حركة النهضة على حافة الانكسار: الشلل السياسي يواجه مقترح الحل التشريعي في تونس

حركة النهضة على حافة الانكسار: الشلل السياسي يواجه مقترح الحل التشريعي في تونس

حركة النهضة على حافة الانكسار: الشلل السياسي يواجه مقترح الحل التشريعي في تونس


19/02/2026

 

في ظل أزمة بنيوية مُركّبة تواجهها حركة النهضة، سواء على مستوى المشهد الداخلي التونسي أو في سياق التحولات العاصفة التي تضرب حركات الإسلام السياسي في الشرق الأوسط، لا سيّما بعد تصنيف عدد من الدول لجماعة الإخوان المسلمين تنظيماً إرهابياً، برز تطور سياسي لافت قد يعيد رسم ملامح المرحلة المقبلة. 

حل حركة النهضة: مقترح قانون

إلى ذلك، كشفت النائبة التونسية فاطمة المسدي عن إعداد مقترح قانون سيُعرض على التصويت في مجلس نواب الشعب، يهدف إلى حل حركة النهضة، في خطوة وصفتها بأنّها مفصلية، وتضع الحكومة أمام اختبار حاسم يتعلق بتحديد موقف واضح من تنظيمات الإسلام السياسي ومن ملفات الأمن القومي، وعلى رأسها قضية المقاتلين التونسيين المحتجزين في سجون تنظيم "داعش"، وإمكانية استقبالهم أو سحب الجنسية منهم، فضلاً عن حسم مسألة حل الحركة عبر مسار قانوني صريح بدل الاكتفاء بإجراءات إدارية وأمنية كإغلاق المقرات وتتبع عدد من قياداتها قضائياً.

وفي تصريحات خاصة لـ (حفريات) أكدت المسدي أنّ مقترح القانون يأتي على خلفية ما اعتبرته "اتهامات خطيرة" تواجه الحركة، من بينها ملفات الاغتيالات السياسية التي أعقبت أحداث 2011، وشبهات تتعلق بتجنيد شبان للقتال في بؤر التوتر، فضلاً عن الحديث عن جهاز أمني سرّي موازٍ، معتبرة أنّ المرحلة تقتضي معالجة قانونية شاملة تحسم الجدل وتضع حداً لحالة الالتباس القائمة.

وأكدت النائبة التونسية، في سؤال كتابي وجّهته إلى وزير الداخلية عبر رئيس البرلمان بتاريخ 10 شباط/فبراير 2026 أنّ ملف عودة العناصر التونسية التي التحقت بتنظيم "داعش" وغيره من التنظيمات الإرهابية يمثل إشكالاً سيادياً خطيراً يمسّ جوهر الانتماء إلى الدولة، وذلك على خلفية التطورات الأخيرة المرتبطة بمخيم الهول في سوريا ونقل عدد من مقاتلي التنظيم إلى العراق، من بينهم تونسيون. وشددت المسدي في حديثها لـ (حفريات) على أنّ التحاق هؤلاء بكيانات مسلحة غير شرعية ورفعهم رايات غير العلم التونسي وانخراطهم في "جيوش" تتبنّى الإرهاب والعنف، يُعدّ تخلياً عملياً عن مقتضيات الجنسية والولاء الوطني، معتبرة أنّ عودتهم لا يمكن أن تُعالج كمسألة إدارية أو إنسانية بل كقضية أمن قومي. وطالبت بتوضيح موقف وزارة الداخلية من مبدأ إعادتهم، وما إذا كانت تعتبر عودتهم خطراً سيادياً غير قابل للتساهل، وتساءلت عن وجود تصور قانوني لإسقاط أو سحب الجنسية عمّن يثبت التحاقه بتنظيمات إرهابية خارج البلاد، وعن مدى التزام تونس بأيّ ترتيبات دولية تفرض قبول إعادتهم، داعية إلى الكشف عن الإجراءات المتخذة لمنع تسللهم عبر الحدود أو إدراجهم ضمن قوائم المنع والمراقبة المشددة.

ضرورة حلّ حركة النهضة وتصنيفها تنظيماً إرهابياً

وفي سياق متصل، كشفت المسدي عن تقدّمها بمبادرة تشريعية تقضي بحل حركة النهضة وتصنيفها تنظيماً إرهابياً، معتبرة أنّ المرحلة تقتضي حسم الخيارات الوطنية تجاه كل الكيانات التي ترى أنّها ارتبطت، بشكل مباشر أو غير مباشر، بمنظومات التطرف أو وفرت لها غطاءً سياسياً. وأوضحت أنّ مشروع القانون يندرج ضمن مسار تشريعي يهدف إلى "تنقية الحياة السياسية" وحماية الدولة من كل أشكال الاختراق، وفق تعبيرها.

ولفتت المسدّي إلى أنّها قالت، في خطابها الموجّه إلى رئيس البرلمان ورئيسة الحكومة، إبراهيم بودربالة وسارة الزعفراني: إنّه "عملاً بأحكام الفصلين 3 و35 من الدستور، وبالرجوع إلى القانون 87 لسنة 2011 المتعلق بتنظيم الأحزاب السياسية، أتوجّه بطلب فتح إجراءات قانونية وإدارية تهدف إلى حلّ كلٍّ من حركة النهضة وحزب التحرير، استناداً إلى تورّط حركة النهضة في المساس بالأمن القومي، ووجود ملفات منشورة أمام القضاء تتعلق بشبهات التورّط في تسفير الشباب إلى بؤر التوتر، والارتباط بتنظيمات إرهابية دولية." 

وتابعت موضحة أنّ هذا الطلب يأتي كذلك "استناداً إلى استغلال الغطاء الحزبي لتخريب أجهزة الدولة، والتغلغل داخل مفاصل الإدارة خدمةً لأجندات غير وطنية، وعدم احترام قواعد الشفافية والتمويل في الحياة الحزبية." 

وأشارت إلى أنّ حزب التحرير خالف مبادئ الدولة المدنية، وأعلن رفضه العلني لقيم الجمهورية والديمقراطية وعلوية الدستور، ودعوته إلى إقامة الخلافة وإلغاء النظام الجمهوري، إضافةً إلى خطاب تحريضي يناقض الفصل الأول من الدستور ويهدد وحدة الدولة والمصلحة العليا للبلاد.

وختمت النائبة التونسية حديثها لـ (حفريات) بالتأكيد على أنّ تونس لا يمكن أن تتحول إلى فضاء لإعادة توطين الإرهابيين العائدين أو إلى مظلة قانونية لاحتضان تنظيمات تعتبرها خطراً على الدولة، مشددة على أنّ حماية الأمن القومي تقتضي موقفاً حاسماً يكرّس مبدأ الردع الصارم ضد كل من خان الدولة وهدد أمنها.

حركة النهضة ومتغيرات تموز 2021

في سياق متصل، عرفت حركة النهضة منذ شهر تموز/ يوليو 2021 تحولات سياسية جذرية، مغايرة تماماً للسنوات التي كانت خلالها جزءاً أساسياً من منظومة الحكم وتمسك بمقاليد السلطة. فمنذ ذلك التاريخ، دخلت الحركة مساراً سياسياً وتنظيمياً وُصف بأنّه يهدد وجودها على المدى الطويل، في ظل تصاعد الضغوط الداخلية والانشقاقات وتراجع الحضور الشعبي. ويرى مراقبون أنّ السلطة في تونس راهنت على عامل الزمن وعلى تفاقم أزمات الحركة الذاتية، بما قد يدفعها إلى التفكك من الداخل، في وقت تحاول فيه قيادات محسوبة على ما يُعرف بـ "تيار الصقور" الحفاظ على ما تبقى من هياكلها وإعادة ترتيب صفوفها من الخارج لالتقاط أنفاسها الأخيرة.

ولا شك أنّ القرارات التي اتخذتها السلطات التونسية منذ نيسان/أبريل 2023، سواء عبر إغلاق المقرات المركزية والجهوية للحركة أو تتبع عدد من قيادات الصف الأول قضائياً، بتهم تتراوح بين تسفير شبان إلى بؤر التوتر، والتآمر على أمن الدولة الداخلي والخارجي، وتلقي تمويلات أجنبية، إلى جانب شبهات الفساد المالي والإداري، قد وضعت الحركة وقياداتها في وضع سياسي وقانوني بالغ الحرج أمام الرأي العام التونسي.

من جانبه، لفت مصطفى عبد الكبير، مدير المرصد الوطني لحقوق الإنسان في تونس، إلى أنّ حركة النهضة، بوصفها حزباً سياسياً، عُرفت بتاريخ متقلب وغير مستقر، إذ قضت جزءاً كبيراً من مسيرتها في العمل السرّي، وبين السجون، وتحت وطأة الملاحقات، إلى حين اندلاع أحداث 14 كانون الثاني/يناير 2011.

وأوضح عبد الكبير، في تصريحاته لـ (حفريات)، أنّ تلك الثورة أفضت إلى وصول الحركة إلى الحكم، ومكّنتها من تسوية مجمل أوضاعها القضائية والسياسية، والدخول فيما سُمّي بمصالحة مع الشعب التونسي عبر توافق اعتُبر مغشوشاً ضمن حكومة الترويكا، ثم لاحقاً من خلال تحالفها مع نداء تونس. غير أنّ هذا التوافق سقط بسقوط النظام السياسي القائم آنذاك، خاصة بعد وفاة الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي.

وشدّد عبد الكبير على أنّ انتخابات سنة 2019 مثّلت محطة مفصلية، إذ صعد رئيس حركة النهضة إلى رئاسة البرلمان التونسي، قبل أن يتم إغلاق البرلمان بقرار 25 تموز/يوليو 2021، في إطار تفعيل الفصل 80 من الدستور، وهو القرار الذي أنهى عمل البرلمان والحكومة المنبثقة عنه.

وأضاف أنّ البلاد دخلت إثر ذلك مرحلة الحكم بالمراسيم، وكان أبرزها المرسوم 54 الذي اعتبره وبالاً على الجميع، وخاصة على الأحزاب المعارضة لمسار 25 تموز/يوليو. ونتيجة لذلك أصبحت حركة النهضة محل ملاحقة سياسية وقضائية، وتم إيقاف نشاطها، لتدخل في قطيعة شبه تامة مع قواعدها ومناصريها.

واستنتج عبد الكبير أنّ حركة النهضة باتت اليوم حركة سياسية مشلولة، غير قادرة على تضميد جراحها، في ظل وجود أغلب قياداتها في السجون أو مطاردين في المهجر، الأمر الذي حال دون قدرتها على القيام بأيّ نشاط سياسي منفرد، ودفعها إلى الاحتماء ضمن ائتلافات سياسية متعددة الأطراف.

وأشار إلى أنّ الحركة حاولت، عقب إغلاق البرلمان وحل الحكومة، تنظيم تحركات ميدانية وجهوية ومحلية في مختلف أنحاء الجمهورية، إلا أنّ قياداتها تفاجأت بعزوف الأنصار عن التفاعل. بل وأكثر من ذلك، فشلت محاولاتها في تنظيم مسيرات احتجاجية إثر إيقاف عدد من قياداتها، وهو ما جعلها تدرك أنّها فقدت قاعدتها الشعبية وأصبحت حركة معزولة سياسياً.

وفي سياق متصل، شدد مدير المرصد التونسي لحقوق الإنسان على أنّ عودة عناصر التنظيمات الإرهابية وعائلاتهم ليست جديدة، موضحاً أنّ الدولة سبق أن استقبلت عائدين من ليبيا وسوريا في سنوات سابقة.

وأوضح أنّ تونس شكلت ائتلافاً وزارياً يضم الداخلية، والخارجية، والشؤون الاجتماعية، والتربية، والصحة، ووزارة الأسرى، لتنظيم استقبال العائدين وضمان التعامل القانوني والأمني والاجتماعي معهم.

وأشار إلى أنّ الدولة اعتمدت إطاراً قانونيّاً لمكافحة الإرهاب، وأنشأت قطب مكافحة الإرهاب بالعاصمة للتحقيق والمتابعة القضائية، مع محاكمات علنية وعن بُعد للعناصر الإرهابية.

ولفت عبد الكبير إلى أنّ عدد العائدين من مناطق النزاع يقدّر بالمئات، وأنّ النساء والأطفال المرافقين لهم يقدّر بالآلاف، مؤكّداً ضرورة التثبت من هوياتهم وإخضاعهم لتحقيقات دقيقة قبل إحالتهم إلى القضاء.

وختم بالتأكيد على أنّ تونس مستعدة للتعامل مع هذا الملف وفق الآليات القانونية والأمنية، مع إعادة الأطفال والنساء إلى المجتمع تحت إشراف الدولة أو ضمن عائلاتهم، بعد دراسة أمنية واجتماعية دقيقة.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية