
يلاحظ خلال السنوات الأخيرة تزايد ظاهرة التحرش الجنسي بالمرأة بشكل كبير، فوفقًا لعدد من الإحصاءات، منها ما قامت به شبكة الباروميتر العربي، فإنّ تصنيف مصر يُعدّ الأول في الوطن العربي من حيث التحرش الجنسي، إذ توصلت الدورة الخامسة من الباروميتر العربي إلى أنّ 63% من النساء تعرّضن لأحد أشكال التحرش الجنسي، وجميع الشابات تقريباً أفدن بالتعرض لشكل من أشكال التحرش (90% من النساء بين 18و29 عامًا، و88% من النساء بين 30 و40 عامًا).
وبجانب العديد من العوامل التي تُسهم في صناعة هذه الظاهرة وانتشارها بهذا الشكل؛ فإننا نسعى هنا إلى البحث عن السبب الرئيس خلف الظاهرة، ويدور البحث حول سؤال هو: هل تعود ظاهرة التحرش الجنسي بشكل أساسي إلى الإثارة الجنسية أم إلى النظرة الدونية للمرأة، وهل ثمة علاقة بين بعض صور الخطاب الديني السائدة في المجتمع وبين هذه النظرة؟
بين الإثارة الجنسية والنظرة الدونية إلى المرأة
ردًا على السؤال حول ما إذا كانت ظاهرة التحرش الجنسي بالنساء تعود إلى الإثارة الجنسية أم إلى نظرة راسخة في المجتمع وتصور ما عن المرأة، تجيب الدكتورة آية البحقيري الطبيبة النفسية والمتخصصة في العلاج النفسي الجنسي والعلاج الزواجي في تصريح لـ (حفريات)، حيث تقول: "أعتقد أنّ السبب الرئيس لظاهرة التحرش الجنسي، بالصورة التي عليها في المجتمع المصري، لا يعود إلى الإثارة الجنسية بشكل أساسي، ولكنّه ناتج عن مشكلة بنيوية في الثقافة الجنسية بشكل عام، وفي ثقافة التعامل مع المرأة بشكل خاص؛ حيث يُنظر إلى المرأة في المجتمع على أنّها كائن في مرتبة أقلّ من الرجل، ينبغي السيطرة عليه والتحكم فيه والتعامل معه على هذا الأساس، وليس على أساس أنّها ندّ للرجل، وأنّها تمتلك من الحقوق والحريات والحق في الجسد ما يمتلك الرجل".
وتضيف البحقيري أنّ "هذه الثقافة السائدة تلوم المرأة طوال الوقت على مجرد وجودها في الشارع، وتعتبر أنّ من حق أيّ ذكر أن ينتهكها ويتعامل معها على أنّها فريسة وهو الصياد، فكثير من الشباب ينزل إلى الشارع ولديه تصور أنّ جزءًا من التماهي مع دوره الذكوري في المجتمع أنّه يسيطر على المرأة ويستغلها ويتحرش بها جنسيًا".
وتدلل البحقيري على رأيها بأنّ ظاهرة التحرش الجنسي بالنساء لا تعود بشكل أساسي إلى الإثارة الجنسية، حسب الخطاب السائد الذي يبادر باتهام المرأة دومًا بأنّها مشاركة في صناعة الظاهرة بسبب ملابسها أو طريقة تعاملها، وإنّما تعود إلى تلك النظرة الدونية للمرأة، فتقول: إنّ "الإثارة الجنسية وحدها لا تُعدّ مبررًا أو سببًا للتحرش، فالمجتمعات المنفتحة توجد فيها هذه الإثارة كما هي موجودة في المجتمعات المنغلقة التي تسود فيها الثقافة الرجعية، ولكن رغم ذلك لا ينتشر التحرش في المجتمعات المنفتحة، حيث يغيب عنها ثقافة النظر إلى المرأة على أنّها ملك للرجل وأنّ الرجولة تعني السيطرة على النساء وممارسة العنف ضدهن وسرقة المتعة الجنسية منهن بالغصب".
وتختم البحقيري حديثها بأنّ "المشكلة تكمن في وجود ثقافة العنف الجنسي، وهي ثقافة تنظر إلى الجنس على أنّه طاقة لا يمكن السيطرة عليها، طاقة ذكورية يمتلكها الذكر ومن حقه أن يتصرف فيها كيف يشاء، وأن يستخدمها بأيّ طريقة حتى يثبت نفسه، والمرأة هي التي تدفع الثمن، وجزء من هذه الثقافة له علاقة بموازين القوى في المجتمع، فكلما كانت المرأة تفتقد إلى القوة سواء بسبب الفقر أو المستوى التعليمي المتدني... إلخ، فإنّها تكون أكثر عرضة للتحرش مهما كانت ملابسها محتشمة ومهما كانت غير مثيرة جنسيًا، وعلى العكس من ذلك، كلما كانت المرأة تتمتع بالقوة سواء كان مصدر هذه القوة المال أو المكانة الاجتماعية أو السلطة... إلخ؛ فإنّها تكون أقلّ عرضة للتحرش".
الخطاب الديني وصناعة الظاهرة
تتميز بعض صور الخطاب الديني السائدة في المجتمع، خاصة ما يتعلق بخطاب التيار الإسلامي بمكوناته المختلفة، بعدة سمات منها نظرته للمرأة وتصوره عنها بأنّها كائن أقلّ من الرجل، ويبدو ذلك واضحًا في العديد من كتابات رموز هذا التيار سواء في كتبه القديمة أو في كتابات نشطائه على مواقع التواصل الاجتماعي.
وحول هذه العلاقة بين الخطاب الديني والنظرة الدونية الراسخة في المجتمع تجاه المرأة تقول الدكتورة إكرام البدوي الباحثة في الفلسفة النسوية في تصريح لـ (حفريات): "في تمثّلات الخطاب الديني، لا ترى المرأة كإنسان كامل بقدر ما تُقدَّم ككائن ينبغي التحفظ منه والتحفظ عليه في آنٍ واحد؛ تُقرأ حريتها كتهديد للدين وللنظام الأخلاقي والاجتماعي، ويُعاد تعريف حضورها عبر مفاهيم الريبة والضبط. يحدث ذلك من خلال صور خطابية متكررة: خطب تربط صلاح المجتمع بمدى انضباط ما ترتديه المرأة، وتفسيرات تبرز ضعفها كأنّه حقيقة أزلية وتغفل فاعليتها وقدرتها على المشاركة في المجتمع، وتعليمات تُحمّل جسدها مسؤولية أخلاق الآخرين. يُختزل صوتها إلى عورة، ويُحمَّل جسدها دلالات الإغواء، فتتشكل صورة ذهنية تجعل وجودها الاجتماعي بحاجة إلى تبرير دائم. ومع تكرار هذه السرديات في الوعظ والتعليم والتنشئة، تستقرّ في الوعي الجمعي رؤية ترى المرأة من زاوية النقص: إرثها نصف، وشهادتها موضع تشكيك، وكيانها بحاجة إلى تقويم قد يصل، في قراءات حرفية للنص، إلى شرعنة العنف؛ وهكذا يُعاد إنتاج هذا التصور عبر بنية اجتماعية كاملة تعيد ترسيم الحدود المسبقة لدور المرأة، حدود تدفعها ضمنيًا إلى هامش الإنسانية.
وتضيف البدوي: "من هنا، وتدريجياً، ينتقل هذا الخطاب من فضاء الخارج إلى أعماق الداخل؛ وتتحوّل الرقابة إلى جزء من وعي المرأة بذاتها، فتراقب نفسها بعين سلطة المجتمع باسم الدين قبل أن يراقبها أحد. وبهذه الآلية لا تُفرض الدونية عبر الإكراه المباشر بقدر ما تُفرض عبر إعادة تشكيل الإدراك؛ فتُقدَّم القيود كحماية، والطاعة كفضيلة، والرقابة كضرورة أخلاقية، فيتشكل وعي مجتمعي يرى أنّ خضوع المرأة جزء من النظام الديني لا نتيجة لقراءات بشرية للنص الديني قابلة للنقاش. وعند هذه النقطة يختلط المقدّس بالاجتماعي إلى درجة يصعب التمييز بينهما؛ لأنّ ما ترسّخ عبر قرون طويلة هو ربط حرية المرأة مباشرةً بالانفلات الأخلاقي، فيصبح أوّل ما يتبادر إلى الأذهان عند الحديث عن حريتها هو العُهر. هكذا تعمل الذاكرة الجمعية التي صاغها الخطاب الذكوري باسم الدين؛ تضع الحرية في مواجهة الأخلاق، وتحول المطالبة بالحق إلى تهديد للقيم، ومع استمرار هذا التصور دون مراجعة حقيقية، تنتقل الفكرة من جيل إلى آخر كما لو كانت حقيقة ثابتة غير قابلة للنقاش وإعادة التفكير".
من خلال هذه الأفكار المطروحة يمكننا القول إنّ ظاهرة التحرش بالنساء لن تغيب عن المجتمع، ربما تقلّ بفضل آليات الضبط التي تتخذها المؤسسة الأمنية والتي أسهمت في سهولة الوصول إلى مرتكبي أفعال التحرش واتخاذ إجراءات قانونية سريعة تجاههم، لكنّها لن تختفي طالما ظلت تلك الثقافة التي ترسخ النظرة المتدنية إلى المرأة سائدة في المجتمع، وطالما ظلّ هذا الخطاب الديني الذي يُسهم في ترسيخها حاضرًا ومؤثرًا.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%B9%D9%88%D8%AF%D9%8A_7.jpg.webp?itok=hx0OkFIn)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B0%D9%83%D8%A7%D8%A1_8.jpg.webp?itok=MY28Jm4M)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D9%85%D8%AF%D9%88%D9%83_5_1_1_0.jpg.webp?itok=Bvcv0WWZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%861_1.jpeg.webp?itok=cK_ZrK4K)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%88%D9%86%D8%B3_193_3.jpg.webp?itok=nXDaLee7)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B5%D9%84%D8%A7%D8%A8%D9%8A.jpg.webp?itok=HVw9b6Sx)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D9%84%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%AF%D8%A7_0_1_1.jpg.webp?itok=wyB-p77t)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%86%D9%85%D8%B3%D8%A7_14.jpg.webp?itok=DuOi0h5s)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%860_1.jpg.webp?itok=-BlCfjCM)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4_6.jpg.webp?itok=9rB8crnR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A7_5.jpg.webp?itok=mn-Cvwhm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1_0_1.jpg.webp?itok=EfTkqtIj)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%86%D9%87%D8%B6%D8%A9_36.jpg.webp?itok=EYrCzj58)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%86%D9%8A%D8%A8%D8%A7%D9%84_0.jpg.webp?itok=HGZ6ReH5)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%A7%D9%83%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D9%86_22_0_1.jpg.webp?itok=vELv53a1)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%D9%8A_1.jpg.webp?itok=xJV_iVmx)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D8%B1%D9%85%D8%B2_4.jpg.webp?itok=t1TsOP4-)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D8%B5%D8%A7%D9%85.png.webp?itok=yvnstWJC)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%85%D9%84%D8%A9_2.jpg.webp?itok=LGVwvYZl)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%B1%D8%B6%D8%A7%D9%88%D9%8A_15_0_0_4.jpg.webp?itok=6X3JWcbO)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A7_4.jpg.webp?itok=hVI6UEOO)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D9%88%D9%8A%D8%A9_6.jpg.webp?itok=W3HmVWTo)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_51.jpg.webp?itok=ismhmetI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)