
تُعدّ ثورة الخامس والعشرين من كانون الثاني (يناير) 2011م الحدث الأبرز في مصر خلال القرن الحادي والعشرين، فقد صنعت العديد من التحولات في كل المجالات في المجتمع، وتأتي ذكراها كل عام لتعيد الكثير من الذكريات والحكايات والرؤى حول الماضي والحاضر والمستقبل.
وتمثل هذه الذكرى لجماعات الإسلام السياسي حدثًا مهمًّا يفتح الآفاق حول واقع هذه الجماعات ومستقبلها، فقد مثلت لها الثورة مصدرًا كبيرًا للأمل في مزيد من الحضور والتمدد وتحقيق مشروعها الخاص بإقامة الدولة الإسلامية، لكنّ هذا الأمل سرعان ما انتهى بسقوط الإخوان من الحكم في العام 2013م، وهو ما يجعل ذكرى (يناير)، بالنسبة إلى جماعة الإخوان وحلفائها، حدثًا يتجدد فيه الأمل كل عام في الخروج من الأزمة واستعادة المكانة واستكمال السير نحو الهدف المنشود.
لكنّ ثورة (يناير) وتداعياتها كانت سببًا في انقسام الجماعة إلى ثلاث جماعات، كلّ منها تدّعي أنّها تمثل فكر الإخوان الصحيح، وكلّ منها لها قيادة وهيكل تنظيمي ورؤية مختلفة، وقد تفاعلت كلٌّ منها مع ذكرى (يناير) هذا العام من خلال إصدار ثلاثة بيانات، بشكل كشف عن الاختلاف والتناقض الواقع فيما بينها.
فما هو مضمون كلّ بيان منها، وما دلالاته، وما سبب التحولات التي كشف عنها؟
مواقف مختلفة ورؤى متباينة
يأتي البيان الأوّل لجبهة المكتب العام أو تيار التغيير، الذي صدر من خلال حركة "ميدان" التي شكلتها الجبهة لتضم إليها أفرادًا آخرين من خارج جماعة الإخوان ممّن يؤمنون بالعمل الثوري، وقد تضمن البيان عددًا من الأفكار التي تعبّر عن هذه الجبهة. ويؤكد البيان على الحل الثوري كأداة للتغيير الجذري في مصر، ويؤكد أيضًا على أنّ الأمل في التغيير ما يزال قائمًا، وأنّه كما استطاع الشعب المصري أن يغيّر النظام في 2011م فإنّه قادر على التغيير في المستقبل القريب، ويشير البيان إلى التجربة السورية التي انتهت بوصول مجموعة تعود جذورها إلى تنظيم القاعدة إلى الحكم، والتي تعتبرها الحركة تجربة ملهمة لها تمنح الأمل في إمكانية التغيير، ويؤكد البيان كذلك على أنّ السلطة الحالية في مصر هي سبب كل الأزمات، وأنّ استمرارها سوف يؤدي إلى مزيد من الأزمات والتهديدات التي تتعرّض لها الدولة؛ ومن ثم فإنّ الثورة هي الحل.
والبيان الثاني أصدرته ما تُسمّى "جبهة إسطنبول" بقيادة محمود حسين الأمين العام السابق للجماعة، وقد جاء بيانها نمطيًا إلى حد كبير، ولم يحمل رؤية جديدة، ولم يطرح تصورًا للتغيير أو لحلّ أزمات الجماعة، لكنّه تحدث عن التهديدات الخارجية التي تتعرّض لها مصر والأزمات الداخلية التي يعيشها الشعب، ووصف النظام الحالي بالتوصيف نفسه الذي تصفه الجماعة منذ 2013م بأنّه "سلطة الانقلاب". ويؤكد البيان على أنّ الديمقراطية وتداول السلطة هما السبيل إلى التغيير في مصر؛ ومن ثم يدعو القوى الوطنية إلى الاصطفاف ووضع رؤية لتحقيق التغيير عبر هذه الآلية.
ويأتي البيان الثالث لجبهة لندن بقيادة صلاح عبد الحق، وهو البيان الذي يعكس تحولًا ملحوظًا في خطاب جماعة الإخوان؛ حيث يشير إلى العديد من التهديدات التي تتعرّض لها الدولة المصرية خاصة من جانب إسرائيل ومخططها لإعادة تقسيم المنطقة ورسم خريطة النفوذ بما يضمن هيمنتها على المنطقة، ويؤكد البيان على أنّ هذا يتطلب من الجميع مراجعة الماضي وتغليب ما يجمع على ما يفرّق، ويدعو كل القوى الوطنية إلى الوقوف خلف مؤسسات الدولة ودعمها بهدف مواجهة تلك التهديدات، ويدعو كذلك الدولة إلى توفير قدر من الانفتاح ووضع حل لمشكلة المسجونين السياسيين بالشكل الذي يُسهم في تقوية الجبهة الداخلية حتى يمكن التصدي للمشروع الصهيوني. ويذكر البيان في أحد فقراته ما يعكس تحولًا مهمًّا في خطاب الجماعة، حيث يؤكد على أنّ أهداف ثورة (يناير) "العيش، والحرية، والعدالة الاجتماعية" ثابتة، لكنّ آليات تحقيقها يجب أن تكون متغيرة بما يتناسب مع الظروف الجديدة والتطورات الحاصلة، وأنّ تحقيق تلك الأهداف يتطلب توفير بيئة مواتية تضع في الاعتبار مصالح مصر العليا وأمنها القومي ومصالح الإقليم.
دلالات البيانات
تعكس بيانات الإخوان الثلاثة مواقف مختلفة ومتباينة، ما بين الإصرار على الاتجاه الثوري الذي انتهجته جبهة المكتب العام في السابق، وما تسير فيه حركة "ميدان" المنبثقة عنها في الوقت الحالي، وما بين حالة التكلس والجمود والتفكير النمطي والتوقف عند لحظة الثالث من تموز (يوليو) 2013م الذي تعبّر عنه جبهة إسطنبول، وما بين التحول في الرؤية للماضي والحاضر والموقف من الدولة المصرية الذي تمثله جبهة لندن.
وهنا من الممكن أن نطرح سؤالين؛ الأوّل: هل الاختلاف بين البيانات الثلاثة يعكس اختلافًا حقيقيًا بين جبهات أو جماعات الإخوان أم أنّ الأمر بمثابة توزيع أدوار؟ والثاني: هل هذا التحول في خطاب جبهة لندن يعبّر عن تغيير حقيقي في رؤية هذه المجموعة أم أنّه مجرد أداة تبحث بها الجماعة عن مخرج لأزمتها؟
بالنسبة إلى السؤال الأول فإنّ الخلاف بين جبهات الإخوان الثلاث هو اختلاف حقيقي غير مصطنع، كان له العديد من المظاهر؛ منها الاتهامات والانتقادات المتبادلة بينهم، وإسهام جبهة إسطنبول في وقت سابق في ترحيل أعضاء ينتمون إلى جبهة المكتب العام من تركيا وتسليمهم إلى السلطات المصرية لاتهامهم في جرائم عنف، وكذلك قطع جبهة إسطنبول المساعدات المالية لأعضاء جبهة المكتب العام بسبب الخلافات القامة فيما بينهم حول مسار التغيير، ومن جانب آخر فإنّ هذا الاختلاف أمر وارد الحدوث، لأنّه أوّلًا وقع في مراحل تاريخية سابقة في الجماعة، وثانيًا لأنّه نتيجة طبيعية لما تتسم به الجماعة من سمات البراغماتية والقدرة على المرواغة، التي تجعلها تقع في الكثير من التناقضات خاصة في الأوقات الاستثنائية وعند الأزمات؛ فجماعة الإخوان، كما شكّلها حسن البنا، لها أكثر من وجه يتغير حسب الظروف وتبعًا لمصلحة التنظيم، فالبنا مثلًا لم يكن يعبّر عن أفكاره بوضوح دفعة واحدة، ولكنّه كان يعبّر عنها ويكشف عن أهدافه حين يرى السياق ملائمًا، وإذا رأى أنّ ثمة آثارًا سلبية ترتبت على قرار أو فعل أو مسار ما، فإنّه كان يعلن عن تراجعه، وربما تبرّأ منه أو من الأفراد الذين قاموا به، كما أنّ أفكاره الواردة في كتبه تحمل الكثير من الغموض، ولها أكثر من وجه؛ وكل ذلك صنع حالة من التناقض داخل الجماعة، وأوجد فيها اتجاهات مختلفة، لذلك فإنّ من يؤمن منهم بالعمل الثوري يجد سندًا له في كلام البنا، ومن يؤمن بالعمل السلمي يجد سندًا له كذلك في كلامه، وكان هذا أحد أسباب التخبط والاختلاف والانقسام داخل الجماعة بعد 2013م.
وبالنسبة إلى السؤال الثاني فإنّه على الرغم من التغير الملحوظ في خطاب الإخوان ممثلًا في جبهة لندن التي تضم عددًا كبيرًا من جماعة الإخوان، فإنّ ذلك كان ينقصه أن تقدم الجبهة مراجعة جادة لأفكارها وممارساتها وتقييمًا حقيقيًا لتجربتها منذ 2011م، حتى تعطي لخطابها وتحولاته مصداقية لدى الجمهور والسلطة على السواء، لكنّ الملاحظ هنا بوضوح أنّ جماعة لندن تريد أن تقدّم مبادرة للدولة المصرية تعلن من خلالها أنّها ترغب في العودة إلى ما قبل 2011م بحيث تكون جماعة دينية معارضة لا حركة ثورية، أملًا في أن تغيّر الدولة سياستها نحوها، وتمنحها فرصة للعودة بشكل جزئي، وتفرج عن أعضائها المسجونين، فتحقق الجماعة من وراء ذلك العديد من المكاسب؛ أبرزها المحافظة على التنظيم وكسب قاعدة تنظيمية أكبر بحلها قضية المسجونين، لكنّ العديد من العقبات تقف أمام هذه المبادرة، أبرزها فقدان الجماعة للمصداقية.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B0%D9%83%D8%A7%D8%A1_8.jpg.webp?itok=MY28Jm4M)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%86%D9%87%D8%B6%D8%A9_35.jpg.webp?itok=0F9uR4sA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%B9%D9%88%D8%AF%D9%8A_7.jpg.webp?itok=hx0OkFIn)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%861_1.jpeg.webp?itok=cK_ZrK4K)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%88%D9%86%D8%B3_193_3.jpg.webp?itok=nXDaLee7)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B5%D9%84%D8%A7%D8%A8%D9%8A.jpg.webp?itok=HVw9b6Sx)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D9%85%D8%AF%D9%88%D9%83_5_1_1_0.jpg.webp?itok=Bvcv0WWZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%86%D9%85%D8%B3%D8%A7_14.jpg.webp?itok=DuOi0h5s)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4_6.jpg.webp?itok=9rB8crnR)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1_0_1.jpg.webp?itok=EfTkqtIj)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%86%D9%87%D8%B6%D8%A9_36.jpg.webp?itok=EYrCzj58)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A7_5.jpg.webp?itok=mn-Cvwhm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%860_1.jpg.webp?itok=-BlCfjCM)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%A7%D9%83%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D9%86_22_0_1.jpg.webp?itok=vELv53a1)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%D9%8A_1.jpg.webp?itok=xJV_iVmx)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D8%B5%D8%A7%D9%85.png.webp?itok=yvnstWJC)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D8%B1%D9%85%D8%B2_4.jpg.webp?itok=t1TsOP4-)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%85%D9%84%D8%A9_2.jpg.webp?itok=LGVwvYZl)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%B1%D8%B6%D8%A7%D9%88%D9%8A_15_0_0_4.jpg.webp?itok=6X3JWcbO)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D9%88%D9%8A%D8%A9_6.jpg.webp?itok=W3HmVWTo)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A7_4.jpg.webp?itok=hVI6UEOO)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_51.jpg.webp?itok=ismhmetI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)