مقترح هولندي بحظر جماعة الإخوان... هل يؤدي إلى الحد من تغلغلها؟

مقترح هولندي بحظر جماعة الإخوان... هل يؤدي إلى الحد من تغلغلها؟

مقترح هولندي بحظر جماعة الإخوان... هل يؤدي إلى الحد من تغلغلها؟


31/03/2026

 

خلال شهر آذار/مارس الجاري وافق البرلمان الهولندي على مقترح تقدم به عدد من النواب يطالب بحظر جماعة الإخوان والمنظمات التابعة لها في هولندا، ويأتي هذا الإجراء كجزء من سياسة يتبعها عدد من الدول الأوروبية تجاه حركات الإسلام السياسي وأبرزها جماعة الإخوان المسلمين، تهدف إلى الحد من انتشارها وتأثيرها داخل المجتمع الأوروبي، لكن السؤال هو: هل يمثل هذا الإجراء الذي اتخذه البرلمان الهولندي تهديدًا حقيقيًا لجماعة الإخوان في هولندا، وهل يسهم في حصار الجماعة والتقليل من انتشارها داخل المجتمع الهولندي، أم أنّ الأمر لن يُفضي إلى هذه النتيجة في الواقع؟

الحضور الإخواني في هولندا

بدأ الحضور الإخواني في الغرب منذ خمسينيات القرن العشرين على إثر الصدام الذي حدث بين الجماعة والنظام الحاكم بقيادة الرئيس جمال عبد الناصر، هذا الحضور الذي بدأ بدافع البحث عن ملاذات آمنة مؤقتة حتى تتغير الأوضاع وتتحسن في مصر، تطور ليصبح استقرارًا في أوطان بديلة رأت فيها الجماعة مساحة للانتشار والتمدد وبسط النفوذ، ساعد في ذلك بعض الرؤى الفقهية التي صاغها مفكرون ينتمون إلى الحركة الإسلامية، مثل الدكتور يوسف القرضاوي، الذي خرج باجتهاد فقهي عن تلك الثنائية الراسخة في الفقه القديم بخصوص تقسيم العالم إلى دار إسلام ودار حرب، حيث رأى القرضاوي أنّ الغرب الحديث لا يمثل أيًّا من هذين النوعين، ولكنّه يمثل "دار دعوة"، وهو ما أوجد الدافع لدى الإخوان، وغيرهم من التيارات الإسلامية، للاستمرار في الغرب بشكل دائم ونشر أفكار الجماعة فيه وتحقيق قدر أكبر من الانتشار والتأثير.

ويختلف الحضور الإخواني في الغرب قوةً وضعفًا من دولة إلى أخرى، وتُعدّ هولندا من الدول التي تشهد حضورًا أقلّ نسبيًا من دول أوروبية وأمريكية أخرى، وتعمل الجماعة في هولندا، مثل باقي الدول الغربية، من خلال مساجد ومؤسسات تمارس أنشطة مختلفة سياسية ودعوية وخيرية واقتصادية، لا يجمعها إطار تنظيمي واحد ولا تحمل اسم الجماعة ولا تعلن عن أيّ ارتباط معها، وبجانب هذه الآلية التي تضمن للجماعة العمل دون قدرة من الدولة على الملاحقة، فإنّ ما يساعدها على العمل والانتشار في المجتمعات الأوروبية ذلك المناخ الديمقراطي والبيئة القانونية التي تمنح الأفراد والمؤسسات العمل بحرّية؛ وقد استطاعت الجماعة بذلك، من خلال مؤسساتها، أن تتغلغل داخل هذه المجتمعات بشكل عميق وواسع وخفي دون أن تستطيع السلطات أن تثبت انتماءها إلى الجماعة.

فاعلية إجراء البرلمان الهولندي

حسب تقرير نشره موقع (NLTIMES) الهولندي فإنّ المقترح الذي وافق عليه البرلمان خلال شهر آذار/مارس الجاري تقدّم به النائبان عن حزب الحرية (PVV) مايكل بون وجيرت فيلدرز، وهو أحد الأحزاب اليمينية المتطرفة، وليست هذه المرة الأولى التي يتقدم فيها الحزب بمقترح يطالب به البرلمان الموافقة على حظر جماعة الإخوان، لكنّها المرة الأولى التي ينجح فيها في تحقيق هذا الهدف بعد أن استطاع أن يقنع عددًا من الأحزاب الأخرى بهذا المقترح، وقد أسهمت بعض العوامل، أهمها الهجمات الإرهابية التي حدثت في هولندا منذ العام 2023م، في ذلك، واستند المقترح على التقرير الذي أعدته وزارة العدل الفرنسية العام الماضي في إطار الإجراءات التي اتخذتها بخصوص تصنيف جماعة الإخوان منظمة إرهابية، حيث حذر التقرير من التغلغل بشكل خفي داخل المجتمع الفرنسي والسعي إلى تطبيق الشريعة الإسلامية والعمل على تهديد الديمقراطية وقيم الجمهورية، وقد وافق البرلمان الهولندي على المقترح بعدد أصوات 76 صوتًا من إجمالي 150 صوتًا.

ورغم موافقة البرلمان على هذا المقترح، فإنّ هناك العديد من العوامل تمثل عقبات أمام تحوله إلى قرار ملزم له آثار قانونية وسياسية على الأرض؛ أوّل هذه العقبات أنّ البرلمان ليس هو المختص بإصدار مثل هذه القرارات، وهذا المقترح الذي وافق عليه ليس له سوى قيمة أدبية، حيث ينبغي لإقراره أن تتخذ الحكومة الهولندية إجراءات، حال الاقتناع بأنّ منظمة ما هي منظمة إرهابية، عندئذٍ فإنّ على وزير العدل أن يقرر ما إذا كان هناك أساس قانوني كافٍ لفرض الحظر على المنظمة، وبعدها تتقدم النيابة العامة إلى المحكمة المدنية باقتراح باعتبار هذه المنظمة غير قانونية ومن ثم تُصدر المحكمة حكمًا بحظرها، وهو ما يعني أنّ قرار الحظر لا يكون إلا بحكم من المحكمة وليس بقرار من البرلمان.

الأمر الآخر هو أنّ هذا المقترح بحظر جماعة الإخوان في هولندا ليس محل توافق بين الأحزاب والحركات السياسية، ولا بين المؤسسات الحكومية، فالنسبة التي وافقت على المقترح تمثل نسبة ضعيفة حيث تمثل (50%+1) فقط، وهي نسبة تعكس الخلاف حول الأمر بين الأحزاب والقوى المشكلة للبرلمان، هذا بجانب رؤية عدد من المسؤوليين الحكوميين مثل وزير العمل الذي أوصى خلال مناقشة البرلمان للمقترح بالتصويت ضده، حيث قال: إنّ جماعة الإخوان لا تشكل تهديدًا لسيادة القانون والديمقراطية في هولندا، كما أنّه وفقًا لأحدث تقييم لتهديد الإرهاب الصادر عن المنسق الوطني الهولندي للأمن ومكافحة الإرهاب، لم يُذكر فيه جماعة الإخوان ضمن الجماعات التي تمثل تهديدًا، وبعض الأحزاب، مثل حزب النداء المسيحي، رفض المقترح بسبب رؤيته أنّ جماعة الإخوان لا تتخذ الشكل المعتاد للمنظمات الإرهابية، ويرى أحد نواب البرلمان أنّ جماعة الإخوان ليس لها وجود رسمي في هولندا وبالتالي لا يمكن حظرها.

وتعكس هذه الأمور أنّ الرؤية السياسية والأمنية لجماعة الإخوان في هولندا غير مستقرة على اعتبار الجماعة تمثل خطرًا أو مصدر تهديد للدولة، لكنّها في الوقت نفسه تعكس موقفًا خاصًا بالتيار اليميني في أوروبا، وهو تيار له سمات مشتركة ومواقف وسياسات متماثلة، منها النزعة القومية الحادة والشعور بالتهديد تجاه الهوية، ورفض المهاجرين خاصة القادمين من مجتمعات مسلمة، والتركيز على الأمن والحدود، والحساسية تجاه الإسلام والمسلمين، وهو اتجاه بدأ في الازدياد بصورة ملحوظة في أوروبا خلال السنوات الأخيرة، واستطاع في عدد من الدول أن يحقق تقدمًا سياسيًا كبيرًا.

وأخيرًا، وعلى الرغم من أنّ هذا المقترح الصادر عن البرلمان الهولندي يُعدّ غير كافٍ لاتخاذ إجراءات ضد جماعة الإخوان تسهم في حصارها والحدّ من انتشارها وتغلغلها في المجتمع، إلا أنّه في الوقت نفسه يعكس تزايدًا للاتجاه الرافض للجماعة وحضورها في الغرب بشكل عام، وهو الموقف الذي ربما يتسع نطاقه مع الوقت، خاصة مع استمرار الصراع السياسي/الديني في الشرق الأوسط وما ينتج عنه من تداعيات.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية