فاطمة المسدي: الدولة التونسية تستعيد أدواتها السيادية، وقضية "إنستالينغو" بداية تفكيك منظومة الإسلام السياسي في تونس

فاطمة المسدي: الدولة التونسية تستعيد أدواتها السيادية، وقضية "إنستالينغو" بداية تفكيك منظومة الإسلام السياسي في تونس

فاطمة المسدي: الدولة التونسية تستعيد أدواتها السيادية، وقضية "إنستالينغو" بداية تفكيك منظومة الإسلام السياسي في تونس


12/01/2026

أجرى الحوار: رامي شفيق

تشهد تونس منذ إجراءات تموز (يوليو) 2021 صراعًا سياسيًا كبيرًا حول طبيعة النظام السياسي وخياراته الاقتصادية والاجتماعية. وعلى خلفية ذلك تبدو خيارات السلطة القائمة بشأن موقع الإسلام السياسي وحدود تحركاته داخليًا وخارجيًا كأنّها تراوح مكانها، رغم الإجراءات القضائية والقانونية المتخذة ضد عدد من قيادات حركة النهضة وجبهة الخلاص على ذمة قضايا تتعلق بأمن وسلامة الدولة، في إطار مساعي الدولة لاستعادة أدواتها القانونية والسيادية.

في هذا الحوار تقدّم النائبة بالبرلمان فاطمة المسدي لـ (حفريات) قراءة نقدية تسعى من خلالها إلى شرح طبيعة العلاقة بين حركة النهضة وجبهة الخلاص، معتبرة أنّ ما يُسوَّق كخلافات بين الطرفين لا يتجاوز كونه تمايزًا في الأدوار، ويجمعهما ـ وفق توصيفها ـ مشروع سياسي واحد يهدف إلى إعادة إنتاج منظومة ما قبل 25 تموز (يوليو). وتذهب المسدي إلى أبعد من ذلك، بوصف جبهة الخلاص غطاءً سياسيًا لحركة النهضة بعد تآكل شرعيتها الشعبية، مؤكدة أنّ الانسجام يعود بينهما عند كل منعطف حاسم.

وتتوقف المسدي عند قضية "إنستالينغو" لتصفها بأنّها سابقة قضائية مفصلية تكشف الارتباط العضوي بين العمل الحزبي والتمويل الأجنبي والإعلام الموجَّه، وترى فيها نقطة تحوّل حقيقية في مسار تفكيك منظومة الإسلام السياسي داخل الدولة. وفي حديثها عن القوى المدنية تُحذّر من التقارب المصلحي بين بعض مكونات اليسار والإسلام السياسي، معتبرة إيّاه تقاربًا مرحليًا ومدمّرًا، وتدعو إلى وضوح المواقف وإجراء مراجعات عميقة، بالتوازي مع خطاب سياسي صادق وإجراءات اجتماعية ملموسة لإحباط رهانات النهضة على الأزمات المعيشية والعودة إلى الشارع.

نص الحوار :

كيف تقيّمين اليوم العلاقة بين حركة النهضة وجبهة الخلاص؟ وهل يمكن اعتبارهما في لحظة توافق، أم أنّ الخلاف ما زال قائمًا ميدانيًا؟

ـ تبدو العلاقة بين حركة النهضة وجبهة الخلاص علاقة مرتبطة بالظرف السياسي الراهن وبحسابات تتقاطع في المصالح والرهانات. ورغم وجود اختلافات معلنة في الخطاب والأسلوب، فإنّ المشروع السياسي للطرفين يبدو متقاربًا في جوهره، باعتبار أنّ كليهما يسعى لاستعادة موقعه داخل المشهد السياسي بعد محطة الخامس والعشرين من  تموز (يوليو).   

وبرغم ما يُروَّج له من تباينات، فإنّ تلك الخلافات تبدو أقرب إلى تمايز في الأدوار منها إلى صراع فعلي، إذ سرعان ما يظهر قدر من الانسجام بينهما عند المنعطفات الحاسمة.

وعلى أيّ حال لا يمكن النظر إلى العلاقة بين حركة النهضة وجبهة الخلاص دون التدقيق في مسارات المنفعة والمصالح المتبادلة، ممّا يعني أنّ الأمر يتعلق بحدود تقاسم الأدوار. 

ورغم ظهور بعض التباينات في الخطاب أو الأسلوب، لكن في الجوهر نحن أمام مشروع سياسي واحد، هدفه إعادة إنتاج منظومة ما قبل 25 تموز )يوليو)، مع تغيير الواجهات لا أكثر.

إنّ تقديري وقناعاتي تبدو نحو رؤية جبهة الخلاص كغطاء سياسي لحركة النهضة بعد سقوط شرعيتها الشعبية، ولذلك فإنّ ما يُروَّج له من خلافات هو تكتيك إعلامي وليس خلافًا ميدانيًا حقيقيًا. وعند كل منعطف سياسي حاسم نلاحظ عودة الانسجام الكامل بينهم. 

ما الأثر القانوني والسياسي لأحكام قضية "إنستالينغو" على حركة النهضة وشبكاتها الإعلامية؟ وهل تمثل نقطة تحوّل في تفكيك منظومة الإسلام السياسي داخل الدولة؟

ـ تُعتبر قضية "إنستالينغو" محطة لافتة لجهة انعكاساتها القانونية والسياسية، فقد فتحت نقاشًا واسعًا حول العلاقة بين النشاط الحزبي والتمويل الخارجي والدور الإعلامي الموجّه. ورغم أنّ القضية ما زالت في إطارها القضائي، فإنّ الرسالة السياسية المرافقة لها توحي بأنّ الدولة تتجه نحو استعادة أدوات الرقابة والسيادة على المجال الإعلامي، مع الدفع نحو محاسبة كل من ثبت تورّطه خارج إطار القانون.

وإذا ما تواصل هذا المنحى، فقد تمثل القضية بالفعل نقطة تحوّل في مسار تفكيك شبكات النفوذ التي تشكّلت خلال العقد الماضي، مع تأكيد أنّ الحسم النهائي يظل بيد القضاء واستكمال مسار المحاسبة.

إذاً، قضية "إنستالينغو" تمثل سابقة قضائية خطيرة ومفصلية في تفكيك منظومة الإسلام السياسي، لأنّها لأول مرة تكشف العلاقة العضوية بين العمل الحزبي، والتمويل الأجنبي، والمنصات الإعلامية الموجّهة.

هذه الأحكام لا تُدين أشخاصًا فقط، بل تُدين منظومة كاملة اشتغلت لسنوات خارج منطق الدولة والقانون.

سياسيًا، هي رسالة واضحة بأنّ الدولة بدأت تستعيد أدواتها السيادية، وأنّ الإعلام الموازي الذي كان يُستعمل للتأثير على الرأي العام وتبييض التطرف لم يعد محصّنًا.

نعم، نحن أمام نقطة تحوّل، والشعب يطالب بالمحاسبة لاستكمال المسار، وهو ضمان لعدم التراجع تحت أيّ ضغط داخلي أو خارجي.

إلى أيّ مدى يمكن للقوى المدنية والديمقراطية استعادة دورها التاريخي في مواجهة تمدّد الإسلام السياسي؟ وكيف نقرأ التقارب الظرفي بين بعض قوى اليسار والإسلام السياسي؟

ـ رغم ما تعانيه القوى المدنية والديمقراطية من تشتّت وتباينات داخلية، فإنّها ما تزال تملك رصيدًا نضاليًا وتاريخيًا يسمح لها باستعادة دورها شرط إجراء مراجعات حقيقية، وفي مقدمتها توحيد المواقف تجاه طبيعة الصراع السياسي وحدود التوافق الممكن.

أمّا التقارب الظرفي بين بعض مكوّنات اليسار والإسلام السياسي، فيبدو مرتبطًا بحسابات آنيّة أكثر منه بتقارب في المشروع المجتمعي. وهو تقارب غالبًا ما يخدم طرفًا على حساب آخر، وقد أثبتت التجارب السابقة أنه هشّ وسريع الانهيار عند تغيّر موازين القوى.

ربما من الأهمية بمكان عدم إغفال القول إنّ القوى المدنية في تونس تملك رصيدًا تاريخيًا مهمًا، لكنّها دفعت ثمن التشتّت والارتهان للحسابات الإيديولوجية الضيقة.

وبالتالي استعادة دورها يمرّ حتمًا أوّلاً عبر الفرز بمراجعة المرسوم (88) لسنة2011 الذي كان سببًا في اختراق العديد من الجمعيات المشبوهة لسيادة الدولة ودعم الإرهاب، وثانيًا عبر وضوح الموقف من الإسلام السياسي، دون رمادية أو مساومات ظرفية.

أمّا التقارب الحالي بين بعض قوى اليسار والإسلام السياسي، فهو تقارب مصلحي لا مبدئي، فرضته الخصومة مع السلطة لا التقاء في المشروع، وهذا الالتقاء يخدم مصلحة الإخوان مع الأسف.

وهذا التقارب أثبت تاريخيًا أنّه مدمّر للقوى المدنية نفسها، لأنّ الإسلام السياسي يستعمله مرحليًا ثم يُقصيه عند أوّل فرصة.

كيف يمكن التعامل مع تحرّكات قيادات حركة النهضة في الخارج؟ وما المطلوب من الدولة لتفنيد ما يُروَّج حول الوضع السياسي والحقوقي في تونس؟

ـ تتحرك قيادات النهضة في الخارج ضمن مسار يهدف إلى تدويل الأزمة والضغط على السلطات التونسية عبر منظمات ولوبيات دولية. ومواجهة هذه التحركات تتطلب دبلوماسية نشطة ومبادِرة، تقدّم المعطيات والوثائق بوضوح وتستبق الحملات بدل الاكتفاء بردود الفعل.

كما أنّ توحيد الخطاب الرسمي وتقديم قراءة قانونية للملفات، إلى جانب كشف الوقائع للرأي العام الدولي، عوامل أساسية لتفكيك الخطاب المقابل وإغلاق منافذ التأثير الخارجي.

يمكننا وصف تحركات قيادات النهضة في الخارج كرقصة الديك المذبوح، وليست دفاعًا عن الديمقراطية أو الحقوق، بل هي محاولة لتدويل الأزمة والضغط على الدولة التونسية عبر لوبيات معروفة.

وبالتالي ينبغي مواجهة هذا الخطاب عبر عدد من المعطيات الرسمية والشعبية معًا حتى يمكن مواجهة هذا التحرك من قيادات النهضة في الخارج، وينبغي على الدول الأوروبية أن تعي جيدًا خطر تلك الجماعات والتنظيمات على مجتمعاتها أيضًا، وما يمثله من تهديد لأنظمتها السياسية.

هل تراهن حركة النهضة على الأزمات المعيشية والاجتماعية للعودة إلى الشارع؟ وكيف يمكن إحباط هذا الرهان سياسيًا وإعلاميًا؟

ـ يبدو أنّ الحركة تحاول الاستفادة من حالة الاحتقان الاجتماعي لاستعادة حضورها الشعبي، غير أنّ إحباط هذا الرهان يمرّ عبر إجراءات اجتماعية ملموسة وخطاب سياسي مسؤول يشرح للمواطنين حقيقة الوضع الاقتصادي وتراكماته.

ويجب توضيح المسؤوليات التاريخية للفاعلين السياسيين في الأزمة ضمن خطاب متوازن لا يقوم على الاتهام المجرد بل على الوقائع والأرقام.

ولكن إلى أيّ حد يبدو ذلك مؤثرًا؟

ـ نعم، حركة النهضة تراهن اليوم أساسًا على الأزمات المعيشية والبيئة كمدخل وحيد للعودة إلى الشارع، بعد فشلها سياسيًا وأخلاقيًا. لكنّ هذا الرهان وهذا الفعل من قبل النهصة ليس قدرًا محتومًا ويمكن إحباطه بشكل لافت عبر صدق الخطاب السياسي الموجه للمواطنين، والتدقيق في عمليات التعيين، ومراجعة إداء المسؤولين الفاشلين، والحرص على تنفيذ عدد من الإجراءات الاجتماعية الملموسة لتحسين حياة المواطن.

إلى أيّ حد يمكن للمصادقة على قانون المالية ودعم البرلمان للرئيس قيس سعيّد أن يُسهما في تحصين الجبهة الداخلية؟

ـ تمثل المصادقة على قانون المالية، وما رافقها من مواقف داعمة للرئيس داخل البرلمان ومجلس الجهات والأقاليم، مؤشرًا على حدٍّ أدنى من الانسجام داخل مؤسسات الدولة. ورغم وجود نقائص ومظاهر شعبوية في الأداء السياسي، فإنّ تثبيت مؤسسات العمل العام وإعادة الثقة في إمكانية الإصلاح يُسهمان في الحد من محاولات الاستثمار في التوتر الاجتماعي أو إعادة إنتاج الفوضى.

المعركة اليوم ذات أبعاد اقتصادية وسياسية وسيادية في آنٍ واحدٍ، وتتطلب وعيًا جماعيًا وإرادة سياسية صلبة.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية