دعوة إلى الحوار في لحظة الانهيار: حركة النهضة بين خطاب الإنقاذ وواقع التراجع

دعوة إلى الحوار في لحظة الانهيار: حركة النهضة بين خطاب الإنقاذ وواقع التراجع

دعوة إلى الحوار في لحظة الانهيار: حركة النهضة بين خطاب الإنقاذ وواقع التراجع


20/01/2026

 

في ظل صورة قاتمة تُغلّف واقعَ ومستقبلَ حركة النهضة، وانهيار بنيويّ لهياكل الحركة وقواعدها في تونس، دعت الحركة إلى حوار وطني شامل "غير إقصائي بين كل القوى الديمقراطية من أجل إنقاذ تونس"، وذلك بمناسبة الذكرى السنوية لثورة 14 كانون الثاني/ يناير 2011، التي أطاحت بالرئيس زين العابدين بن علي.

بيان حركة النهضة وحافة الاندثار

من الصعب النظر إلى البيان الذي نشرته حركة النهضة عبر منصاتها المختلفة وتراتبية مواده دون التدقيق فيما يُعبّر عنه من حالة الحركة وأزمتها العميقة على كافة المستويات، سواء بين قواعد الحركة وهياكلها الفرعية، أو بين الحركة ذاتها والشعب التونسي، فضلًا عن امتداد ذلك مع انحسار تيار الإسلام السياسي إقليميًا ودوليًا، خاصة مع قرار الولايات المتحدة الأمريكية الأخير بحظر الجماعة في مصر والأردن ولبنان، ما يعني أنّ الجميع على محكّ القرار.

لا يتوقف المكتب التنفيذي لحركة النهضة عن تكرار الحديث عن الوضع الحقوقي والسياسي في تونس، حيث إنّها تزعم دومًا "تدهور الأمور منذ 25 تموز/ يوليو 2021"، دون أن تدرك أو تهتم بأنّ ذلك التاريخ شهد أيضًا غضب الشارع التونسي وانصرافه عنهم.

في ذلك التاريخ ذهب الرئيس التونسي قيس سعيّد نحو فرض إجراءات استثنائية شملت حلّ مجلس النواب، وإصدار تشريعات بأوامر رئاسية، وإقرار دستور جديد عبر استفتاء، وإجراء انتخابات تشريعية مبكرة.

ويرى الكاتب التونسي الجمعي قاسمي أنّ حركة النهضة، في مجمل الحالات، تعيش آخر أيامها، وتقف اليوم على حافة الاندثار، وذلك بالنظر إلى جملة من العوامل المتداخلة، داخليًا وإقليميًا ودوليًا.

وعلى الصعيد الداخلي، يشير قاسمي في حديثه لـ (حفريات)  إلى أنّ حركة النهضة تعاني من أزمات سياسية وتنظيمية عميقة، غير أنّ العامل الأهم ـ حسب تعبيره ـ يتمثل في أنّ الشعب التونسي لفظ هذه الحركة الإسلامية ولم يعد يثق بها. ويُضاف إلى ذلك أنّ القيادتين الأولى والثانية للحركة الإخوانية تقبعان حاليًا في السجون، الأمر الذي أفضى إلى اختلالات تنظيمية جسيمة، ولم يتبقَّ من هياكلها سوى القليل.

ويُبين الكاتب التونسي أنّ العناصر القليلة المتبقية ما تزال مرتبطة برئيس الحركة راشد الغنوشي، وفي مقدمتهم صهره رفيق عبد السلام بوشلاكة، وهؤلاء ـ حسب تقديره ـ ينشطون ضمن فضاء افتراضي بحت، وتقتصر تحركاتهم على العالم الرقمي دون حضور فعلي على أرض الواقع. وفي هذا السياق يندرج البيان الصادر  تزامنًا مع الذكرى الخامسة عشرة لاندلاع الثورة التونسية ضمن منطق المكابرة السياسية، في محاولة لإيصال رسالة مفادها أنّ الحركة ما تزال موجودة، في حين أنّ الواقع يُكذّب ذلك، بعد أن لفظها الشارع التونسي، وحتى الأحزاب السياسية.

ويضيف قاسمي أنّ جبهة الخلاص، التي شكّلتها حركة النهضة خلال السنوات الماضية، قد تلاشت وتفككت، وهو ما يعكس حجم التراجع السياسي والتنظيمي الذي تعيشه الحركة. أمّا الحديث المتكرر عن الدعوة إلى الحوار والمصالحة، فلا يعدو ـ في نظره ـ كونه شعارات فارغة تحاول من خلالها الحركة الإيحاء بأنّها ما تزال فاعلًا في المشهد السياسي، بينما الحقيقة مغايرة تمامًا.

إقليميًا، يلفت المصدر ذاته إلى أنّ التيار الإسلامي السياسي شهد تراجعًا شاملًا، وهو ما زاد من عزلة حركة النهضة. كما أنّ القرارات الأمريكية الأخيرة بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين منظمة إرهابية من شأنها، دون شك، أن تُلقي بظلالها السلبية على الحركة، باعتبارها أحد فروع التنظيم الدولي للإخوان المسلمين.

وخلص الكاتب التونسي الجمعي قاسمي في تصريحاته لـ (حفريات) إلى أنّ حركة النهضة قد عصفت بها رياح التحولات السياسية، ففككت بنيتها وأخرجتها من الإطار الذي كانت عليه قبل سنوات، لتتحول اليوم إلى كيان شبيه بالهباء المنثور، بلا تأثير يُذكر، لا على مستوى الشارع التونسي ولا على الصعيد السياسي العام.

ملف أنستالينغو

في سياقٍ متصل، أقرّت محكمة الاستئناف في العاصمة التونسية الأحكام الابتدائية الصادرة ضد عدد من السياسيين والأمنيين والإعلاميين، في ما عُرف بقضية "أنستالينغو"، وعلى رأسهم رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي، ورئيس الحكومة السابق هشام المشيشي.

في المقابل، أفرجت المحكمة عن الصحفية شذى بلحاج مبارك، المتهمة في القضية نفسها، بعد تعديل حكمها الابتدائي من خمس سنوات إلى سنتين، مع تأجيل التنفيذ.

يُذكر أنّ الأحكام الابتدائية الصادرة في حق المتهمين في هذه القضية تراوحت بين (5) سنوات و(35) سنة سجنًا.

بدوره، قدّم ناصر التليلي الكاتب التونسي قراءة نقدية لفكرة حركة النهضة، معتبرًا أنّها تمثل نموذجًا واضحًا للتحايل السياسي المقنّع.

من حيث الشكل، ترفع حركة النهضة شعارات الديمقراطية، والمشاركة، والحرص على الدولة ومؤسساتها، غير أنّ جوهر خطابها ـ برأيه ـ يقوم على ازدواجية خطيرة بين القول والممارسة. وهنا يلفت التليلي في حديثه لـ  (حفريات) إلى أنّ هذا الخطاب ليس إلا دجلًا سياسيًا يستثمر في اللغة الحديثة ليُخفي مشروعًا فكريًا مغايرًا.

ويشدد الكاتب التونسي على أنّ حركة النهضة لا يمكن فهمها بمعزل عن سياقها التاريخي والفكري؛ فهي، في نظره، ليست تعبيرًا طبيعيًا عن تطور المجتمع العربي أو التونسي، بل هي امتداد لفكر الإخوان المسلمين، ذلك الفكر الذي نشأ بوصفه أداة اختراق للمنطقة العربية، أكثر منه مشروعاً حقيقيًا للنهضة.

ويذهب التليلي إلى أنّ فكرة النهضة، كما تطرحها الحركة، تقوم على تفكيك الهوية العربية الجامعة، لا على تعزيزها. فهي لا تتعامل مع المجتمع باعتباره كتلة ثقافية حضارية واحدة، بل تعيد إنتاج الانقسامات، وتغذّي الصراعات الهوياتية، وهو ما يخدم ـ بشكل مباشر أو غير مباشرـ مشاريع التفتيت والسيطرة.

ومن هذا المنطلق يرى أنّ حركة النهضة تمثل قاطعًا مع الإرث الحضاري العربي، ولا تمتّ بصلة إلى الفكر العربي المتنوّر الذي أنتج أعظم منجزاته في الأندلس، وفي المشرق، وفي المغرب العربي. فالحضارة العربية ـ كما يؤكد ـ قامت على العقل، والعلم، والتعدد، والانفتاح، بينما يقوم فكر حركة النهضة على العاطفة، والتأويل الغيبي، وتقديس التنظيم.

ويستنتج التليلي أنّ التجربة العملية لحركة النهضة، سواء في تونس أو في ارتباطها الإقليمي، كشفت حقيقتها؛ إذ لم تنتج دولة قوية، ولا مؤسسات مستقرة، بل أسهمت في تعميق الأزمات السياسية والاجتماعية، وأظهرت عجزها عن التحول إلى حزب مدني حقيقي.

وختم ناصر التليلي حديثه بالتأكيد على أنّ ما يُسمّى "حركة النهضة" لا تمثل نهضة فعلية، لا فكرًا ولا ممارسة، بل هي مرحلة عابرة في مسار المنطقة العربية، بدأت بالتراجع مع انكشاف مشروعها، في مقابل بروز مشاريع دولة وطنية تسعى إلى استعادة جوهر النهضة الحقيقية: نهضة العقل، والإنسان، والدولة.

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية