الإخوان في كمبوديا... كيف تحوّل التعليم والعمل الخيري إلى بوابة لبناء شبكة كوادر داخل الأقلية المسلمة؟

 الإخوان في كمبوديا... كيف تحوّل التعليم والعمل الخيري إلى بوابة لبناء شبكة كوادر داخل الأقلية المسلمة؟

الإخوان في كمبوديا... كيف تحوّل التعليم والعمل الخيري إلى بوابة لبناء شبكة كوادر داخل الأقلية المسلمة؟


21/09/2026

يتحرك تنظيم الإخوان المسلمين في كمبوديا بعيدًا عن الأضواء، معتمدًا على شبكة مؤسسية تجمع بين التعليم والعمل الخيري والتأهيل المهني. وتقدّم هذه الشبكة نفسها بوصفها نشاطًا يخدم المجتمع المسلم، غير أنّ بنيتها وأساليب عملها تشير إلى أنّ هذه الأنشطة تُوظَّف في استقطاب كوادر جديدة وبناء نفوذ اجتماعي ومهني داخل المجتمع ومؤسسات الدولة. وتسعى الشبكة إلى الحفاظ على حضورها في مشهد إسلامي متعدد التيارات، وتتجنب الصدام السياسي المباشر مع السلطة، إذ تعمل ضمن منظومة رسمية شديدة التنظيم.

الجذور التنظيمية

بدأ الوجود المنظم للإخوان في كمبوديا عام 2005 عبر منظمة الرحمة الدولية، التي ارتبطت بشبكة جمعية الإصلاح الاجتماعي الكويتية. وسجلت المنظمة نشاطها في كمبوديا تحت اسم محلي هو "البركة"، بينما ظل اسم "الرحمة" هو المستخدم فعليًا داخل المجتمع.

ويقع المقر التنظيمي لشبكة الرحمة في منطقة KM7 في العاصمة بنوم بنه، وهي منطقة ذات كثافة مسلمة. وكان المسؤول الأعلى عن الشبكة عادةً من الشرق الأوسط، وكان غالبًا مصريًا، بينما يتولى مسلمون كمبوديون متعلمون ومتعددو اللغات الجزء الأكبر من الإدارة المحلية.

وهذا التوزيع يعكس نمطًا تنظيميًا مألوفًا؛ قيادة عليا قادمة من الخارج تحتفظ بالمرجعية، وواجهة محلية تتولى الإدارة اليومية وتمنح شبكة الرحمة قبولًا اجتماعيًا.

ويمثل التعليم أحد أهم أدوات شبكة الرحمة، فمدرسة الرحمة الدولية في توبنغ كيموم ما زالت تعمل حتى الآن، وأعلن موقعها الرسمي بدء التسجيل للعام الدراسي الجديد، وهي مرخصة من وزارة التعليم والشباب والرياضة الكمبودية، وتقدم المنهج الوطني إلى جانب اللغة الإنجليزية والعربية والقرآن والدراسات الإسلامية. وتتبع المدرسة شبكة الرحمة مباشرة، وتصف نفسها بأنّها مدرسة داخلية مختلطة تقدم تعليمًا عامًا بمكونات إسلامية، مع اهتمام خاص باللغتين العربية والإنجليزية.

وترتبط شبكة  الرحمة بمدرسة ETC الدولية في بنوم بنه، التي استفادت من تمويل الرحمة والمتبرعين الكويتيين. وتولى إدارتها الإخواني المصري محمد سلطان، بينما كان الشيخ محمد، وهو مصري أيضًا، مسؤولًا عن مساكن الطلاب.

وتتجنب المدرسة الخلافات العقائدية بين السلفيين والشافعية، وتتبنّى صيغة تعليمية تستوعب أبناء الاتجاهين، وهو نهج قريب من منهج الإخوان في العمل داخل الأقليات المسلمة.

فالمدارس في كمبوديا لا تؤدي وظيفة تعليمية فقط، بل تعمل كمساحة جامعة تستقطب أبناء تيارات متعددة تحت مظلة واحدة، وتبقى الإدارة والتمويل بيد شبكة الرحمة.

التجنيد والاستقطاب

لا تكتفي منظمة الرحمة بالتعليم فقط، بل تستخدم المنح الدراسية والسكن الجامعي للوصول إلى شباب مسلمين متفوقين، خصوصًا من المناطق الريفية. وتمنح المنظمة سنويًا منحًا لنحو 10 طلاب من خريجي المدارس الثانوية، خمسة ذكور وخمس إناث، وتتكفل بالرسوم والإقامة والطعام. ويتم اختيارهم عبر اختبار ومقابلة، مع بحث خلفيات أسرهم من خلال شبكة محلية تضم أئمة وشخصيات دينية في القرى.

وهذه العملية وسيلة لاكتشاف كوادر مستقبلية للحركة وتكوينها، وليست مجرد برنامج منح خيري. ويقيم الطلاب في مساكن تابعة للرحمة في بنوم بنه إلى جانب دراستهم الجامعية، ويتلقون برنامجًا دينيًا وانضباطيًا يتضمن القرآن والسيرة والعربية وأنشطة جماعية ورحلات.

وتستهدف المنح تخصصات مثل الهندسة والطب وإدارة الأعمال والبرمجة، وليس العلوم الشرعية فقط، وهذا يتفق مع نمط الإخوان التقليدي في تكوين كوادر من أصحاب المهن والتعليم الحديث. وهناك أيضًا نشاط لتأهيل الشباب مهنيًا، بالإضافة  إلى وجود مراكز تدريب مهني تقدم مهارات من الزراعة إلى البرمجة.

وتفتح المنح لشبكة الرحمة مدخلًا إلى الجامعات الكمبودية، خصوصًا من خلال توفير الرسوم والإقامة والطعام للطلاب. ويستهدف الإخوان جامعات كمبودية قوية لتمويل المنح، ويدرس غالبية المبتعثين تخصصات مهنية مثل الهندسة والطب وإدارة الأعمال والحاسوب. أمّا من يختارون العلوم الدينية، فيُرسل بعضهم إلى إندونيسيا للدراسة، ثم يعودون للعمل معلمين ومتخصصين ضمن شبكة الرحمة.

من الجامعة إلى مؤسسات الدولة

تحاول شبكة الرحمة الحفاظ على اتصالها بالخريجين بعد إنهاء مرحلة الجامعة من خلال إنشاء شبكة مهنية منهم. ويعود بعضهم للعمل مع المنظمة متطوعين أو موظفين، ويشارك آخرون في أنشطتها من مواقعهم المهنية، فهناك أطباء يشاركون في العيادات المتنقلة، وموظفون حكوميون يساعدون في التواصل مع السلطات الكمبودية بشأن المشروعات الخيرية.

وهذا يكشف أنّ نشاط الجماعة لا يقتصر على إنشاء مؤسسات دينية، بل يمتد إلى بناء شبكة اجتماعية ومهنية داخل المجتمع المسلم وفي مؤسسات الدولة. ومن هنا يأتي تفضيلهم للكليات العملية، كالطب والهندسة، وهو نمط يتكرر لدى الإخوان في أكثر من دولة. والغاية من ذلك مزدوج؛ إبراز تفوق أبنائهم الدراسي كواجهة اجتماعية تستقطب أعدادًا أكبر من الناس، وضمان حضورهم في أكبر قدر ممكن من مؤسسات الدولة.

كذلك تشمل أنشطة شبكة الرحمة حفر الآبار، ورعاية الأيتام، والمساعدات المالية، والمشروعات الصغيرة، والمنح الدراسية، والعيادات المتنقلة، وبناء المنازل، وإنشاء قرى سكنية، ودعم الزراعة، ومشروعات التمويل الصغير.

ومن أمثلتها مشروع "توك توك"، حيث توفر المنظمة عربة نقل لشخص فقير ليستخدمها في توفير دخله، ومشروعات الجرارات الزراعية التي توضع تحت إشراف إمام القرية. وتنفذ مشروعات إسكان على هيئة قرى نموذجية، تكون فيها المنازل متجاورة ومنظمة، ويشكل المسجد مركز القرية، مع وجود إمام مرتبط بالمشروع.

ويلاحظ أنّ الإمام حاضر في أغلب هذه المشروعات، سواء في الإشراف على الجرارات أو في القرى النموذجية، وهو ما يمنح الشبكة موطئ قدم دائمًا داخل المجتمعات الريفية.

والنشاط الخيري لا ينفصل عن النشاط التنظيمي، إذ تُستخدم بعض المشروعات الخيرية أيضًا للتعرف إلى أشخاص يمكن استقطابهم للإخوان، كما أنّ تقديم المنح لأبناء القرى يفتح المجال لإدخالهم في شبكات التعليم والإقامة، ثم الجامعة.

العلاقة مع حركة التبليغ والسلفيين

استفادت شبكة الرحمة من علاقة السكان بحركة التبليغ، وقدّمت منحًا لأبناء المنطقة للدراسة، ثم انتقل بعضهم إلى مؤسسات تعليمية مرتبطة بالشبكة، ومنهم من تلقى لاحقًا عرضًا للانضمام إلى الإخوان.

ويضم المشهد الإسلامي الكمبودي حركة التبليغ، والسلفيين، والشافعية التقليديين، والإخوان، إضافة إلى مؤسسات الدولة الإسلامية الرسمية. واللافت أنّ الإخوان أكثر مرونة من السلفيين في التعامل مع التيارات الأخرى، فلا يخوضون عادةً مواجهة مع التبليغ أو التقليديين، ويمكن أن يتعاونوا معهم في مشروعات التعليم والخدمات.

وتُعدّ حركة "التبليغ" الأوسع انتشارًا بين الحركات الإسلامية العابرة للحدود في كمبوديا، بينما الوجود الإخواني أصغر، لكنّه أكثر تركيزًا على بناء المؤسسات والكوادر.

غياب العمل السياسي المعلن 

لا توجد أدلة على وجود حزب سياسي إخواني كمبودي، أو فرع معلن باسم جماعة الإخوان المسلمين يخوض الانتخابات. فالشبكة الإخوانية في كمبوديا تتجنب حاليًا الاشتباك السياسي المباشر مع حزب الشعب الكمبودي CPP ومع التيارات الإسلامية الأخرى، وتركز على بناء المؤسسات والكوادر.

ويجري النشاط الإسلامي في كمبوديا ضمن منظومة رسمية شديدة التنظيم. فوزارة الأديان والشؤون الدينية تشرف على الشأن الإسلامي، ويمثل المفتي يوسف قمر الدين المرجعية الرسمية للمسلمين السنة، وله سلطة على الأئمة والشؤون الدينية. كما أنّ موافقة مسؤول الدولة المختص بالشؤون الإسلامية مطلوبة للمشروعات الدينية التي تنفذها المنظمات الأجنبية.

وفي عام 2026 برز عثمان حسن في موقع رسمي رفيع باعتباره وزير دولة مكلفًا بمهام خاصة ورئيس اللجنة الإدارية لمركز بنوم بنه الإسلامي، وتحدث في آذار/ مارس 2026 عن التعايش الديني والإثني في كمبوديا. ويُعدّ عثمان حسن الآن شخصية محورية في المجال الإسلامي الكمبودي، وهو رئيس  المنظمة الإسلامية الكمبودية للتطوير CMDF، وهي مؤسسة تأسست عام 1997 وتقول عن نفسها إنّها غير حزبية ولا تنتمي إلى الأحزاب السياسية.

وتفسر هذه القيود الرسمية اختيار شبكة الرحمة العمل التعليمي والخيري بدل السياسي، فهو المسار الأقلّ احتكاكًا بالسلطة والأكثر قدرة على الاستمرار. كذلك شهدت كمبوديا تاريخيًا أيضًا نشاطًا مرتبطًا بالجماعة الإسلامية، وهي تنظيم جهادي، وأغلقت السلطات مدرسة إسلامية بسبب الاشتباه في صلاتها بها. وهذه الجماعة ليست مثل تنظيمات الجماعة الإسلامية في آسيا المرتبطة بالإخوان في الهند وبنغلاديش وباكستان.

يعكس هذا الانتشار نمطًا من التمدد المرتبط بتنظيم الإخوان في كمبوديا، يقوم على توظيف الجمعيات الخيرية والمؤسسات الدعوية والتعليمية كأدوات للانتشار وبناء النفوذ داخل المجتمعات المسلمة في البلاد ذات الأغلبية غير المسلمة.

ويعتمد هذا النهج على تقديم خدمات اجتماعية وتعليمية وإغاثية، مثل كفالة الأيتام وحفر الآبار وبناء المدارس والمراكز الإسلامية وتوزيع المساعدات، إلى جانب الأنشطة الدينية والدعوية من دروس ومحاضرات وبرامج لتحفيظ القرآن، بما يسهم في تكوين شبكات علاقات محلية وتعزيز الحضور المجتمعي بصورة تدريجية.

ويتيح هذا الأسلوب للتنظيم ترسيخ وجوده داخل كمبوديا عبر واجهات تبدو في ظاهرها ذات طابع خيري أو دعوي، بينما تحمل في عمقها الأفكار التنظيمية للجماعة، فتسهم في نشر خطابها الإيديولوجي وبناء قواعد تأييد وتأثير طويلة المدى. ويستفيد التنظيم في ذلك من سماح حكومات هذه الدولة بالتواجد في أراضيها، ومن استثمار الاحتياجات الخدمية والعمل الدعوي كمدخل يتيح الوصول إلى شرائح أكبر من المجتمع، ولا سيّما الفئات الأكثر حاجة.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية