
تشكّل ظاهرة الصحوة الدينية أحد أبرز الظواهر الاجتماعية في القرن العشرين، فمنذ ظهور التيار الديني بقوة في أواخر عقد الستينات وتمدده خلال العقود اللاحقة؛ كان له تأثير كبير في المجتمع المصري خاصة فيما يتعلق بالثقافة السائدة، فقد استطاع هذا التيار من خلال أفكاره التي رسخها في المجتمع عبر العديد من الأدوات والوسائل، أن يعيد صياغة الشخصية المصرية من خلال إكسابها بعض السمات الجديدة.
ورغم أنّ تلك الفترة الزمنية الممتدة منذ الستينات حتى الآن شهدت هذا المد الديني الذي ترتب عليه حضور أكبر للدين في المجال العام، وتزايد في معدلات التدين وفي مظاهر التدين التي تبدو في كثير من جوانب الحياة اليومية، إلا أنّه في الوقت ذاته يلاحظ تراجع في القيم والأخلاق الإيجابية في المجتمع، الأمر الذي يمثل تناقضًا واضحًا على اعتبار أنّ الدين مصدر مهم من مصادر الأخلاق، وهو ما يدفع نحو البحث عن تفسير لذلك.
بين التدين والأخلاق
في كتابه "مصر والمصريون في عهد مبارك" يرصد جلال أمين بعض التحولات التي حدثت في المجتمع المصري خلال النصف الأخير من القرن العشرين، ومن بين هذه التحولات ما يتعلق بالتدين والأخلاق السائدة في المجتمع، فيقول: إنّ المجتمع المصري قبل منتصف السبعينات كان أكثر مراعاة لفضائل الأخلاق، وأكثر احتشامًا، وأقلّ ميلًا لارتكاب الفاحشة منه الآن منتصف التسعينات، على الرغم من أنّه في ذلك الوقت كان الدين يشغل حيزًا صغيرًا من حياة المصريين، والكلام في الدين كان أقلّ بكثير، وكان الانشغال بطلب الفتوى في أمور الدين قليلًا جدًا، وكان الجزء الذي يحتله النقاش حول الأمور الدينية في الصحف والمجلات والإذاعة أصغر بكثير ممّا يُعدّ ظاهرة الصحوة الدينية.
وعلى الجانب المقابل كان لظاهرة الصحوة أثر كبير في زيادة مظاهر التدين في المجتمع، وفي ارتفاع معدلات التدين، وفي تمتع الدين بمكانة كبيرة في المجال العام، فقد رصد العديد من المراكز البحثية المعنية بالحالة الدينية في المجتمعات، ومنها المجتمع المصري، ارتفاع معدلات التدين خلال العقود الأخيرة، وعلى سبيل المثال رصد مؤشر المسح العالمي للقيم خلال الموجات الأربع منذ العام 1999م حتى العام 2022م، وفق ما ذكره الباحث محمد عز في دراسته حول تغيرات القيم الدينية لدى المصريين في العقدين الأول والثاني من القرن الحادي والعشرين، أنّ الدين ما يزال يحتل مكانة كبيرة في المجتمع ويهيمن على حياة المصريين، وأنّ الغالبية من المصريين بمتوسط نسبة 96% يرون أنّ الدين مهم في الحياة، وأنّ نسبة 95% تقريبًا كانوا يصنفون أنفسهم بأنّهم متدينون خلال العقد الأول من القرن الحالي، لكن على الرغم من ذلك، ومن انتشار مظاهر التدين في الحياة اليومية، إلا أنّ المجتمع يشهد تراجعًا في القيم الإيجابية وتصدّر القيم السلبية، ويسهم انتشار العديد من الظواهر السلبية وارتفاع معدلات الجرائم وتغيير نمطها في مزيد من القسوة، سواء من حيث طريقة ارتكابها أو من حيث طبيعة العلاقة بين الجاني والضحية، الأمر الذي يثير التساؤل حول أسباب هذا التناقض.
من الرقيب الداخلي إلى الرقيب الخارجي
التيار الديني صنع نمطًا من التدين له سمات معينة، هذا النمط يهتم بالمظهر ويركز عليه بقدر أكبر من اهتمامه بالجوهر، وقد أنتج نموذجًا أخلاقيًا يعتمد على تعظيم سلطة الرقيب الخارجي "المجتمع /الجماعة" مقابل الإضعاف من سلطة الرقيب الداخلي "الضمير"، وهو ما أسهم بدوره في تراجع القيم والأخلاق على الرغم من قوة حضور الدين وكثرة مظاهر ومعدلات التدين في المجتمع، الذي ترتب عليه هذا التناقض الملحوظ، وبالطبع هذا لا ينفي وجود أسباب أخرى لهذا التراجع القيمي، لكننا هنا نركز على أحد هذه الأسباب المتعلقة بنمط التدين.
وهذا النمط الشكلي من التدين والنموذج الأخلاقي الناتج عنه يُعدّ نتيجة لعدة أسباب، أبرزها:
أولًا: التيار الديني قائم على فكرة الصراع
هذه الفكرة ناتجة عن طبيعته الثورية، حيث جاءت نشأة هذا التيار بداية من جماعة الإخوان مرورًا بكل الجماعات والتيارات التي ظهرت بعد ذلك، كردّ فعل احتجاجي على الواقع بكل ما فيه من أفكار وتيارات ونظم ونظريات ورموز وأوضاع سياسية واجتماعية، ويرى هذا التيار الواقع بعيدًا عن النموذج الإسلامي المتخيل لديه، وبالتالي يسعى إلى إزالته وإعادة بناء ذلك النموذج على أسس جديدة.
وقد خلقت هذه الفكرة لديه نظرة استقطابية للواقع، حيث لا يراه إلا وفق عدد من الثنائيات الحق/الباطل، الخير/الشر، المقدس/المدنس، الصواب/الخطأ... إلخ؛ وبالتالي نتج عن هذا أنّه أصبح لديه، سواء لأفراده أو للمتأثرين بخطابه، درجة كبيرة من الحدة والغضب تجاه كل من يخالفه أو يختلف عنه، تجعله يمارس ضده أيّ ممارسة، ولو كانت غير أخلاقية، بهدف الانتصار عليه أو تحقيق مكتسبات معينة أو الحد من تأثيره في المجتمع كجزء من الصراع بين الحق والباطل، حيث أصبح الانتماء الضيق للفرد إلى التيار أو الجماعة له أولوية لديه، وفي سبيله يقوم بأيّ شيء من شأنه أن يحقق مكسبًا لما ينتمي إليه، كما أنّ هذا الانتماء جعل المعيار في الحكم على الفرد يتمثل في مدى ولائه للجماعة أو التيار والتغاضي عن أيّ معيار شخصي أو خلقي آخر، وهو ما جعل أولوية الفرد هي اكتساب رضا الجماعة، وبذلك تضخم لديه دور الرقيب الخارجي مقابل تهميش الرقيب الداخلي.
الأمر الآخر أنّ هذه النظرة رسخت قناعة لدى هذا التيار بأنّ من حقه الرقابة على سلوك الآخرين تحت ستار "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، وأنّ من حقه في سبيل ممارسة هذه السلطة الإتيان بأيّ فعل من شأنه أن يقيم المعروف ويمنع المنكر، ولو كان فعلًا غير أخلاقي في بعض الأحيان.
ثانيًا: مركزية قضية الهوية
لدى التيار الديني شعور دائم بالخطر والتهديد تجاه الهوية الدينية، فهو يرى أنّ الإسلام شيء ثابت لا يتغير، وأنّ كل فكرة مغايرة للنموذج الموجود لديه عن الإسلام والمستمد من التراث إنّما هي تهديد للهوية؛ وبالتالي يعيش هذا التيار في حالة دائمة من الصراع مع كل التيارات الأخرى التي لا تنطلق من منطلقاته الفكرية نفسها، ويسعى دائمًا إلى إثبات تفوقه عليها من خلال العديد من المظاهر التي تعكس الحضور القوي للدين في المجتمع وزيادة معدلات التدين، لذلك يحرص التيار الديني على الممارسة الدعائية للتدين، مثل التزام النساء بملابس معينة والتزام الرجال بمظهر معين مثل اللحية، وممارسة بعض الشعائر بشكل علني دعائي كصلاة الأعياد في الساحات الكبرى، واستخدام الميكروفونات في المساجد، وإقامة الأنشطة الدينية المختلفة في المساجد والإكثار من مظاهر التدين في الشوارع، وهذا الأمر أسهم في تعظيم نمط التدين الشكلي الذي يهتم بالشكل على حساب الجوهر.
ثالثًا: التأثر بالمدرسة السلفية
التيار الديني الموجود في المجتمع متأثر بشكل كبير بالاتجاه السلفي المتجذر في الأمة منذ قرون، وهذا الاتجاه يعلي من قيمة النقل على العقل، ويلتزم بظواهر النصوص الدينية دون أن يعمل على الوصول إلى العمق، ويتميز بالتقليد لا بالتجديد، وقد خرج التيار الديني متأثرًا به ويمثل امتدادًا له، وتحول لديه هذا الفهم الظاهري والتقليد إلى منهج تفكير، يتعامل به مع النصوص ومع التجربة التاريخية الإسلامية ومع التراث ومع الواقع المعاش، ونتج عنه مزيد من الاهتمام بالشكل في ممارسة التدين وإهمال للجوهر، وهو ما زاد من قوة الرقيب الخارجي وإضعاف الرقيب الداخلي.
رابعًا: تأثير المكون الفقهي
كان للمكون الفقهي المتمثل في المذاهب الفقهية المشهورة والمعتمدة في التاريخ الإسلامي دور كبير في تشكيل ثقافة التيار الديني مقارنة بالمكون العقلاني والفلسفي والصوفي، وكان لهذا التأثير دور في تصور التيار الديني عن الإسلام والنظر إليه باعتباره مجموعة من التشريعات والأوامر والنواهي وأداة للضبط الاجتماعي، ممّا جعله أقرب إلى الاتجاه البنيوي الذي ينظر إلى الجماعة، لا إلى الفرد، على أنّها الوحدة الأساسية للمجتمع، والذي يهتم بآليات تماسك واستقرار المجتمع وكيفية ضبطه، في حين لا يهتم بالفرد وما يفكر فيه ويشعر به ولا بالمعاني الكامنة وراء ممارساته، وهو ما أكسب نمط التدين الذي صنعه التيار الديني نوعًا من الجمود وأسهم في تعظيم الشكل على حساب الجوهر، ومن ثم تعظيم سلطة الرقيب الخارجي وتهميش سلطة الضمير.
خامسًا: آلية "التنظيم"
العديد من مكونات التيار الديني تتشكل في تنظيمات مغلقة، وهذه التنظيمات تعمل من خلال استقطاب عدد كبير من الأفراد تعيد صياغة شخصيتهم بالشكل الذي يتوافق مع أفكارها ومشروعها، ويصبح التنظيم هو المسؤول عن تربية الأفراد ومراقبة سلوكياتهم ودرجة تدينهم وطريقة ممارستهم للتدين، ويسهم هذا مع الوقت في تراجع سلطة الرقيب الداخلي "الضمير" وزيادة سلطة الرقيب الخارجي "الجماعة"، حيث يعمل الفرد دومًا على التحرك، حتى في الجوانب الشخصية والجوانب الخاصة بممارسة التدين، وفقًا لما يضعه التنظيم من ضوابط، ومع الوقت يعتاد الفرد، لا على أن يكون مسؤولًا عن نفسه، ولكن على أن يعرف كيف يدير صورته أمام الجماعة حتى يحصل على الرضا الاجتماعي.
وتسهم فكرة "التنظيم" هذه في ترسيخ قناعة لدى الفرد بأنّ النجاة جماعية وليست فردية، وأنّه طالما بقي داخل التنظيم فهو قد أدى ما عليه من واجبات دينية، حيث ما يقوم به التنظيم من أنشطة وممارسات يعبّر عنه ويرفع عنه العديد من التكليفات، وهو أيضًا يضعف الجانب الذاتي لديه ويهمش من سلطة الضمير.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B0%D9%83%D8%A7%D8%A1_8.jpg.webp?itok=MY28Jm4M)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%86%D9%87%D8%B6%D8%A9_35.jpg.webp?itok=0F9uR4sA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%B9%D9%88%D8%AF%D9%8A_7.jpg.webp?itok=hx0OkFIn)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%861_1.jpeg.webp?itok=cK_ZrK4K)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%88%D9%86%D8%B3_193_3.jpg.webp?itok=nXDaLee7)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B5%D9%84%D8%A7%D8%A8%D9%8A.jpg.webp?itok=HVw9b6Sx)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D9%85%D8%AF%D9%88%D9%83_5_1_1_0.jpg.webp?itok=Bvcv0WWZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%86%D9%85%D8%B3%D8%A7_14.jpg.webp?itok=DuOi0h5s)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4_6.jpg.webp?itok=9rB8crnR)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1_0_1.jpg.webp?itok=EfTkqtIj)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%86%D9%87%D8%B6%D8%A9_36.jpg.webp?itok=EYrCzj58)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A7_5.jpg.webp?itok=mn-Cvwhm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%860_1.jpg.webp?itok=-BlCfjCM)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%A7%D9%83%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D9%86_22_0_1.jpg.webp?itok=vELv53a1)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%D9%8A_1.jpg.webp?itok=xJV_iVmx)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D8%B5%D8%A7%D9%85.png.webp?itok=yvnstWJC)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D8%B1%D9%85%D8%B2_4.jpg.webp?itok=t1TsOP4-)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%85%D9%84%D8%A9_2.jpg.webp?itok=LGVwvYZl)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%B1%D8%B6%D8%A7%D9%88%D9%8A_15_0_0_4.jpg.webp?itok=6X3JWcbO)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D9%88%D9%8A%D8%A9_6.jpg.webp?itok=W3HmVWTo)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A7_4.jpg.webp?itok=hVI6UEOO)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_51.jpg.webp?itok=ismhmetI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)