تحركات المنفي واجتماعات طرابلس: مخاوف من إعادة تموضع الجماعات المسلحة في غرب ليبيا

تحركات المنفي واجتماعات طرابلس: مخاوف من إعادة تموضع الجماعات المسلحة في غرب ليبيا

تحركات المنفي واجتماعات طرابلس: مخاوف من إعادة تموضع الجماعات المسلحة في غرب ليبيا


02/04/2026

بينما تثور الهواجس في نفوس الليبيين من عودة ظهور بعض التنظيمات المسلحة التابعة لحركات الإسلام السياسي، تتجدد المخاوف في ليبيا مع بروز احتمالات لتموضعات جديدة لبقايا الجماعات المسلحة المتطرفة في غرب البلاد، التي كانت تُعرف بـ "مجالس شورى الثوار"، بعد هزائمها السابقة أمام "الجيش الليبي الوطني" في شرق البلاد.

ورغم ذلك لا توجد تصريحات رسمية في العاصمة ومدن الغرب الليبي تؤكد دقة هذه المؤشرات أو مدى رجاحة تلك التقارير التي تشير إلى ظهور جديد لتلك الفصائل.

في هذا السياق عقد رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي، في العاصمة طرابلس، سلسلة من الاجتماعات العسكرية والأمنية المنفصلة خُصِّصت لبحث مستجدات الأوضاع الأمنية والعسكرية في مختلف المناطق والمدن الغربية، إلى جانب تقييم مستوى الجاهزية والانضباط لدى الأجهزة المختصة، وفقًا للمكتب الإعلامي التابع للمجلس.

واستعرض المنفي خلال هذه الاجتماعات التقارير المتعلقة بسير العمليات الأمنية، ومستوى التنسيق القائم بين الوحدات العسكرية والأجهزة الأمنية، مشددًا على أهمية تعزيز منظومة العمل المشترك بما يعزز ثقة المواطن في مؤسسات الدولة، ويهيئ المناخ الملائم لمسار الاستقرار الشامل.

وشدد رئيس المجلس الرئاسي على أنّ فرض سيادة القانون يمثل الركيزة الأساسية لبناء الدولة وتحقيق السلم المجتمعي، وصولًا بالبلاد إلى مرحلة الانتخابات.

إلى ذلك، عقد رئيس المجلس الرئاسي الليبي، محمد المنفي، بصفته القائد الأعلى للجيش، اجتماعًا بمقر المجلس في طرابلس، ضم رئيس الأركان العامة المكلف، صلاح النمروش، ورئيس جهاز المخابرات، حسن العائب، ورئيس جهاز الردع لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، عبد الرؤوف كارة، ورئيس جهاز دعم الاستقرار، حسن بوزريبة، ورئيس جهاز الحرس الرئاسي، عطية الطالب. ويأتي هذا الاجتماع بعد لقاءات سابقة عقدها المنفي مع محمود حمزة ومحمود بن رجب خلال الأيام الماضية، لبحث المستجدات الأمنية وتعزيز التنسيق بين الأجهزة العسكرية في البلاد. وشدد المنفي خلال هذا اللقاء على أهمية فرض هيبة الدولة وتكثيف الجهود لضبط الأمن وترسيخ دعائم الاستقرار داخل العاصمة والمناطق المجاورة.

وناقش المنفي مع رئيس المجلس الأعلى للدولة، محمد تكالة، أبرز التحديات التي تعيق العملية السياسية، خاصة استمرار الانقسام المؤسسي، وأكّدا على ضرورة التوصل إلى توافقات وطنية شاملة تقود إلى توحيد مؤسسات الدولة وتعزيز الاستقرار.

وبحث الطرفان الخطوات العملية لتهيئة الظروف لإجراء انتخابات وطنية حرة ونزيهة، مع التشديد على دعم المسارات الدستورية والقانونية، وتوفير بيئة آمنة تضمن نجاح الاستحقاق الانتخابي.

تحذيرات من توظيف السلاح في المعادلة السياسية ومخاوف من إعادة توظيف الجماعات المتشددة

وتطرقا إلى تقرير لجنة الخبراء التابعة لمجلس الأمن الدولي، خاصة ما يتعلق بقضايا الفساد، حيث أكّدا أهمية تفعيل دور الأجهزة الرقابية وتعزيز آليات المحاسبة لضمان الشفافية وحماية المال العام.

في هذا الإطار، يشير اللواء صالح رجب المسماري إلى أنّ ما يجري الآن في طرابلس ليس مجرد حراك سياسي عادي، بل يمثل إعادة تموضع واضحة لأطراف تدرك أنّ المرحلة المقبلة قد تحمل تغيرات حساسة في موازين القوة داخل العاصمة. ويؤكد أنّ اجتماعات محمد المنفي، رئيس المجلس الرئاسي مع بعض الفاعلين، ومن بينهم محمد تكالة، لا يمكن قراءتها بمعزل عن حالة القلق القائمة في غرب ليبيا ومحاولة احتواء أيّ تطورات قد تخرج عن السيطرة، خاصة مع تزايد الحديث عن احتمال حدوث سيولة ميدانية أو إعادة ترتيب داخل خارطة النفوذ المسلح في طرابلس ومحيطها.

ويلفت المسماري في تصريحاته لـ (حفريات) إلى أنّ المشكلة لم تعد فقط في وجود السلاح، بل في توظيف هذا السلاح داخل المعادلة السياسية واستخدامه لحماية ترتيبات سلطة هشة، بدل أن يكون أداة في يد الدولة ومؤسساتها. ويؤكد أنّ هذا هو الخطر الحقيقي، لأنّ الدولة عندما تضطر إلى التفاهم مع منطق القوة خارج القانون لا تعالج الأزمة، بل تؤجل انفجارها.

ويضيف المسماري أنّ ما يتردد بشأن وجود صلات أو امتدادات لبعض التيارات المتشددة أو الشخصيات المرتبطة سابقًا بمسارات الفوضى والعنف، خاصة في مناطق الغرب الليبي وخصوصًا مصراتة، يجب النظر إليه بجدية كبيرة. ويشدّد على أنّ التجربة الليبية علمتنا أنّ أيّ تساهل مع الجماعات ذات الخلفية المتطرفة أو الميليشياوية لا ينتج استقرارًا ولا شراكة وطنية، بل يؤدي إلى اختراق جديد للدولة من الداخل. ويؤكد بوضوح: لا يمكن بناء دولة عبر التحالف مع من لا يؤمن بالدولة، ولا يمكن حماية العاصمة أو استعادة هيبة المؤسسات من خلال إعادة تدوير الأدوات التي كانت سببًا في الفوضى والانقسام.

ومن هذا المنطلق يؤكد المسماري أنّ موقفه الداعم للقوات المسلحة بقيادة المشير خليفة حفتر ليس موقفًا سياسيًا ظرفيًا أو انحيازًا عاطفيًا، بل هو موقف يرتكز على فهم واضح بأنّ المعركة في ليبيا كانت وما زالت معركة استعادة الدولة، ومواجهة مشروع التطرف والفوضى والسلاح المنفلت. ويشير إلى أنّ المؤسسة العسكرية كانت وما تزال الحاجز الحقيقي أمام انهيار البلاد وتحولها إلى ساحة مفتوحة أمام الجماعات المؤدلجة والتنظيمات العابرة لفكرة الوطن.

ويشدد وزير الداخلية السابق اللواء صالح رجب المسماري في حديثه لـ (حفريات) بالقول: إنّ احتشاد بعض أعضاء مجلس النواب للحديث عن تغيير في قيادة المجلس يعكس إدراكًا متزايدًا بأنّ المرحلة الحالية لم تعد تحتمل استمرار الصيغ والأدوات والوجوه نفسها. ويؤكد أنّ أيّ انتخابات وطنية شاملة لا يمكن أن تُجرى بجدية في ظل وجود مناطق خاضعة لنفوذ المجموعات المسلحة والتنظيمات المؤدلجة، إذ إنّ أيّ انتخابات تحت سطوة السلاح لن تكون حقيقية، بل مجرد غطاء شكلي لإعادة إنتاج الأزمة.

ويرى في ختام تصريحاته أنّ أيّ استحقاق انتخابي محتمل قد يقتصر فقط على المناطق الآمنة والمستقرة، الخاضعة لسيطرة القوات المسلحة، حيث توجد بيئة أكثر انضباطًا وقدرة على تأمين العملية الانتخابية وحماية إرادة الناخب وضمان الحد الأدنى من النزاهة. ويختتم بالقول: ليبيا اليوم أمام صراع واضح بين مشروع الدولة ومشروع الفوضى، وأيّ حل جاد لا بدّ أن ينطلق من قاعدة واضحة: لا شراكة مع التطرف، ولا شرعنة للمليشيات، ولا بناء دولة تحت تهديد السلاح. الدولة لا تُبنى إلا عبر مؤسسات منضبطة، وجيش وطني منظم، وأجهزة أمن محترفة، وهذا هو جوهر المعركة الحقيقية في ليبيا.

إعادة تموضع الأطراف وتنافس على النفوذ في ظل غياب توافق وطني شامل

من جانبه، يرى الكاتب السياسي عمر أبو سعيدة أنّه في ظلّ التسارع الملحوظ في وتيرة الأحداث السياسية داخل ليبيا تتجه مختلف الأطراف إلى إعادة التموضع وترتيب أوراقها بما يتلاءم مع طبيعة المرحلة المقبلة التي تبدو مفتوحة على عدة سيناريوهات محتملة.

وفي هذا السياق يلفت أبو سعيدة، في حديثه لـ (حفريات) إلى أنّ تحرّك المجلس الرئاسي عبر سلسلة من اللقاءات والترتيبات مع شخصيات سياسية وعسكرية فاعلة يأتي في إطار محاولة تعزيز حضوره في المشهد، ومنع أيّ خطوات أحادية قد تقدم عليها حكومة عبد الحميد الدبيبة، مشددًا في الوقت نفسه على سعي المجلس إلى ضمان موقع مؤثر له في أيّ تسوية أو صفقة سياسية مرتقبة.

أمّا فيما يتعلق بالاجتماعات المنسوبة إلى ما يُعرف ببقايا "شورى ثوار بنغازي"، فيشير إلى أنّها تثير تساؤلات حول الجهات الراعية والأهداف الحقيقية الكامنة وراءها. ويرى مراقبون أنّ هذه التحركات قد تندرج ضمن محاولات لإعادة توظيف بعض المكونات السابقة لخدمة أجندات سياسية معينة، بما قد يسهم في خلط الأوراق داخل المنطقتين الغربية والجنوبية.

وبشكل عام، يخلص أبو سعيدة إلى أنّ هذه التحركات تعكس حالة من الترقب والتنافس السياسي الحاد في ظل غياب توافق شامل، الأمر الذي يجعل المشهد الليبي مفتوحًا على مزيد من التعقيد خلال الفترة المقبلة.

بدوره، يرى الكاتب الليبي عبد الله الديباني أنّ السؤال المطروح ينقسم إلى شقّين متباعدين، موضحًا أنّه من الأفضل البدء بالشق الأول.

وفي هذا السياق يشير الديباني إلى أنّ الاجتماعات التي يقودها المجلس الرئاسي مع عدد من القيادات العسكرية قد تكون مرتبطة بالتحضيرات لمناورة عسكرية مشتركة بين المؤسسة العسكرية في شرق البلاد وغربها، والتي يُقال إنّها ستُجرى برعاية وإشراف أمريكي عبر القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم). ويرى أنّ لقاء المجلس الرئاسي مع القيادات العسكرية التابعة للمؤسسة العسكرية في غرب البلاد يندرج في إطار التحضير لهذه المناورة، سواء من حيث التنسيق المسبق أو مناقشة الاستراتيجيات والخطط المرتبطة بها.

سيناريوهات التحركات المسلحة وتداعياتها على المشهد السياسي في ليبيا 

أمّا فيما يتعلق بما يتم تداوله بشأن اجتماعات مرتبطة بما يُعرف بـ "مجلس شورى درنة وبنغازي وأجدابيا"، فيلفت الديباني إلى أنّ الحديث يدور حول تحركات لإعادة ترتيب الصفوف وإعادة التموضع. ويُشار في هذا السياق إلى اجتماعات قيل إنّها عُقدت بحضور شخصيات من بينها علي الصلابي، إضافة إلى معلومات متداولة عن انتقال بعض هذه الترتيبات إلى معسكر يُقال إنّه يتبع لقائد إحدى التشكيلات المسلحة الملقب بـ "الزمرينا" في غرب البلاد.

ويرى الديباني أنّ هذه المعطيات تطرح عدة سيناريوهات محتملة؛ أبرزها احتمال التخطيط لعمل عسكري يستهدف مواقع داخل العاصمة طرابلس بهدف فرض السيطرة عليها، خاصة في ظل حالة انعدام الثقة بين بعض هذه التشكيلات المسلحة ورئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة. ويعزو ذلك، بحسب تقديره، إلى الخطوات التي اتخذتها الحكومة بشأن تسليم بعض المطلوبين على خلفية قضايا مرتبطة بحادثة السفارة الأمريكية.

وفي المقابل، يطرح سيناريو آخر يتمثل في احتمال تنفيذ عمليات عسكرية نوعية تستهدف الحقول النفطية أو تسعى إلى زعزعة الاستقرار في منطقة الهلال النفطي، خصوصًا في مناطق رأس لانوف والبريقة وما بعد سرت. غير أنّ الديباني يؤكد أنّ هذا الاحتمال يبقى ضعيفًا، مرجحًا أن تكون التحركات الحالية مرتبطة بالتمركز في معسكر تابع لإحدى التشكيلات المسلحة في غرب البلاد.

وفيما يتعلق بالشأن السياسي يشدد الديباني على أنّ الجدل الدائر حاليًا داخل مجلس النواب لا يعكس بالضرورة اقتراب موعد الانتخابات، بل قد يرتبط باحتمال حدوث تغيير في رئاسة المجلس. ويشير إلى أنّ الانقسام الحاصل بين النواب، بين مؤيدين ومعارضين، خاصة فيما يتعلق بملف الضرائب وزيادة نسبتها دون رسائل رسمية واضحة من رئاسة المجلس أو دون علم بعض الأعضاء، قد يفتح الباب أمام تحركات داخلية لإعادة ترتيب قيادة مجلس النواب.

ويخلص الديباني إلى أنّ ما يجري في الوقت الراهن لا يدلّ على قرب إجراء انتخابات برلمانية أو نيابية في ليبيا، بقدر ما يعكس صراعًا سياسيًا داخليًا قد يقود إلى تغييرات في بنية قيادة مجلس النواب خلال الفترة المقبلة.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية