنّ النشاط السياسي والإيديولوجي لم يعد محصورًا في المؤسسات التقليدية. فالمحتوى الرقمي يمكن أن يتجاوز الحدود الوطنية بسهولة، كما أنّ خوارزميات المنصات الاجتماعية تتيح وصول الرسائل إلى شرائح من الجمهور من دون المرور بالوسائط السياسية والإعلامية التقليدية.

خطوة نحو الأمام

في باريس، ذهب النقاش خطوة إضافية، إذ تحدث المشاركون عن الحاجة إلى بنية بحثية أوروبية أكثر تكاملًا، قادرة على رصد الفضاء الرقمي ومقارنة التطورات عبر الدول بدل التعامل مع كل حالة باعتبارها ملفًا وطنيًا منفصلًا. وانعقدت المرحلة الثانية في قصر لوكسمبورغ، مقر مجلس الشيوخ الفرنسي، تحت العنوان نفسه، وناقشت ثلاثة محاور رئيسية، بحسب صفحة الفعالية الرسمية: تعزيز التنسيق الأوروبي، ومكافحة تمويل الإرهاب، والتعامل مع المشهد الإسلامي على الإنترنت.

وبحسب فهد المهري، الباحث الأوّل في "تريندز" ومدير "بارومتر تريندز"، فإنّ المشكلة لم تعد، من وجهة نظره، نقص المعرفة بقدر ما أصبحت "تشتت المعرفة؛
إذ تعمل الجهات العابرة للحدود بمنطق الشبكات، بينما تتعامل المؤسسات الوطنية معها بمنطق قطاعات منفصلة. ومن هنا جاء طرح مفهوم "الذاكرة المؤسسية" وبناء قاعدة معرفية مشتركة تسمح بتراكم المعلومات بدل إعادة دراسة الظاهرة من الصفر في كل دولة.

وهذا الطرح يحمل بُعدًا عمليًا مهمًا؛ فإذا كانت حركة الأموال والأفراد والمحتوى الرقمي لا تتوقف عند الحدود، فإنّ قدرة أجهزة دولة واحدة على تكوين صورة كاملة عن الشبكة قد تكون محدودة بطبيعتها. لذلك ركزت النقاشات على فكرة تطوير بنية بحثية مشتركة، وتوحيد المفاهيم، وتعزيز تبادل المعلومات، وربط البحث الأكاديمي بصناعة السياسات.

ووفق تقرير المركز الأوروبي للبحث والمعلومات حول الإخوان "CERIF" المتخصص في رصد الإسلام السياسي وشبكات الإخوان في أوروبا، دعا المشاركون إلى مواءمة التشريعات الأوروبية المتعلقة بالتمويل الخارجي، وتعزيز الرقابة على التدفقات المالية، وإنشاء آليات مشتركة للرصد الرقمي.

ووفق ملخص نشرته "CERIF" استنادًا إلى تغطية أوروبية، دعا النائب البريطاني السابق دانيال كاوتشينسكي وزارة الداخلية البريطانية إلى حظر جماعة الإخوان المسلمين، وتحدث اللورد وولني عن وجود ما وصفه بـ"نقطة عمياء" تسمح لشبكات مرتبطة بالإخوان ومراكز بحثية بالتغلغل في الجمعيات الخيرية وقطاع التعليم.

وبالعودة إلى الكاتب والباحث المختص في شؤون الإسلام السياسي المقيم في فرنسا، يقول لـ "حفريات": "أوروبا لا تمتلك نظامًا أمنيًا وتشريعيًا موحدًا بالكامل فيما يتعلق بالإسلام السياسي، فلكل دولة تعريفاتها القانونية الخاصة، وأجهزتها الأمنية، وقواعدها المتعلقة بالجمعيات والتمويل، فضلًا عن اختلاف التقاليد السياسية والدستورية. ومن ثم، فإنّ فكرة الاستجابة الأوروبية الموحدة لا تعني بالضرورة إصدار قانون أوروبي واحد لحظر الإخوان، وإنّما يمكن أن تبدأ من مستويات أقل صعوبة، مثل توحيد المفاهيم والتعريفات البحثية، وتحسين تبادل المعلومات بين المؤسسات المختصة، وتعزيز الشفافية بشأن مصادر التمويل الخارجي، وتطوير قواعد أكثر اتساقًا بشأن التدفقات المالية المشبوهة، والاستثمار في البحث المقارن حول التطرف والإسلام السياسي، وتطوير أدوات لرصد التحولات في البيئة الرقمية، وربط الجامعات ومراكز الأبحاث والأجهزة الحكومية في شبكات معرفية مشتركة".

التهديدات المتشابكة

يرى الكاتب والباحث المتخصص في شؤون الإسلام السياسي شيار خليل، في تصريحات خصّ بها "حفريات"، أنّ نقطة مركزية أخرى تضاعف الضغوط على أوروبا بفعل التهديدات المتشابكة على مستوى بيئة التطرف التي تنتقل من الإخوان إلى التنظيمات الإرهابية، وقد برز التخادم بين الإسلام السياسي وبين تلك التنظيمات بتياراتها وأجنحتها المتباينة، لأنّ تنظيم داعش اتجه مجددًا إلى تكثيف اعتماده على استراتيجية "الذئاب المنفردة"، باعتبارها إحدى الأدوات التي تتيح له نقل تهديده إلى دول لا يمتلك فيها حضورًا تنظيميًا مباشرًا، والاستفادة من قدرته الدعائية في تحفيز أفراد متعاطفين معه على تنفيذ هجمات بصورة مستقلة.

ويقول خليل إنّ التنظيم يعوّض جانبًا من تراجع قدراته الميدانية من خلال خطاب دعائي يحرض أنصاره على تنفيذ عمليات لا تحتاج إلى إعداد معقد أو بنية لوجستية كبيرة، لكنّها قادرة على إحداث تأثير أمني ونفسي واسع، خصوصًا عندما تستهدف أماكن عامة أو فعاليات تحظى باهتمام جماهيري وإعلامي كبير. ويشير إلى أنّ بطولة كأس العالم 2026، التي استضافتها الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، قدّمت نموذجًا واضحًا لهذا النوع من الخطاب. ففي العدد 552 من مجلة "النبأ"، الصادر في 18 حزيران/يونيو 2026، دعا التنظيم مؤيديه إلى استهداف البطولة، في إطار حملة تحريضية ركزت على الملاعب ومناطق تجمع المشجعين.

ويعتبر خليل أنّ اختيار بطولة بهذا الحجم يعكس إدراك داعش للقيمة الرمزية للأحداث الرياضية الكبرى، إذ لا تقتصر أهداف التنظيم الدعائية على إيقاع خسائر بشرية، وإنّما تشمل أيضًا تحقيق صدى إعلامي واسع وإثبات قدرته على الوصول إلى أحداث عالمية، حتى عندما يفتقر إلى وجود تنظيمي معلن في الدول المستهدفة. ولا يمثل كأس العالم 2026 سابقة في استهداف داعش للرياضة العالمية. فخلال التحضيرات لكأس العالم في روسيا عام 2018، نشر أنصار التنظيم ووسائل إعلام دعائية مرتبطة به مواد تهديدية تضمنت صورًا لنجوم عالميين، من بينهم الأرجنتيني ليونيل ميسي والبرتغالي كريستيانو رونالدو والبرازيلي نيمار، في محاولة لتوظيف شهرة اللاعبين والبطولة في تعزيز الرسالة الدعائية للتنظيم.

ويشير خليل إلى أنّ تلك الحملات كشفت مبكرًا عن إدراك داعش للأهمية النفسية والإعلامية للفعاليات الرياضية، باعتبارها تجمع أعدادًا ضخمة من الجماهير وتحظى بتغطية إعلامية عالمية، وبالتالي فإنّ مجرد التهديد باستهدافها يمكن أن يحقق للتنظيم جزءًا من هدفه الدعائي حتى في حال عدم وقوع هجوم فعلي. ومن هذا المنظور، لا ينبغي النظر إلى الدعاية الموجهة ضد البطولات الرياضية باعتبارها مؤشرًا تلقائيًا على امتلاك التنظيم قدرة عملياتية لتنفيذ التهديدات، وإنّما بوصفها أيضًا أداة لإظهار الحضور واستقطاب الانتباه وبث الخوف.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية