تجميد الأصول يربك شبكة التمويل ويطارد النفوذ.. ماذا تعني العقوبات الأمريكية للإخوان؟

تجميد الأصول يربك شبكة التمويل ويطارد النفوذ.. ماذا تعني العقوبات الأمريكية للإخوان؟

تجميد الأصول يربك شبكة التمويل ويطارد النفوذ.. ماذا تعني العقوبات الأمريكية للإخوان؟


22/09/2026

لم تعد المواجهة الدولية مع جماعة الإخوان المسلمين تقتصر على مراقبة خطابها أو نشاط واجهاتها السياسية والدعوية، إذ بدأت الإجراءات المالية والقانونية تأخذ موقعًا متقدمًا في التعامل مع الشبكات المرتبطة بها. ويبرز تجميد الأصول وحظر التعاملات المالية باعتبارهما من أكثر الأدوات قدرة على الضغط على التنظيمات التي تعتمد على تعدد الكيانات والواجهات وتوزيع النشاط بين دول مختلفة. وفي هذا السياق، جاءت الإجراءات الأميركية خلال 2026 لتفتح مرحلة جديدة، بعدما استهدفت واشنطن فروعًا من الجماعة وقيادات وكيانات مرتبطة بشبكات تمويلها، مستندة إلى اتهامات تتعلق بالدعم المالي والمادي لحركة حماس.

 وفي تموز / يوليو 2026، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية إدراج القيادي المصري محمود الإبياري، إلى جانب أفراد وكيانات أخرى، ضمن إجراءات تستهدف شبكات مالية مرتبطة بالإخوان وحماس، مشيرة إلى استخدام واجهات خيرية وقنوات مالية عابرة للحدود في نقل الأموال وإخفاء مساراتها.

ولا تبدو هذه الإجراءات منفصلة عن تحول أوسع في طريقة تعامل دول غربية مع التنظيم وشبكاته. ففي فرنسا، أُنجز تقرير حكومي رسمي حول «الإخوان المسلمين والإسلام السياسي في فرنسا» بعد مهمة كلفت بها مجموعة من كبار الموظفين لدراسة واقع الإسلام السياسي وأساليب ما وصفته السلطات بالاختراق أو التغلغل، إلى جانب الروابط الأوروبية للحركة. 

وأظهرت الخطوات التي تلت التقرير أن النقاش لم يعد محصورًا في النشاط الفكري أو الديني، بل امتد إلى آليات تمويل الجمعيات وحماية الأموال والأصول ومنع انتقالها بين كيانات مختلفة. وفي تموز / يوليو 2025، أعلن قصر الإليزيه إجراءات إضافية تضمنت إنشاء آلية لتجميد الأصول وتوسيع نطاق الإجراءات المتعلقة بأموال وأملاك الجمعيات التي يجري حلها.

من تجميد الأموال إلى تفكيك الشبكة المالية

تكمن أهمية العقوبات المالية في أنها تستهدف البنية التي تسمح لأي تنظيم عابر للحدود بالاستمرار حتى عندما تتعرض بعض قياداته للملاحقة. فحظر شخص واحد لا يعني بالضرورة توقف النشاط إذا بقيت الشركات والجمعيات والحسابات والعقارات والمؤسسات القادرة على استيعاب الأموال خارج نطاق الإجراء. أما عندما تتوسع العقوبات لتشمل الكيانات والأصول والمصالح المالية التابعة للأشخاص المدرجين، فإن هامش الحركة يتقلص بصورة كبيرة. 

وتوضح وزارة الخزانة الأميركية أن إجراءات كانون الثاني / يناير 2026 شملت تجميد ممتلكات ومصالح الأشخاص والكيانات المدرجة الواقعة داخل الولايات المتحدة أو الخاضعة لسيطرة أشخاص أميركيين، كما امتدت القيود إلى كيانات مملوكة بنسبة 50% أو أكثر، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، لأشخاص خاضعين للعقوبات.

ويكتسب هذا الجانب أهمية خاصة بالنسبة إلى الإخوان بسبب الطبيعة العابرة للحدود التي ارتبطت تاريخيًا بشبكات الحركة في عدد من الدول، غير أن الحديث عن شبكة مالية واحدة متماسكة في جميع البلدان سيكون تبسيطًا مخلًا؛ إذ تختلف البنى القانونية والتنظيمية من دولة إلى أخرى، كما تختلف علاقة الجمعيات والكيانات بالأطراف التي تصنفها السلطات على أنها مرتبطة بالإخوان. 

لذلك فإن التطور الأبرز لا يكمن في مجرد صدور قوائم عقوبات، وإنما في انتقال بعض الحكومات إلى التعامل مع التمويل بوصفه جزءًا أساسيًا من مواجهة النفوذ التنظيمي، وهو ما ظهر بوضوح في فرنسا والولايات المتحدة خلال العامين الأخيرين.

وفي أوروبا، تزامن هذا التحول مع تصاعد الاهتمام الرسمي بالشبكات العابرة للحدود وبمصادر التمويل الأجنبي والتأثير السياسي والديني. 

وكان مجلس أوروبا قد تناول منذ سنوات مسألة التمويل الأجنبي للإسلام في أوروبا، مؤكدًا في قرار عام 2018 أن التمويل الأجنبي ليس مشكلة في حد ذاته، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى مخاوف مرتبطة باستخدام بعض التمويلات الخارجية كأداة نفوذ سياسي أو لتصدير تيارات متشددة أو أشكال من الإسلام السياسي. 

وتكشف هذه الوثيقة عن فارق مهم بين التمويل الديني المشروع وبين التمويل الذي يمكن أن يتحول إلى أداة تأثير سياسي أو تنظيمي.

أوروبا تراجع الواجهات ومسارات النفوذ

تتزايد أهمية الملف الأوروبي مع اتساع النقاش حول المؤسسات والكيانات التي تقول بعض الحكومات والباحثين إنها ترتبط بشبكات الإسلام السياسي، وفي البرلمان الأوروبي، طُرحت خلال 2025 أسئلة ومبادرات تتناول ما وُصف بتأثير الإخوان في عدد من الدول الأوروبية، كما أشار نقاش برلماني إلى التقرير الفرنسي الذي تناول الشبكات المرتبطة بالجماعة في القارة. وفي الوقت نفسه، لا تزال المؤسسات الأوروبية تميز بين النشاط الديني أو المدني المشروع وبين أي نشاط يثبت ارتباطه بتمويل الإرهاب أو بالتدخل غير المشروع أو بانتهاك القوانين الأوروبية.

وتكشف هذه النقطة أن المعركة المالية لا تتحرك فقط عبر قرارات أميركية مباشرة، وإنما داخل بيئة أوروبية تتجه تدريجيًا إلى تشديد الرقابة على مصادر الأموال والتمويلات الأجنبية. وفي تقرير سنوي للاتحاد الأوروبي حول العوامل الجيوسياسية، تناولت المفوضية الأوروبية مخاطر التمويل الأجنبي غير المرغوب فيه والتأثير الخارجي، وربطت مواجهتها بالحاجة إلى تطوير التعاون بين الاستخبارات المالية والتنسيق العابر للحدود والأدوات التنظيمية والتحليلية. 

وهذا الاتجاه لا يستهدف جماعة بعينها فقط، لكنه يخلق في الوقت نفسه بيئة أكثر صعوبة أمام الشبكات التي تعتمد على انتقال الأموال بين دول متعددة.

ويبرز «مجلس مسلمي أوروبا» في هذا السياق باعتباره أحد الهياكل الأوروبية التي ترد في النقاشات المتعلقة بشبكات الإخوان. والمجلس نفسه يعرّف عن نشاطه باعتباره إطارًا أوروبيًا يعمل منذ مطلع الألفية على قضايا المسلمين في أوروبا، فيما تربطه دراسات وأوراق بحثية بالشبكة التاريخية للحركة في القارة. 

العقوبات الأميركية تضرب الحلقة المالية

هذا ويشكل القرار الأميركي في يناير 2026 نقطة تحول مهمة في هذا المسار. فقد أعلنت وزارة الخزانة، بالتنسيق مع وزارة الخارجية، إدراج الفرعين المصري والأردني لجماعة الإخوان ضمن قائمة الإرهاب الأميركية، وقالت إن القرار استند إلى ما اعتبرته دعمًا ماديًا لحماس. وبموجب الإجراءات الأميركية، أصبحت ممتلكات ومصالح الأشخاص والكيانات المشمولة بالعقوبات، الموجودة في الولايات المتحدة أو الخاضعة لسيطرة أشخاص أميركيين، محظورة ومجمدة، كما أصبحت المعاملات المالية التي تشملها محكومة بقيود واسعة.

ولم يتوقف المسار عند ذلك. ففي 23 تموز / يوليو 2026، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية إجراءً جديدًا استهدف محمود الإبياري، الذي وصفته بأنه قيادي بارز في جماعة الإخوان المصرية ومقيم في المملكة المتحدة، إلى جانب ثلاثة أفراد وثلاثة كيانات.

 وقالت الوزارة إن اثنين من الكيانات المستهدفة كانا واجهتين خيريتين مرتبطتين بالإخوان وإنهما مررا تمويلات إلى الجناح العسكري لحماس. كما تحدثت عن قنوات جمع أموال عابرة للحدود وشبكات مالية غير رسمية استخدمت لإخفاء حركة الأموال.

وتكشف هذه الإجراءات عن تطور في طبيعة الملاحقة؛ إذ لم تعد الشخصية القيادية هي الهدف الوحيد، بل أصبحت العلاقة بين القيادي والكيان والتمويل والأصول جزءًا من الملف نفسه. ومع تطبيق قواعد تجميد الأصول وحظر التعاملات، تصبح إعادة ترتيب الملكيات أو نقل النشاط إلى مؤسسة أخرى أكثر تعقيدًا، خصوصًا عندما تتمكن السلطات من تتبع الملكية المباشرة وغير المباشرة أو الروابط المالية بين الكيانات.

 

هل تدفع العقوبات الإخوان إلى إعادة ترتيب الأصول؟

 

في هذا السياق يمكن فهم الحديث عن إعادة ترتيب الممتلكات والواجهات باعتباره أحد السيناريوهات التي تواجهها التنظيمات العابرة للحدود عندما تتوسع العقوبات المالية. غير أن إثبات نقل أصل محدد من كيان إلى آخر أو تغيير ملكية عقار بعينه يحتاج إلى سجلات ووثائق قانونية مستقلة، ولا يكفي فيه الاستناد إلى حديث عام عن «تحركات» أو «إعادة توزيع». 

وتصبح العقارات والشركات والجمعيات ذات أهمية خاصة في هذه المعادلة، لأن الأصول الثابتة يمكن أن تمثل مخزنًا طويل الأمد للقيمة، بينما توفر الكيانات القانونية غطاءً لنشاط اقتصادي أو اجتماعي مشروع في ظاهره. 

 وقد أعلنت السلطات الفرنسية لاحقًا عن إجراءات تتعلق بتجميد الأموال وبالأصول التابعة للجمعيات التي يجري حلها، بما يشير إلى انتقال المواجهة من مراقبة النشاط إلى محاولة منع إعادة إنتاج البنية المالية بعد اتخاذ إجراءات قانونية ضد إحدى واجهاتها.

 

معركة النفوذ لا تنفصل عن معركة المال

 

المال في هذه الحالة لا يمثل مجرد وسيلة لتغطية المصروفات، بل يمكن أن يتحول إلى عنصر من عناصر الاستمرارية التنظيمية. فوجود الموارد يسمح بتأسيس المؤسسات وتمويل النشاط الاجتماعي والإعلامي والتعليمي، ودعم الشبكات المحلية، واستمرار العلاقات العابرة للحدود. لذلك فإن تجفيف مصادر التمويل أو تجميد الأصول يمكن أن يحد من قدرة أي شبكة على الحفاظ على بنيتها، خصوصًا عندما تتزامن الإجراءات المالية مع تشديد الرقابة على الجمعيات والواجهات والأنشطة السياسية.

ومن هنا تبدو الإجراءات الفرنسية والأميركية جزءًا من اتجاه أوسع، وإن اختلفت دوافعها وأدواتها القانونية. الولايات المتحدة تحركت عبر قوانين العقوبات ومكافحة الإرهاب، بينما اعتمدت فرنسا على مزيج من الإجراءات الإدارية والقانونية والرقابة على الجمعيات والأصول.

 أما المؤسسات الأوروبية فتواصل النقاش حول التمويل الأجنبي والتأثير غير المشروع والشبكات العابرة للحدود، في حين يظل مجلس أوروبا أكثر حرصًا على التمييز بين التمويل الديني المشروع وبين التمويل الذي يتحول إلى أداة نفوذ أو تطرف.

وبذلك، فإن الضغط المتزايد على الإخوان لا يتعلق فقط بإدراج أسماء جديدة على قوائم العقوبات، وإنما بإغلاق المسارات التي يمكن من خلالها إعادة تدوير الأموال عبر كيانات مختلفة.

 وكلما اتسعت قدرة السلطات على الربط بين الملكية والسيطرة الفعلية ومصادر التمويل، تضاءلت مساحة المناورة أمام الشبكات التي تعتمد على تعدد الواجهات. 

 

من «الواجهة» إلى الحساب البنكي

 

هذا وتكشف التطورات الأخيرة أن معركة الدول مع التنظيمات العابرة للحدود تتجه بصورة متزايدة إلى الحلقة التي يصعب تجاوزها: المال. فالأفكار يمكن أن تعبر الحدود بسرعة، والواجهات يمكن أن تتغير، والأسماء يمكن أن يعاد تقديمها، لكن الأموال تترك أثرًا في الحسابات والعقود وعمليات التحويل والملكية والعقارات والسجلات التجارية. ولهذا أصبحت أدوات التجميد والمصادرة وحظر التعاملات جزءًا متقدمًا من الاستراتيجية التي تتبعها بعض الدول لمواجهة الشبكات التي ترى أنها تشكل تهديدًا أمنيًا أو سياسيًا.

وفي حالة الإخوان، تأتي هذه التحركات في لحظة تتسع فيها الرقابة الرسمية على الشبكات الأوروبية، بالتزامن مع قرارات أميركية غير مسبوقة خلال 2026. وبينما تسعى السلطات إلى إثبات الروابط المالية والتنظيمية بالأدلة، تبدو قدرة الشبكات المعنية على العمل عبر كيانات متعددة أمام اختبار قانوني جديد؛ إذ لم يعد تغيير اسم المؤسسة أو توزيع النشاط بين دول مختلفة ضمانة كافية لتجنب الملاحقة إذا أمكن إثبات السيطرة الفعلية أو تدفق الأموال أو العلاقة بالجهات الخاضعة للعقوبات.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية